التجريد من الخلق.. طريقٌ إلى التعلق بالخالق
11 أغسطس، 2026
بستان الصالحين

بقلم : أ. سيدة حسن
حين جرّد الله أطهر النساء من البشر
تأملتُ في قصص أربعٍ من أطهر وأعزّ النساء: آسية امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران، وهاجر أم إسماعيل، وأم موسى.
أربع نساء، جمعتهن لحظات قاسية من التجريد؛ جُرّدت كل واحدة منهن من سندٍ بشري، حتى بدا في لحظةٍ ما أن لا أحد يستطيع أن ينقذها.
وكأن في قصصهن سُنّةً من سنن الله في خلقه:
أن يجرّد الله القلب أحيانًا من الخلق، ليعلّمه ألا يتكئ إلا على الخالق.
آسية… حين لا يكون أقرب الناس سندًا
كانت آسية في قصر فرعون، لكن القصر لم يمنحها أمانًا، وزوجها لم يكن لها سندًا، بل كان مصدر البلاء.
فرفعت قلبها إلى الله وقالت:
﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾[التحريم: 11]
لم تطلب بيتًا بعيدًا عن فرعون فقط، بل طلبت بيتًا عند الله.
مريم… حين لم يبقَ حولها أحد
خرجت مريم إلى مكان قصي، ثم جاءها المخاض وحدها، فقالت من شدة الألم:
﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا﴾
فجاءها النداء:
﴿أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾[مريم: 23–24]
حين غاب البشر، لم تغب العنايةهاجر… حين جُرّدت من كل الأسباب
وُضعت هاجر وابنها في وادٍ لا أنيس فيه ولا ماء. فلما علمت أن ذلك أمر الله، قالت لإبراهيم:«إذًا لا يُضيّعنا»رواه البخاري.
ثم سعت وحدها تبحث عن الماء، حتى فجّر الله زمزم.
ومن سعي امرأةٍ وحيدة في وادٍ مقفر، صار السعي شعيرةً يتعبد بها الناس إلى يومنا هذا.
وأم موسى… حين اضطرت أن تضع أغلى ما تملك في يد الله
كانت تخاف على رضيعها من بطش فرعون، فأوحى الله إليها:
﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾[القصص: 7]
أيُّ قلبٍ هذا الذي يستطيع أن يضع طفله في الماء لأنه وثق بوعد الله؟
ثم يقول سبحانه:﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغًا ۖ إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا﴾[القصص: 10]
لم تكن تعرف كيف سيعود إليها، لكنها وثقت بمن قال:﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾.
ماذا أراد الله أن يقول لنا من قصصهن؟
آسية جُرّدت من السند.
ومريم جُرّدت من الأهل في أشد لحظاتها.
وهاجر جُرّدت من البشر والعمران والماء.
وأم موسى جُرّدت حتى من قدرتها على الاحتفاظ بطفلها وحمايته بيديها.
أربع نساء، وأربع صور للتجريد.
وليس لنا أن نجزم بحكمة الله في كل ابتلاء، لكننا نستطيع أن نتأمل ما تركته لنا قصصهن:
قد يفرغ الله يديك من الخلق، لا ليتركك، بل ليحررك من وهم أن نجاتك بأيديهم.
فالناس أسباب، لكنهم ليسوا مصدر الأمان.
وقد تكون أقسى لحظات الوحدة هي اللحظات التي يتعلم فيها القلب أصدق معاني الافتقار.
هاجر خرج من وحدتها زمزم.
ومريم خرجت من عزلتها آية.
وأم موسى أعاد الله إليها ابنها وهي لا تعرف كيف سيعود.
وآسية اختارت بيتًا عند الله حين لم تجد أمانًا في بيت فرعون.
فإذا جرّدتك الحياة يومًا من بعض من تحبين، لا تسألي فقط:
لماذا تركني الناس؟
اسألي أيضًا:
ماذا يريد الله أن يعلّم قلبي الآن؟
فربما كان التجريد الذي أبكانا طويلًا…
هو الطريق الذي أعاد القلب إلى الله.