لماذا يصر السلفيين على التجسيم؟ الجزء الاول

المقال السابع عشر من سلسلة ( الوهابية مقدمة الدجال )

بقلم الدكتور/ احمد عبد الرحيم

الباحث فى التاريخ الإسلامى

من أجل أن تعرف المدى الذى تسببت فيه فرقة الوهابية وذيولها من السلفيين وغيرهم من جماعات الخوارج من بث الفرقة بين المسلمين والعبث بعقائدهم والتلاعب فى الأحاديث النبوية وأمهات كتب العلوم الإسلامية، كان لازماً ان نتعرض ولو للمحة عن ارتباط هذه الفرقة بغيرها من فرق الخوارج السابقة وللبرهنة عن تبنيها لمعتقدات فرق غلاة الباطنيين وغيرهم من الفرق التى بادت وانقرضت من التاريخ الاسلامى.

حذر النبى صلى الله عليه وسلم من الخوارج كثيراً ما لم يحذره من فرقة أخرى ، فلقد وصفهم الرسول صلى الله عليه وسلم أوصافاً تفصيلية من حيث الفكر والطباع والقلب والنفس والعقل وشكل الجسم وطريقة اعتنائهم به حتى طريقة لباسهم ، حتى كلامهم وعبادتهم كله وصفه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 ولعل أخطر وصفٍ لهم وصفهم به النبى صلى الله عليه وسلم هو تتباعهم طوال التاريخ الاسلامى وانه كلما هلك منهم قرن خرج قرن منهم قرناً آخر.

روى عن عبد الله بن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم قال ” إنه كائنٌ فيكم قومٌ يقرؤون القرآنَ لا يُجاوِزُ تَراقِيهم كلما طلعَ منهم قرنٌ قطع ـ حتى ذكرَ عشرين مرةً وزيادةً ـ حتى يكونَ آخرُهم يخرج مع الدَّجَّالِ”.

ولكن ليست كل هذه الخروجات التى يخرجونها فى فترات الفتنة وضعف المسلمين بدرجة الخطورة نفسها ، فلقد خصَّ منها رسول الله صلى الله عليه وسلم خروج هو الأشد والأخطر على الاطلاق ، وهو الذى عبر عنه النبى صلى الله عليه وسلم (قرن الشيطان) فهذا هو أشد فتنة لهم على الاطلاق ، وأشد الفتن التى تكاد تذهب بالدين الاسلامى نفسه من داخل المسلمين.

عن عبدالله بن عمر رضى الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ”  اللهم بارك لنا في شامنا ، اللهم بارك لنا في يمننا ، وقالوا : نجدنا . قال : هناك الزلازل والفتن ، وبها أو قال : منها ، يطلع قرن الشيطان ” اخرجه الذهبي فى سير أعلام النبلاء والبخاري.

وقرن الشيطان المقصود هو قرن من الزمان يفسدون فى الأرض وينفذون فيه مخطط الدجال من اجل تحريف الدين الاسلامى ، وهو عين ما نراه حالياً من بث الفرقة والكراهية والمشادة والتشدد بين المسلمين وهو ما عبر عنه النبى صلى الله عليه وسلم فى الحديث الأول “حتى يكونَ آخرُهم يخرج مع الدَّجَّالِ”.

واعلم اخى القارئ أن فرقة الوهابيين دوماً ما تتطور الى النسخة الأشد فى التكفير والتفرقة بين المسلمين.

فلقد عمد رجال هذه الفرقة خلال القرن الأخير ـ المائة عام الأخيرة ـ الى محاولة قلب تاريخ الإسلام العلمى رأساً على عقب.

فقد بحثوا فى بطون الكتب وأمهاتها يبحثون عن كل غريب منسى ، وكل رأى شاذ ، ومعتقدٍ فاسد ، قد أعرض عنه المسلمون وعلمائهم بعد أن بيَّنوا ضعفه وعدم صحته وأن الأولى خلافه ، فقاموا باحيائه مرة أخرى واتخذوه مذهباً ثم نشروه بين الناس بكل الطرق من بذل المال، والرشاوى ، والتهديد ، وتسفيه الرأى المخالف ، ثم التكفير، ثم التهديد بالحاق الأذى ، ثم القتل كآخر حل ممكن ، ولنا مثال بأشد تلك الطرق وهى القتل ، كقتل علماء نجد والحجاز فى القرن الثامن عشر والتاسع عشر فى الجزيرة العربية بخلاف ارهاب علماء القرن العشرين ، أما فى مصر فعلى سبيل المثال قتلهم للشيخ الذهبى بعد فتوى بتكفيره.

ولكن ما هى الآراء والمذاهب التى أحيتها هذه الفرقة وحاولت فرضها بالقوة وبكل الأساليب المشروعة والغير مشروعة حتى بالإرهاب والقتل:

هناك شرط جامع لكل ما تبنَّته هذه الفرقة من آراء فاسدة وشاذة واتخذتها مذهباً كفَّرت بعدم اتباعه عموم المسلمون.

وهذا الشرط هو مفهوم المخالفة لهذه الآيات القرآنية:

“وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا” آل عمران : 63 .

“وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ” آل عمران : 105.

“إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ” الانعام : 159.

“مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ” الروم : 32.

“شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ” الشورى : 13 .

نعم هو التفريق، فكل ما يؤدى الى تفرق المسلمين فهو مذهبهم.

واعلم ان الذين ضرب الله بهم الأمثال فى التفرق هم اليهود، فكل أمة من أمم بنى آدم ضرب الله بها مثلاً فى أمرٍ ما اشتهروا به ، وكان من نصيب بنى اسرائيل هو التفرق والتحزب الى فرقٍ وأحزابِ يرمى بعضها بعضاً بالكفر.

لقد تفرق بنى اسرائيل فى الشريعة وصاروا شيعاً وأحزاباً قال تعالى “وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ” 110 : هود.

حتى أنهم ألبسوا التفرق المادى فصاروا فى كل البلاد ممزقين وفى المثال “ذهبوا آيادى سبأ” وقال الله سبحانه “فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ” سبأ : 19.