حين تصبح القصيدة طريقًا إلى الله
11 أغسطس، 2026
أولياء أمة محمد

بقلم : أ . وليد عبدالله الشاذلي
،، الملامح الصوفية التربوية في شعر العارف بالله الشيخ علي عقل ،،،
قراءة في شعرٍ لم يكن يصف الطريق… بل كان يربي السائرين عليه
تقدمه :::
هناك شعرٌ يُكتب ليُقال، وشعرٌ يُقال ليُطرب، وشعرٌ يُطرب لأنه يلامس شيئًا من الجمال؛ ولكن هناك شعرًا آخر لا يطلب من السامع أن يصفق له، وإنما يطلب منه أن يتغير.
وهذا هو الموضع الذي ينبغي أن نقف فيه طويلًا أمام شعر العارف بالله الشيخ علي عقل.
فالرجل لم يكن شاعرًا صوفيًا يضع ألفاظ التصوف في قوالب الشعر فحسب، ولم يكن صاحب موهبة شعرية تستمد مادتها من مجالس الذكر وحسب؛ وإنما كان شعره في جوهره تجربة تربوية مكتوبة بلغة الشعر.
وهنا يكمن سر فرادته.
فإذا قرأنا شعره قراءة فنية مجردة رأينا شاعرًا قوي اللغة، واسع النفس، غزير المعاني، شديد التلقائية، وإذا قرأناه قراءة صوفية رأينا صاحب تجربة في الذكر والمحبة والوجد؛ أما إذا جمعنا القراءتين معًا فسوف نكتشف شيئًا أعمق:
سنجد شيخًا يربي بالقافية، ويهذب بالبيت، ويوقظ القلب بالنغم.
وقد وصف الدكتور محمد الجوادي الشيخ علي عقل بأنه من أبرز شعراء التصوف في مصر في النصف الأول من القرن العشرين، وأنه امتاز بقدرة نادرة على ارتجال الشعر في مجالس الذكر، مع غزارة المعاني وطول النفس وقوة البلاغة. كما نقل عن الدكتور عبد الوهاب عزام أن شعره يترجم عن النفس الإنسانية، ويحاول التعبير عن ذلك الشعور الرباني الذي تعجز الألفاظ عن الإحاطة به.
ومن هنا تبدأ رحلتنا.
—
أولًا: شعره يبدأ من حيث يبدأ الطريق… من النفس
لو أردنا أن نضع يدنا على أول مفتاح تربوي في شعر علي عقل، فلن نبحث عنه أولًا في الحديث عن التجليات والمشاهدات، وإنما سنبحث عنه في النفس.
وهذه نقطة بالغة الأهمية.
فالسالك عند كبار أهل التربية لا يبدأ بادعاء المعرفة، وإنما يبدأ بمعرفة عيوب نفسه.
يقول الشيخ علي عقل:
«لم تطعني على البكاء عيوني
فاعذروني إذا حبست الدموعا
لم أجد للدموع أية جدوى
قد أذاب الغرام مني الجميعا»
إننا أمام إنسان لا يتحدث عن «فكرة» اسمها المحبة، وإنما أمام قلب غلبه الوجد حتى أصبحت الدموع نفسها عاجزة عن أداء مهمتها.
لكن الأهم من الدموع هو ما يأتي بعدها.
يقول:
«قد توجهت المهيمن وحدي
ثم أججت بالغرام الضلوعا»
تأمل: توجهت.
فالحركة الحقيقية هنا ليست حركة الجسد، وإنما حركة القلب.
والتصوف في أصفى معانيه هو انتقال القلب من التشتت إلى التوجه، ومن الغفلة إلى الحضور، ومن الاعتماد على الخلق إلى التعلق بالحق.
ولهذا جعل القشيري التوبة أول منزل من منازل السالكين، وأول مقام من مقامات الطالبين؛ لأن الطريق عنده يبدأ بانتباه القلب من رقدة الغفلة.
وهكذا نرى أن علي عقل لا يبدأ شعره من السماء، وإنما يبدأ من قلب الإنسان.
فطريق العروج يبدأ من الأرض.
—
ثانيًا: «قتلت هوى نفسي»… التخلية قبل التحلية
ومن أبلغ معاني التربية الصوفية أن الإنسان لا يستطيع أن يملأ القلب بالنور وهو مصرّ على إبقائه ممتلئًا بأهوائه.
ولهذا كانت «التخلية» مقدمة «التحلية».
وفي شعر علي عقل تتكرر هذه الروح بوضوح؛ فهو لا يجعل الطريق مجرد لذة وجد، وإنما يجعل له ثمنًا:
مجاهدة النفس.
وهذا المعنى يلتقي مع أصل صوفي شهير عند الجنيد:
««ما أخذنا التصوف بالقال والقيل، ولكن أخذناه بالجوع والسهر وترك المألوفات والمستحسنات.»»
فالطريق عند الجنيد ليس كلامًا عن المقامات، بل مجاهدة تتحول بها الأخلاق من حال إلى حال. كما اشتهر عنه قوله إن طريق التصوف مضبوط بالكتاب والسنة.
وهنا تتضح قيمة شعر علي عقل:
إنه لا يبيع للقارئ صورة شاعر عاشق ثم يتركه؛ بل يضع أمامه السؤال الأصعب:
وماذا فعلتَ أنت بنفسك؟
—
ثالثًا: الذكر عند علي عقل ليس حركة لسان… وإنما حياة قلب
وهنا نصل إلى أحد أهم مفاتيح تجربته.
فالشيخ نفسه يروي عن تجربته الأولى مع الذكر أنه بعد أخذه العهد حُبب إليه الذكر، ثم اشتد تعلقه بشيخه حتى صار يسهر الليل في الذكر، وكان شيخه يقرأ له العلم والحديث والفقه، ثم يأمره بالإنشاد من الفيض الإلهي.
وهذه الرواية شديدة الدلالة؛ لأنها تكشف أن تجربته لم تكن وجدًا منفصلًا عن العلم.
بل كان الذكر والعلم والسلوك متجاورين.
ولهذا يقول:
«يا أخا الذكر لا نمل لسواه
أنا أوصيك للورى لن تطيعا»
وهنا تتحول القصيدة من «تعبير عن تجربة شخصية» إلى وصية تربوية.
إنه يخاطب أخاه في الذكر.
وهذه العبارة وحدها تكشف أن الشعر عنده قد خرج من الذات إلى الجماعة؛ من «أنا أشعر» إلى «أنا أوصي».
وهذا هو الفرق بين الشاعر الصوفي والشاعر الذي يستعمل موضوعًا صوفيًا:
الأول يريد أن يشاركك الطريق، والثاني يريد أن يصف لك الطريق.
—
رابعًا: المحبة عنده ليست انفعالًا… إنها تحرير
ومن أروع أبيات الشيخ علي عقل قوله:
«قيل لي: بع بغيره قلت كلا
لسوى الله مهجتي لن أبيعا»
هذا البيت يبدو للوهلة الأولى بيت محبة، لكنه في العمق بيت تربية.
لماذا؟
لأن المحبة هنا ليست مجرد عاطفة؛ إنها قرار.
«لن أبيعا».
أي أن القلب قد اختار.
وقد كانت المحبة عند كبار الصوفية ليست عاطفة عابرة، وإنما مقامًا يعيد تشكيل الإنسان كله.
ولهذا قال الإمام الجنيد، في معنى مشهور من كلامه، إن المحبة أن تميل إلى المحبوب بكل قلبك.
وهنا نجد علي عقل يترجم المعنى في صورة شعرية شديدة القوة:
القلب الذي عرف محبوبه لا يقبل المساومة.
إنه لا يقول:
أحب الله.
ثم يترك قلبه موزعًا على كل شيء.
بل يقول:
«لسوى الله مهجتي لن أبيعا.»
أي أن المحبة عنده تجريد للوجهة.
وهذه من أدق وظائف التربية الصوفية:
أن يتعلم الإنسان كيف يحب الأشياء دون أن يعبدها، وكيف يستخدم الدنيا دون أن تستعمله، وكيف يعيش بين الناس وقلبه غير مرتهن إلا بالله.
—
خامسًا: أجمل ما في شعره… أن «الذل» عنده عين العزة
يقول:
«راق شربي ولذ لي ذلة القلب
وأحببت في حماه الخضوعا»
هذا البيت من أكثر أبياته كشفًا عن طبيعة تجربته.
فما الذي يعجبه؟
الخضوع.
ولكن ليس الخضوع للمخلوق.
إنه:
«في حماه الخضوعا.»
وهنا يجب أن نفهم لغة القوم من داخل اصطلاحهم الروحي.
فالعارف حين يتخلص من كِبر النفس لا يصبح مهانًا؛ بل يتحرر من الحاجة إلى أن يكون كبيرًا في أعين الناس.
وهذا هو أحد أسرار التربية:
أن يموت في الإنسان حب الظهور، لتحيا فيه حقيقة العبودية.
ومن هنا يلتقي هذا المعنى مع المدرسة الجنيدية التي جعلت التصوف تهذيبًا للأخلاق لا ادعاءً للأحوال. فالطريق عند أهل التحقيق ليس في كثرة الكلام عن «المقامات»، وإنما في التحول الأخلاقي الذي تصنعه تلك المقامات في صاحبها.
—
سادسًا: وهنا يبلغ علي عقل ذروة تربويته: «شرعه ينبوعا»
ربما كان هذا البيت هو المفتاح الذهبي لفهم شعر علي عقل كله:
«كلما للأمور فتشت يومًا
لم أجد غير شرعه ينبوعا»
هذا البيت يجب ألا يمر بنا مرورًا عابرًا.
لأنه يحسم العلاقة بين الوجد والشريعة.
فالشاعر الذي يتحدث عن الحب والوجد والمشاهدة يقول لك في لحظة فاصلة:
الينبوع هو الشرع.
وهذه هي الروح التي ميزت كبار الصوفية المحققين.
الجنيد يقول:
««طريقنا هذا مقيد بالكتاب والسنة.»»
وسهل التستري يجعل من أصول الطريق الاقتداء بالنبي ﷺ في الأخلاق والأفعال، وأكل الحلال، وإخلاص النية.
فليس الطريق الصوفي طريقًا موازيًا للشريعة.
بل هو ـ في تصور أهله ـ باطن الاستقامة التي تظهر في الظاهر.
ولهذا فإن البيت السابق ليس بيتًا فقهيًا داخل قصيدة صوفية، بل هو إعلان منهجي:
الحب لا يلغي الشريعة.
والوجد لا يلغي التكليف.
والمعرفة لا تسقط العبادة.
والذوق لا يهدم النص.
بل كلما ارتفع القلب في المعرفة، ازداد افتقارًا إلى الأدب والعبودية.
—
سابعًا: من «الحب» إلى «الأدب»… وهذه هي النقطة التي يغفل عنها كثيرون
إذا أردنا أن نفهم شعر علي عقل تربويًا، فعلينا ألا نقف عند كلمة «الحب».
فالحب عنده ليس نهاية الطريق.
بل هو الذي ينبغي أن ينتج:
أدبًا.
والأدب عند الصوفية ليس مجرد حسن الكلام، وإنما أن تضع كل شيء في موضعه.
ولهذا ارتبطت التربية الصوفية عند أعلامها بالعلم والعمل والسلوك.
فالجنيد لم يكن صاحب تجربة وجد فحسب؛ بل كان عالمًا وفقيهًا، وكذلك القشيري والغزالي والشاذلي وغيرهم.
وهذه الحقيقة تظهر بقوة في سيرة علي عقل نفسها؛ فقد كان إمامًا وخطيبًا ومدرسًا، وتولى التدريس في العلوم الشرعية، وكانت حلقته تجمع العلماء والطلاب، كما تذكر المصادر أنه كان يدرّس السنة والقراءات إلى جانب التصوف.
إذن نحن لا نقرأ شعر رجل انفصل عن العلم إلى الوجد.
بل شعر رجل جمع العلم والذكر والتربية والشعر.
—
ثامنًا: القصيدة عنده «مقام» من مقامات السلوك
وهنا نصل إلى الفكرة التي أظن أنها تستحق أن تكون خلاصة هذا البحث كله.
إننا إذا جمعنا خيوط شعر علي عقل وجدنا القصيدة نفسها تتحرك في طريق صوفي:
غفلة → انتباه → توبة → مجاهدة → ذكر → محبة → خضوع → يقين → وجد.
وهذا ليس ترتيبًا اعتباطيًا.
فالقشيري مثلًا يبدأ مقاماته بالتوبة؛ لأنها رجوع من الغفلة إلى الله.
وعلي عقل لا يشرح هذه المقامات شرحًا مدرسيًا.
إنه يحولها إلى حياة شعرية.
وهذا سر جمال تجربته.
فإذا قرأت قصيدته لم تكن أمام تعريف نظري للتوبة، وإنما أمام قلب يبكي.
ولست أمام تعريف للمحبة، وإنما أمام قلب يقول:
«لسوى الله مهجتي لن أبيعا.»
ولست أمام حديث عن الخضوع، وإنما تسمع قلبًا يقول:
«وأحببت في حماه الخضوعا.»
ولست أمام درس في العلاقة بين الشريعة والحقيقة، وإنما تسمع:
«لم أجد غير شرعه ينبوعا.»
وهنا تتحول القصيدة من نص أدبي إلى ممارسة وجدانية.
—
تاسعًا: لماذا كان شعره مرتجلًا؟
قد يبدو ارتجال الشعر عند الشيخ علي عقل مجرد ظاهرة فنية مدهشة.
لكن لو تأملناها في سياق تجربته الصوفية وجدنا أنها أكثر من ذلك.
المصادر تصف قدرته على الارتجال في مجالس الذكر، وأنه كان ينظم بسرعة بالغة، ويُطلب منه تخميس أو تشطير بيت في المجلس فيجيب فورًا بقصيدة متماسكة. كما تصف حاله عند الوجد بأنه كان يفيض عليه الشعر حتى يعجز السامعون عن ملاحقة ما يقول.
وهنا لا ينبغي أن نسارع إلى تفسير هذه الظاهرة تفسيرًا غيبيًا جازمًا.
لكن أدبيًا وروحيًا يمكن أن نفهمها بوصفها ثمرة امتلاء داخلي طويل.
فالارتجال الحقيقي ليس غياب التحضير.
أحيانًا يكون الارتجال ثمرة تحضير العمر كله.
حين يحفظ القلب القرآن، وتتشبع الذاكرة بالحديث، وتعيش النفس في مجالس الذكر، وتكثر القراءة، ويطول التأمل، ويتدرب اللسان على الشعر؛ يصبح الفيض اللحظي ممكنًا.
وهنا يتحول الارتجال من «حيلة فنية» إلى ثمرة تراكم روحي وعلمي ولغوي.
—
عاشرًا: لماذا يخلو شعره من كثير مما امتلأ به شعر غيره؟
ومن خصائص تجربته التي تستحق التأمل أنه لم يكن ميالًا إلى التشبيب والنسيب الذي كان كثير من الشعراء يتخذونه مدخلًا إلى القصيدة.
وقد لفتت المصادر إلى هذه الخصيصة تحديدًا، وعدتها من سمات تميزه.
وهذا ليس مجرد اختيار موضوعي.
بل هو جزء من هندسة التجربة.
لقد أراد أن تكون القصيدة متجهة إلى مقصدها منذ البداية.
فبدل أن يبدأ من جمال الجسد ليصعد إلى جمال المعنى، كان يذهب مباشرة إلى المعنى الذي امتلأ به قلبه.
وهكذا أصبحت القصيدة عنده أقل التفاتًا إلى الخارج وأكثر إصغاءً إلى الداخل.
إنها لا تبحث عن المحبوب في صورة إنسانية، وإنما في معنى المحبة نفسه.
—
الحادي عشر: «ديوان الإلهام»… الاسم نفسه مفتاح
ومن اللافت أن ديوانه يحمل اسم:
«الإلهام»
وقد نشر بعد وفاته، سنة 1959، على يد تلميذه الشيخ أحمد عبد السلام الحلواني، كما أُدرجت قصائده في مؤلفات تناولت الأدب الصوفي وتجربته.
والعنوان نفسه جدير بالتأمل.
فالإلهام هنا ليس بالضرورة ادعاءً لوحي أو كشف تشريعي ـ وهذا أمر لا يصح نسبته إلى أحد بعد النبي ﷺ ـ وإنما هو عنوان أدبي لتجربة يرى صاحبها أن الشعر يجيء إليه من فيض وجداني عميق.
والشيخ نفسه وصف لحظة من تجربته بقوله إنه كان ينطلق لسانه وكأنه يقرأ سطورًا نُقشت على فؤاده.
وهذه العبارة تكشف لنا كيف كان يرى العملية الشعرية:
الكلمة لا تُصنع فقط… بل تُستخرج من أعماق التجربة.
—
الثاني عشر: علي عقل بين «الذوق» و«النص»
ومن أهم ما يميز التجربة الصوفية الناضجة أنها لا تجعل الذوق خصمًا للنص.
وهذا حاضر بوضوح في شعر الشيخ.
فعندما يقول:
«لم أجد غير شرعه ينبوعا»
فهو يضع التجربة الوجدانية داخل إطار الشريعة.
وهنا نستطيع أن نعيد قراءة مقولة الجنيد:
««طريقنا هذا مقيد بالكتاب والسنة.»»
ليس باعتبارها جملة تاريخية عن التصوف فقط، وإنما باعتبارها مفتاحًا لفهم علي عقل نفسه.
فشعره يذهب إلى الوجد، نعم.
لكنه لا يذهب إليه منفصلًا عن الشرع.
ويذهب إلى المحبة، نعم.
لكنه لا يجعل المحبة بديلًا عن الطاعة.
ويتحدث عن الفيض، نعم.
لكنه لا يجعل الفيض مصدر تشريع.
وهذه نقطة شديدة الأهمية في قراءة شعره قراءة علمية.
—
الثالث عشر: التناص القرآني والنبوي… حين تصبح الذاكرة الدينية مادة الشعر
وقد تناولت دراسة أكاديمية مستقلة بعنوان «التناص في شعر علي عقل» تجربته، وتناولت نشأته وتعليمه وشعره وارتجاله، كما درست حضور النصوص الدينية والتاريخية في شعره. والدراسة منشورة في مجلة كلية اللغة العربية بإيتاي البارود التابعة لجامعة الأزهر سنة 2015.
وهذه القضية مهمة جدًا؛ لأن النص الصوفي عند علي عقل لا يعيش في فراغ.
إنه يتحرك داخل ذاكرة إسلامية واسعة.
فالقرآن حاضر.
والسيرة حاضرة.
والمديح النبوي حاضر.
والتراث الصوفي حاضر.
والشاعر لا يستعمل هذه العناصر استعمالًا زخرفيًا، وإنما يحولها إلى طاقة وجدانية.
وهنا تتجلى براعة الشاعر الحقيقي:
أن يأخذ النص الذي يعرفه الناس جميعًا، ثم يجعله يبدو وكأن القلب يراه للمرة الأولى.
—
الرابع عشر: الشعر عنده لا يطلب الإعجاب… وإنما يطلب التحول
وهنا نصل إلى الفارق الأكبر.
يمكن للقارئ أن يعجب بقصيدة.
لكن هل يمكن لقصيدة أن تجعله يراجع نفسه؟
هذه هي قيمة شعر علي عقل.
إنها قصيدة تقول لك:
اترك هواك.
اذكر ربك.
أخلص نيتك.
أحب بصدق.
اخضع للحق.
لا تبع قلبك لغير الله.
والزم شرع الله.
ثم بعد ذلك:
إن جاءك الوجد، فاحمد الله.
وهذا الترتيب مهم.
لأن الشيخ لا يجعل «الوجد» شهادة تفوق.
بل يجعله ثمرة طريق.
—
الخامس عشر: وهنا تكمن فرادة علي عقل
لقد كتب الشعراء في الحب.
وكتب الشعراء في الزهد.
وكتب الشعراء في المديح النبوي.
وكتب الشعراء في التصوف.
لكن خصوصية علي عقل ـ فيما تكشفه مجموعته الشعرية وشهادات من كتبوا عنه ـ أنه جمع بين التلقائية الشعرية، والتجربة الروحية، والتربية، والعلم الشرعي، والمجالس الذكرية في نسيج واحد.
ولهذا لا ينبغي أن نقرأه بوصفه شاعرًا يصف التصوف.
بل ينبغي أن نقرأه بوصفه شاعرًا يحوّل التصوف إلى حركة داخل القصيدة.
ففي البيت حركة.
وفي القافية حركة.
وفي الصورة حركة.
والأهم:
في قلب القارئ حركة.
—
الخاتمة
القصيدة التي كانت تريد أن تُصلح الإنسان
ربما كان من السهل أن نقول:
إن الشيخ علي عقل شاعر صوفي.
لكن هذا الوصف، على صحته، لا يكفي.
لأن الشاعر الصوفي قد يكتب عن التصوف، أما علي عقل فكان شعره ـ في كثير من مواضعه ـ يمارس التربية الصوفية داخل اللغة نفسها.
كان يضع يدك على الجرح:
النفس.
ثم يأخذك إلى الدواء:
الذكر.
ثم يفتح لك باب الشفاء:
المحبة.
ثم يعلمك أدب الوقوف:
الخضوع.
ثم يمنعك من الضلال في الطريق:
الشريعة.
ثم يتركك أمام مقام لا يقدر اللسان على وصفه:
الوجد.
ولهذا فإن أجمل ما يمكن أن نقوله عن تجربته:
«إن علي عقل لم يجعل القصيدة مرآة يرى فيها نفسه فقط، وإنما جعلها مرآة يرى فيها السالك عيوب نفسه، ثم جعل منها سُلَّمًا يصعد به من ظلمة الهوى إلى نور المحبة.»
إنه شعر لا يسأل:
كيف أعجبك؟
بل يسأل:
ماذا صنعت بك؟
وهذه، في تقديري، هي المسافة الفاصلة بين الشعر الذي يعيش في الكتب، والشعر الذي يعيش في القلوب.
فالقصيدة عند علي عقل لم تكن نهاية الكلام.
كانت بداية الطريق.
ولذلك يمكن أن نضع تجربته كلها تحت عبارة واحدة:
«كان يكتب الشعر بلسان الشاعر، ولكن القصيدة كانت تريد أن تتكلم بلسان المربي.»
وهنا يصبح «ديوان الإلهام» أكثر من ديوان.
إنه سجلّ قلب.
وشهادة ذوق.
وملامح طريق.
وأثر رجلٍ أراد للكلمة أن تفعل ما لا تفعله الكلمة العادية:
أن توقظ الغافل، وتهذب السالك، وتُذكّر المحب، وترد القلب إلى الله.
و الحمد لله رب العالمين