الرزق في مهب اليقين: من عتمة المادة إلى سعة الوجود
11 أغسطس، 2026
بستان الصالحين

بقلم : د. تاليا عراوي كاتبة وأخصائية في الأخلاقيات
وعضو المجلس العالمي للأخلاقيات الطبية الإسلامية
وناشطة في مجال حقوق الإنسان
كأنها كائن حي يخفق بنبض خفيّ؛ ففي جوف الليل وتحت ضوء القمر الحاني، يداعب الهوى العليل أوراقها برفق، فتميس في مكانها متأرجحة كأمّ حنون تهدهد طفلها الرضيع لتهدئ روعه. لست أدري حقاً، أترقص طرباً مع نسمات الهواء الهادئة، أم تهمس للملائكة بأخبار البشر وهمومهم، أم تراها تضرب على صدرها بأوراقها حزناً وأسىً من أهوال ما رأت وعاصرت على مرّ الزمان؟
وما أشدّ فتنتها؛ فلا أستطيع أن أشيح نظري لحظة واحدة عن رشاقتها الآسرة، إذ يتمايل كل غصن منها في انسجام مذهل مع سواه، في حركة بديعة متأملة تشبه تماماً رقص الدراويش في صوفيتهم وخشوعهم. إنها تقف هناك بثبات، شامخة وعميقة، تتنفس بصمت وتخفي أسراراً تفوق الوصف، لتتبين تدريجياً هيئتها الكاملة لترسم ملامح تلك الشجرة العريقة التي طالما حرسَت العتمة والسكينة. وكأنّ في هذا المشهد مرآةً خفيّة تعكس حياتنا نحن البشر؛ فتلك الشجرة، بميلانها وسكونها، محكومة بذات القدر والمقادير التي تسير أقطار وجودنا. تماماً مثلنا، وُلدت من رحم التراب، وتنمو وتزهر، ثم يأتي عليها أوان تذوي فيه وتموت، لتنهض وتعود إلى الحياة في دورة أبدية لا تنتهي. إنها حكاية التراب الذي جُبلنا منه وإليه نعود، تتجسد في جذوع راسخة وأغصان طليقة تدرك بالفطرة أن البقاء والعدم وجهان لحقيقة واحدة، وأن الأقدار )مهما اشتدت( لا تخلو من حكمة خفية تعيد ترتيب الروح والكون من جديد.
أمعنت النظر في تلك الشجرة )أم تُرَاها هي التي كانت تُمعن النظر فيّ؟( فكرت في وجودها وكيف تقاوم عصف الرياح لا بالقسوة بل بالمرونة، وكيف تستمدّ استمراريتها من بلاغة الأفق وتربة الفناء دون أن تملك حساباً أو كنزاً. وهناك، في ذلك التماهي الصامت بين صبابة الجذر وشموخ الغصن، أعدتُ مساءلة ذلك الإحساس الدفين الذي طالما راودني عند الوقوف في حضرة الدعاء. فبينما كانت جوارح الناس تلحّ في طلب الرزق، كنت أنا بالذات أُحجم عن سؤاله ولا أجترئ البتة على طلبه، معتقدةً أن أن طلب الرزق هو طلب المال ليس إلا . لقد توهمتُ أن في سؤاله استكثاراً من حطام زائل وتعلقاً بما لا يليق بصفاء الروح، فكنت أخجل من أن أمدّ يدي طالبة إياه، غافلةً عن أن ما كنت أدعو الله به وألجأ إليه فيه )من طمأنينة القلب، وسلام الروح، ودفء العائلة، وعافية البدن( كان هو عينه “الرزق” الذي هربتُ من استجدائه خشية المادة! لكن تلك اللحظة أمام الشجرة أسقطت الجدران المصطنعة؛ لتكشف أن هذا الفصل الأحاديثي وهمٌ محض، وأن ما كنت أسأله بقلب وجل، متخفيةً عن معنى المال، هو في جوهره الفلسفي النور الأطهر الذي تُستأنف به الحياة.
إشراقات الفلاسفة في معنى الرزق:
يتجاوز مفهوم “الرزق” في الفلسفات الكبرى حدود المادة الضيقة ودفاتر الحسابات؛ فهو عند فلاسفة الإسلام، مثل الإمام الغزالي في سفره العظيم “إحياء علوم الدين”، عطاء وجودي متكامل يربط السعي البشري) الكسب (باليقين المطلق) التوكل(، محذراً من الوهم القائل بأن تضخم الثروة هو الدليل الأوحد على الرزق. وفي ذات السياق الإسلامي، يربط محيي الدين بن عربي في “الفتوحات المكية” الرزق بما يسمى “الاستعداد الداخلي” للعبد وتجليات الأسماء الإلهية (مثل الرزاق والنور)، مشدداً على أن الرزق الحقيقي هو ما يغذي الوجود والروح ولا يقف عند حدود المادة البحتة، بينما يقدم الإمام الراغب الأصفهاني في “مفردات ألفاظ القرآن” تعريفاً تأسيسياً جامعاً للرزق باعتباره كل ما يأتيه الإنسان وينتفع به، سواء كان من أمور الدنيا أو الآخرة (كالعلم، والصحة، والسكينة).
ويبرز هذا البعد الوجودي بوضوح أيضاً عند ابن سينا، حيث ناقش في “رسالة في الأرزاق” قضية الرزق وتوزيع المقادير برؤية عقلية وفلسفية تربط التدبير الإلهي بالنظام الكوني العام؛ مُبيناً أن الرزق ليس مجرد تكالب مادي أو تضخم في الثروة، بل هو جزء من حكمة أوسع تضبط إيقاع الوجود واستمرارية الحياة، مع إدراك أن سعي الإنسان (الكسب) لا يتعارض مع التسليم بأن التدبير الأعظم للخلق وتقدير الأقوات صادر عن حكمة إلهية عليا. أما في سيرته الشخصية، فقد عُرف عن ابن سينا أنه كان إذا استغلق عليه أمر علمي أو تحيّر في مسألة، فزع إلى الصلاة والابتهال حتى يفتح الله بصيرته لفهم المستغلق، عادّاً أن الفهم والعلم من أجلّ أشكال الرزق الباطن.
وفي السياق الوجودي والأخقي الأوسع، يلتقي هذا المعنى مع رؤية الرواقيين )أمثال إبكتيتوس في “أحاديث إبكتيتوس” وسينيكا في رسائله( الذين دعوا إلى تحرير الإنسان من قلق المستقبل وعبودية الاحتكار عبر التفريق بين ما تملكه الإرادة وما يقع تدبيره خارج حدود السيطرة. وبذلك، يتحول الرزق في الميزان الفلسفي من مجرد سلعة تُستجدى إلى مظلة كبرى تحتضن حرية الوعي، وطمأنينة الروح، وسلامة الوجود.
غير أن التاريخ الإنساني شهد انعطافة حادة؛ إذ على النقيض من ذلك تماماً، سلك الإنسان المعاصر اتجاهاً مغايراً قادَه إلى التخلي عن تلك البصيرة الوجودية، فقد وجد هذا التحول الجذري صداه الجليّ عند نخبة من المفكرين النقاد. في تحليله لمفهوم “الاغتراب”، كشف كارل ماركس عن كيف تُستلب طاقة الإنسان لتغدو سلعةً تسلخه عن جوهره، بينما حذّر مارتن هايدغر في مقالته “السؤال عن التقنية” من أن نزعة الحداثة اختزلت الوجود الإنساني بأكمله إلى مخزون استراتيجي وموارد خاضعة للنفعية البحتة. وإمعاناً في رصد هذا المأزق، واجه المحلل النفسيإريك فروم في مؤلفه “أن تملك أو تكون؟” هوس العصر بالاستهلاك باعتباره بديلاً زائفاً عن السلام الروحي، ليأتي الفيلسوف الفرنسي جان بودريار ويشخّص في “مجتمع الاستهلاك” كيف أخضعت الرأسمالية المتأخرة هوية الإنسان وأمانه الوجودي لسلطة المظاهر الفارغة والقدرة الشرائية.
بين سعة العطاء القراني وحكمة التقدير الإلهي:
وفي خضم هذا التيه المادي الذي اختزل الكينونة البشرية في أرقام ومعادلات عابرة، تأتي العودة إلى الجذور لتضيء عتمة الأسئلة وترد الروح إلى ينابيع الطمأنينة.
فحين نتأمل الوجود، ندرك أن وعينا القاصر بحقيقة النعم يحتاج أبداً إلى هداية النص المؤسس للكون، لنخرج من ضيق التبرم إلى رحاب البصيرة. ففي الرؤية القرآنية السامية، لا يقتصر مفهوم الرزق أبداً على قشور المال، بل يتسع ليشمل كل ما ينفع الإنسان، ويقيم عزيمته، ويحفظ إنسانيته؛ يقول الله تعالى مبيناً سعة العطاء: وفي السماء رزقكم وما توعدون، وحين يمتنّ على عباده بأعظم أرزاق الأمان والاطمئنان، يربطها باستقرار الوجود في قوله: الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف. بل إن أعظم أشكال الرزق وأجله تكمن في هبة الوجود والوعي الباطن التي خلّدها النداء الإلهي النافذ إلى الأعماق: قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون، تذكيراً بأن حواس الإدراك وبصيرة القلوب هي أرقى أشكال العطاء التي تُختبر بها إنسانية المرء في مدى شكره لها؛ فالرزق يشمل السكينة، واليقين، والعلم، والصحة، والأهل، وكل فرصة تُسخّر لأسباب الحياة لندرك أننا نرفل في نعم لا تعد ولا تحصى، مصداقاً لقوله تعالى في تمام الإحاطة: وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم.
وهذا العطاء الواسع هو رزق مقدر ومكتوب لكل إنسان في علم الله الرازق، وهو التزام إلهي شامل لا يعجزه تدبير؛ غير أن التأمل في هذه الحتمية يفتح نافذة واسعة على سنن الله في الكون، حيث يتجلى التناغم البديع بين بسط الرزق وتضييقه وفق حكمة بالغة، كما يبرز في قوله تعالى: الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له إن الله بكل شيء عليم. فتفاوت الأقدار والأرزاق ليس عبثاً ولا صدفة، بل هو توزيع حكيم صادر عن علم محيط بأحوال العباد ومصالحهم؛ فمن الناس من يصلحه الغنى ويفسده الفقر، ومنهم من لا يصلحه إلا الفقر. ولذلك ختمت الآية بالعلم ليطمئن قلب المؤمن إلى أن مقادير الأرزاق مدبرة بعلم عادل يضع كل شيء في موضعه الصحيح، ومقترنة بصفة الإله العظيم الذي وصف نفسه بأنه إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين، رسالة طمأنينة قاطعة بأن العطاء مضمون ومؤكد، وأنه سبحانه القوي الذي لا تضعف قدرته ولا تنفد خزائنه.
إلا أن هذا اليقين المطلق لا يُلغي أبداً دور الإنسان في السعي والاجتهاد والعمل المتقن والإحسان، متأبياً على التواكل، وعلى غرار سعي السيدة هاجر عليها السلام بين الصفا والمروة حين اشتد بها العطش ولم تكتفِ بالتوكل وحده دون حركة، مع الحذر المطلق من التماس الرزق بالطرق المحرمة التي تمحق بركته. وتتكامل هذه المسيرة الإنسانية مع مفاتيح روحية خمسة تفتح أبواب الرزق وتوسعه: أولها توطيد الإيمان والتوكل بإدراك أن الله هو الرازق الحقيقي واللجوء إليه وقت الشدائد، وثانيها الإكثار من الاستغفار باعتباره مخرجاً من كل ضيق وسبباً للرزق من حيث لا يحتسب الإنسان، وثالثها المحافظة على الصلاة بإعطائها الأولوية على شؤون الدنيا لتتمتلئ القلوب غناً، ورابعها صلة الرحم بوصفها نبضاً مباركاً يبسط في الرزق ويمد في الأجل، وخامسها الشكر والامتنان بالاعتراف بنعم الله، عملاً بالوعد الإلهي الحتمي: لئن شكرتم لأزيدنكم. وبذلك تلتئم المعاني كلها لترسخ في النفس البشرية أن الرزق مقسوم بحكمة عليمة، ومكفول بقدرة عظيمة، مما يحرر قلب الإنسان من تعلّق القلب بالأسباب المادية الفانية، ويوجب له الرضا التام، واليقين الخالص، والتوكل الصادق على الخالق وحده.
حين يلتحم التوكل الإلهي بكرامة العمل:
لم يكن النبي محمد صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه الكرام وخلفاؤه الراشدون ينظرون إلى الرزق نظرة مادية جافة، بل كانوا يرون البركة في تفاصيل الحياة ويسلّمون تسليماً تاماً لحكمة الله فيها؛ فقد كان صلى الله عليه وسلم يخف في خدمة أهله ويشاركهم أعباء البيت، معلماً أمته أن السعي على العيال ومشقة العمل هما من باب الجهاد والاحتساب، وراسمًا معالم اليقين في قوله: “لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكما كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً”، فالطير تسعى وتحرك أجنحتها، لكنها تحمل قلوباً واثقة بمولاها. وفي ذات السياق، عُرف عن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه تعمقه في معاني الأرزاق حين كان يوصي بحتمية الأقدار: “يا ابن آدم، الرزق رزقان: رزق تطلبه، ورزق يطلبك؛ فإن لم تأته أتاك”، وهو ما يحرر الروح من ضيق القلق واللهاث المستمر. وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يدرك تماماً أن المسؤولية والتعب في خدمة الخلق هو أعظم أرزاق القيادة وعبادتها، حتى إنه كان يقول بعبارته التي تعكس ثقل الأمانة وخشيتها: “لو أن بغلةً عثرت في العراق لخشيت أن يسألني الله عنها: لمَ لم تمهد لها الطريق يا عمر؟”.
إن هذا الفهم العميق يترسخ باليقين الإلهي القاطع بأن الآجال والأرزاق مكتوبة ومقدرة أزلاً )كما جاء في قول النبي صلى الله عليه وسلم: “كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة( إذ لا تموت نفس حتى تستكمل رزقها، مصداقاً لقوله الصادق المصدوق: “إن الرزق ليطلب العبد أكثر مما يطلبه أجله”. ويزداد هذا اليقين جلالاً بما ورد في الحديث القدسي الحكيم: «يا ابن آدم، خلقتك للعبادة فلا تلعب، وقسمت لك رزقك فلا تعب، فإن أنت رضيت بما قسمته لك أرحت قلبك وبدنك وكنت عندي محموداً، وإن لم ترض بما قسمته لك فوعزتي وجلالي لأسلطن عليك الدنيا ترتكض فيها ارتكاض الوحوش في البرية، ثم لا يكون لك منها إلا ما قسمت لك، كنت عندي مذموماً». غير أن هذه الحتمية لا تنافي أبداً مبدأ “العمل بالأسباب” والأخذ بها تحت قاعدة “اعقلها وتوكل”، بل توجب الاعتدال والإجمال في الطلب كما وصى النبي صلى الله عليه وسلم: “أجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تطلبوها بمعصية الله؛ فإن الله لا ينال ما عنده إلا بطاعته”.
نعيش اليوم في عصر تتآكل فيه المنظومة الأخلاقية وتتداعى معاييرها؛ ممّا يطرح تساؤلات فلسفية ملحّة حول مشروعية اللجوء إلى وسائل ملتوية للحصول على عمل في ظل شحّ الفرص وضرورة البقاء. غير أن الضرورة لا تبيح المحظور، إذ يُحرم شرعاً وقانوناً الالتجاء إلى أشكال التضليل المهني والتزييف الوظيفي—مثل تزوير الشهادات الأكاديمية، واختلاق الخبرات الوهمية، وتجميل السيرة الذاتية ببيانات غير صحيحة، وتلفيق الأوراق الثبوتية—امتثالاً لقوله تعالى: وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ، وتحذيره صلى الله عليه وسلم: مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا. وحين نتأمل سير نخبة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، تتكشف لنا المعاني الحية لهذا اليقين في تجاربهم الواقعية التي ترفض الانكفاء على الرهبنة أو إسقاط الاعتبار الروحي. فحين هاجر عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه إلى المدينة منقطعاً من كل حطام الدنيا بعد أن ترك ماله بمكة، وعرض عليه أخوه الأنصاري سعد بن الربيع مقاسمته مناصفة في المال والبيوت، اعتز عبد الرحمن بعزّة المؤمن وقال كلمته الخالدة: “بارك الله لك في أهلك ومالك، دلّني على السوق!”، فانخرط في التجارة بعرق جبينه حتى غدا من أغنى أغنياء المدينة، مبرزاً أن الاستغناء الذاتي والعمل المتقن هما بركة ترفض التكاسل. ولا تقل قصة سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه إلهاماً. فهو الصحابي الذي عُرف بإجابة دعوته، وأدرك أن سرّ بركة رزقه يكمن في متانة ورعه وحذره الشديد مما يدخل جوفه، فكان لا يرفع إلى فيه لقمة إلا وهو يعلم مصدرها الحلال الطيب، مصداقاً للتحذير النبوي من أن الدنس المادي يقطع حبل الإجابة. وفي ذات التجلى، يتجلى عمق البذل والإنفاق المستدام في قصة ذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه حين اشترى “بئر رومة” أيام شدة الجفاف وجعلها وقفاً عاماً يشرب منه المسلمون مجاناً، ليظل ريع هذا الوقف يتدفق في خدمة الفقراء عبر القرون المتعاقبة حتى يومنا هذا، مجسداً الاستثمار الأخروي الذي لا ينقطع.
ويُتوج أبو بكر الصديق رضي الله عنه هذا البناء الروحي بموقف فريد يعكس حقيقة مكانة المال في قلوب الأبرار. فحين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالنفقة في سبيل الله، جاء عمر بن الخطاب بنصف ماله، فإذا بأبي بكر يأتي بماله كله، فلما سأله النبي صلى الله عليه وسلم: “وما أبقيت لأهلك؟”، أجاب بيقين راسخ: “أبقت لهم الله ورسوله”. لم يكن أبو بكر زاهداً متخذاً من الفقر شعاراً، بل كان تاجراً مجداً، لكنه أدرك جوهر اليقين وحكمة الإمام ابن القيم الخالدة: “إذا وُضع المال في يدك لا في قلبك لم يضرك وإن كثر، وإذا وُضع في قلبك ضرك وإن لم يكن في يدك شيء”. وبدلاً من التكالب المادي المذموم، تُبنى السعادة الحقيقية على القناعة والرضا بتدبير الله، مع الأخذ بمفاتيح الفرج والرزق النبوية والقرآنية؛ كالتجرد للاستغفار الذي يضمنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: “من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجاً، ومن كل هم فرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب”، والتزام تقوى الله التي تجعل العبد ينال ما يعجز عنه تدبيره .فمن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، متيقناً بأن ما عند الله لا يُنال إلا بطاعته وحسن الالتجاء إليه بالدعاء والابتهال ليفيض على الروح طمأنينة وعلى الوجود بركة لا تنضب.
وهكذا تتكامل الدائرة؛ فتلك الآثار النبوية والخطوات العلوية والعمريّة لم تكن سوى مصابيح تضيء لنا عتمة الفهم، لنكتشف أن مفاهيم الوجود تبنى من إيقاع التفاصيل لا من قممها. ومن هنا يتسلل الإدراك العميق إلى الجوهر؛ فإن إدراكنا بأن كل حركة، وكلّ جهدٍ تبرّمنا منه ، وكل ميل نقطعه في طريقنا، وكل شجرة نقف متأملين في ظلها، هو جزء من منظومة الرزق الإلهي الواسعة؛ يُبدل الشكواي إلى شكر، ويجعل من تفاصيل الحياة البسيطة محراباً للرضا والامتنان. وحين يتسرب اليقين إلى الأعماق، يدرك القلب أن الأقدار، مهما اشتدت، لا تخلو من حكمة خفية تعيد ترتيب الروح والكون من جديد، لنكتشف أننا كتلك الشجرة العريقة، نمتد بجذورنا في تراب الفناء، لنلامس بأغصاننا سماء اليقين.
من هنا، لا يعود الحديث عن الرزق واليقين ترفاً فكرياً أو نظريات معزولة في كتب الفلاسفة، بل يصبح مرآة حية نختبر بها قسوة الأيام وعنفوان الحقيقة. ولهذا أكتب ما أسطره الآن من عين التجربة ولهيبها لا من أبراج التفلسف العالية.
فقبل أعوام معدودة، تعرضت لظلم بيّن حين طُلب مني بغير وجه حق أن أغادر مؤسسة أكاديمية سكبت فيها عصارة فكري وجهدي، فأسست برنامجاً وقُدتُه بعزم وإخلاص حتى صار علامة فارقة ذائعة الصيت على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. نعم، لم تكن هناك أسباب موضوعية ولا علمية ولا مبررات عقلية تُسوِّغ ذلك القرار، بل كانت غيوم العبث البشري تحجب رؤية النور. غير أنني، وفي تلك اللحظة الحرجة، أدركت ببصيرة الإيمان ويقين العارفين أن في طيات هذا الألم تدبيراً إلهياً حكيماً، ومثل تلك الشجرة وأوراقها الراقصة في هبات الريح، مستحضرة حكمة جلال الدين الرومي الخالدة: “كُن كالشجرة ودع الأوراق الميتة تسقط”، لنتعلم أن الشفاء والنمو يتطلبان منا التخلّي الطبيعي عن الأشياء القديمة أو المؤلمة أو غير البالغة نفعاً بدلاً من التشبث بها، وحينها أيقنت أن رزقي من تلك المؤسسة قد استنفد آخره، وأن الله قد خطّ لي بداية جديدة في مكان آخر لحكمة بالغة لا أدرك كل تفاصيلها وحدي. وحين بدأ المحيطون بي والمحبون يثورون غضباً لدفع هذا الظلم، والدفاع المستميت عن حقوقي، والسعي نحو الانتصار والرد، كنت ألتفت إليهم بقلب أضناه اليقين ولسان يقطر طمأنينة، مرددة قولنا الخالد: “صاحب الحق سلطان”، واثقة بأن السلطان الحقيقي هو لسلطان الحق سبحانه، وبأن من توكل على الله كفاه، وبأن ما عند الله من العوض والبركة هو خير وأبقى وأطهر لكل روح أتعابها السعي في مرضاته . فما أوهن الظن حين يتباكى القلب على غصنٍ انكسر أو رزقٍ توارى، جاهلاً أن الشجرة لا تُلقي بأوراقها الميتة عبثاً، بل لتستعد جذورها لربيع أطهر وأبقى، وتدرك متأخراً أن الرزق الأجمل هو ذاك الذي يُزهر في مهب اليقين لا في بساتين الوهم.