
خُطْبَةُ الجُمُعَةِالقَادِمَةِ ((يَوْمُ عَرَفَةَ يَوْمُ الْمُبَاهَاةِ الْإِلَهِيَّةِ))
د/ مُحَمَّد حِرْز
إِمَامٌ بِوِزَارَةِ الأَوْقَاف
بِتَارِيخِ 5 من ذي الحجة 1447هـ / 22 مايو 2026م
لتحميل الخطبة Pdf اضغط أدناه
yawm arafa yawm mobaha
اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الْقَائِلِ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، أَوَّلٌ بِلَا ابْتِدَاءٍ، وَآخِرٌ بِلَا انْتِهَاءٍ، الْوِتْرُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الْقَائِلُ ـ كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ» رواه البخاري. فَاللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَزِدْ وَبَارِكْ عَلَى النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الْأَطْهَارِ، وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَنَا لَسْتُ فِي الْحُجَّاجِ يَا رَبَّ الْوَرَى******لَكِنَّ قَلْبِي بِالْمَحَبَّةِ كَبَّرَا
لَبَّيْكَ مَا نَبَضَ الْفُؤَادُ وَمَا دَعَا دَاعٍ*****وَمَا دَمْعٌ بِعَيْنٍ قَدْ جَرَى
لَبَّيْكَ أُعْلِنُهَا بِكُلِّ تَذَلُّلٍ*****لَبَّيْكَ مَا امْتَلَأَتْ بِهَا أُمُّ الْقُرَى
أَمَّا بَعْدُ….. فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي أَيُّهَا الأَخْيَارُ بِتَقْوَى العَزِيزِ الغَفَّارِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]. عِبَادَ اللهِ: ((يَوْمُ عَرَفَةَ يَوْمُ الْمُبَاهَاةِ الْإِلَهِيَّةِ))، عُنْوَانُ وِزَارَتِنَا وَعُنْوَانُ خُطْبَتِنَا.
عَنَاصِرُ اللِّقَاءِ:

❖ أَوَّلًا: وَاشَوْقَاهُ إِلَى الْحَجِّ.

❖ ثَانِيًا: عَرَفَةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ عَرَفَةَ؟

❖ ثَالِثًا وَأَخِيرًا: إِلْقَاءُ الْقُمَامَةِ فِي الشَّوَارِعِ سُلُوكٌ سَيِّئٌ يَا سَادَةُ.
أَيُّهَا السَّادَةُ: بِدَايَةً مَا أَحْوَجَنَا فِي هَذِهِ الدَّقَائِقِ المَعْدُودَةِ إِلَى أَنْ يَكُونَ حَدِيثُنَا عَنْ يَوْمِ عَرَفَةَ: يَوْمُ الْمُبَاهَاةِ الْإِلَهِيَّةِ، وَخَاصَّةً يَوْمُ عَرَفَةَ سُوقٌ لِلْمُتَاجَرَةِ مَعَ اللَّهِ، وَمَوْسِمٌ لِلرِّبْحِ الْأُخْرَوِيِّ، إِنَّهُ مَيْدَانٌ لِلْمُسَابَقَةِ إِلَى الْخَيْرَاتِ، وَالْإِكْثَارِ مِنَ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ، لَحَظَاتُهُ أَنْفَسُ اللَّحَظَاتِ، وَسَاعَاتُهُ أَغْلَى السَّاعَاتِ، وَيَوْمُهُ أَفْضَلُ الْأَيَّامِ وَأَحَبُّهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فِيهِ تَتَنَزَّلُ الرَّحْمَاتُ، وَتُغْفَرُ الزَّلَّاتُ، وَتُرْفَعُ الدَّرَجَاتُ، وَيُبَاهِي اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ الْمُخْلِصِينَ مَلَائِكَتَهُ الْمُقَرَّبِينَ، وَخَاصَّةً يَوْمُ عَرَفَةَ نَفْحَةٌ مِنْ نَفَحَاتِ الرَّحْمَنِ، يَتَسَابَقُ فِيهَا الْمُتَسَابِقُونَ إِلَى طَاعَةِ الرَّحْمَنِ، وَيَتَنَافَسُ فِيهَا الْمُتَنَافِسُونَ فِي الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ، رَاجِينَ مَغْفِرَتَهُ وَرِضْوَانَهُ، وَمُتَعَرِّضِينَ لِنَفَحَاتِ فَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ ، وَيَتَنَافَسُ فِيه المُتَنَافِسُونَ، وَيَسْتَكْثِرُونَ فِيه مِنَ الخَيْرَاتِ، وَيَتَدَارَكُونَ فِيهَ مَا فَاتَ مِنْ نَفَحَاتِ الرَّحْمَنِ، وَيَسْتَغْفِرُ فِيهَ المُذْنِبُونَ، وَيَنْدَمُ فِيهَ المُفَرِّطُونَ، وَيَتُوبُ اللهُ جَلَّ وَعَلَا عَلَى مَنْ تَابَ، وَخَاصَّةً فِي زَمَنٍ تَعَطَّشَتِ الأَفْئِدَةُ ، وَذُنُوبُنَا كَثِيرَةٌ تَحْتَاجُ إِلَى غَسْلٍ وَمَحْوٍ، وَجَاءَتْ أَيَّامُ غَسْلِ الذُّنُوبِ وَمَحْوِ السَّيِّئَاتِ، فَقَالَ ﷺ: ((إِنَّ لِرَبِّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَيَّامِ دَهْرِكُمْ نَفَحَاتٍ، فَتَعَرَّضُوا لَهَا، لَعَلَّ أَحَدَكُمْ أَنْ تُصِيبَهُ مِنْهَا نَفْحَةٌ لَا يَشْقَى بَعْدَهَا أَبَدًا)) رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ. وَخَاصَّةً وَنَحْنُ عَلَى أَعْتَابِ يَوْمِ عَرَفَةَ، خَيْرِ الْأَيَّامِ وَأَعْظَمِهَا وَأَشْرَفِهَا عِنْدَ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، وَخَاصَّةً وَأَنَّ يَوْمَ عَرَفَةَ هُوَ يَوْمُ التَّمَامِ وَالْكَمَالِ وَالنِّعْمَةِ وَالْعَطَاءِ لِأُمَّةِ الْإِسْلَامِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3].
اللَّهُ أَكْبَرُ!
أَوَشَمَمْتَ عَبِيرًا أَزْكَى مِنْ غُبَارِ الْمُحْرِمِينَ؟
أَوَرَأَيْتَ لِبَاسًا قَطُّ أَجْمَلَ وَأَجَلَّ مِنْ لِبَاسِ الْحُجَّاجِ وَالْمُعْتَمِرِينَ؟
أَوَرَأَيْتَ رُؤُوسًا أَعَزَّ وَأَكْرَمَ مِنْ رُؤُوسِ الْحَالِقِينَ وَالْمُقَصِّرِينَ؟
أَوَمَرَّ بِكَ رَكْبٌ أَشْرَفَ مِنْ رَكْبِ الطَّائِفِينَ؟
أَوَهَزَّكَ نَغَمٌ أَرْوَعُ مِنْ تَلْبِيَةِ الْمُلَبِّينَ وَأَنِينِ التَّائِبِينَ وَتَأَوُّهِ الْخَاشِعِينَ وَمُنَاجَاةِ الْمُنْكَسِرِينَ؟
جُمُوعٌ مُلَبِّيَةٌ، وَأَعْيُنٌ بَاكِيَةٌ، وَعَبَرَاتٌ سَاكِبَةٌ، وَأَلْسِنَةٌ ذَاكِرَةٌ، وَقُلُوبٌ خَاشِعَةٌ، وَنُفُوسٌ خَاضِعَةٌ، وَأَيْدٍ دَاعِيَةٌ، وَجِبَاهٌ سَاجِدَةٌ، تُفْرِحُ كُلَّ مُؤْمِنٍ وَتُغِيظُ كُلَّ عَدُوٍّ وَكَافِرٍ. بِتِلْكَ النُّفُوسِ الْمُؤْمِنَةِ يَزْدَهِرُ الزَّمَانُ، وَتَحْتَفِلُ الْأَيَّامُ، وَتَطْرَبُ الْأَرْضُ، وَتَشْتَعِلُ الْأَرْجَاءُ.
لَبَّيْكَ رَبِّي وَإِنْ لَمْ أَكُنْ بَيْنَ الزِّحَامِ مُلَبِّيًا***لَبَّيْكَ رَبِّي وَإِنْ لَمْ أَكُنْ بَيْنَ الْحُجَّاجِ سَاعِيًا
لَبَّيْكَ رَبِّي وَإِنْ لَمْ أَكُنْ بَيْنَ عِبَادِكَ دَاعِيًا**لَبَّيْكَ رَبِّي وَإِنْ لَمْ أَكُنْ بَيْنَ الصُّفُوفِ مُصَلِّيًا
لَبَّيْكَ رَبِّي فَاغْفِرْ جَمِيعَ ذُنُوبِي أَدَقَّهَا وَأَجَلَّهَا.
❖ أَوَّلًا: وَاشَوْقَاهُ إِلَى الْحَجِّ.
أَيْهَا السَّادَةُ: وَاشَوْقَاهُ إِلَى الْحَجِّ، وَإِلَى تِلْكَ الْمَشَاعِرِ الْمُقَدَّسَةِ، وَإِلَى زَمْزَمَ وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَإِلَى التَّلْبِيَةِ الَّتِي تَهُزُّ الْقُلُوبَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ. وَاشَوْقَاهُ إِلَى الْوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ، وَالدُّمُوعِ تَنْهَمِرُ، وَالْأَيْدِي تَرْتَفِعُ، وَالْقُلُوبُ تَخْشَعُ، وَالْعَبْدُ يَرْجُو مِنْ رَبِّهِ الْعَفْوَ وَالْغُفْرَانَ.
تُنَادِي الْأَوْطَانُ وَأَنْتَ تَدْعُو فَلَا لَبَّيْكَ إِلَّا لَكَ، وَيُمْسِكُ الْأَهْلُ وَأَنْتَ تَدْعُو فَلَا لَبَّيْكَ إِلَّا لَكَ، وَيَدْعُو الْمَالُ وَالْوَلَدُ إِلَى أَنْ يَظَلَّ الْإِنْسَانُ خَلِيفَتَهُمْ، وَأَنْتَ تَدْعُو فَلَا لَبَّيْكَ إِلَّا لَكَ.
الْحَجُّ عِبَادَةٌ مَالِيَّةٌ وَبَدَنِيَّةٌ، ثَوَابُهَا عَظِيمٌ، وَنَفْعُهَا لِلْمُسْلِمِينَ عَمِيمٌ، وَكَيْفَ لَا؟ وَهُوَ جِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِمَنْ عَجَزَ عَنِ الْجِهَادِ وَحَمْلِ السِّلَاحِ فِي مَيَادِينِ الْقِتَالِ؛ فَعَنْ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «جِهَادُ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ وَالضَّعِيفِ وَالْمَرْأَةِ: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. بَلْ قَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَرَى الْجِهَادَ أَفْضَلَ الْعَمَلِ، أَفَلَا نُجَاهِدُ؟ قَالَ: «لَا، وَلَكِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ: حَجٌّ مَبْرُورٌ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَالْحَجُّ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ وَأَعْظَمِ الْقُرُبَاتِ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ: أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ»، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «جِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَاشَوْقَاهُ إِلَى الْحَجِّ! وَكَيْفَ لَا يَشْتَاقُ الْإِنْسَانُ إِلَيْهِ؟ وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ ثَوَابٌ إِلَّا الْجَنَّةُ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَاشَوْقَاهُ إِلَى الْحَجِّ! وَالْحَجُّ يُكَفِّرُ الذُّنُوبَ صَغِيرَهَا وَكَبِيرَهَا إِلَّا رَدَّ الْمَظَالِمِ إِلَى أَهْلِهَا؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَهَذَا هُوَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْسُطْ يَمِينَكَ لِأُبَايِعَكَ، فَبَسَطَ يَدَهُ فَقَبَضْتُ يَدِي، فَقَالَ: «مَا لَكَ يَا عَمْرُو؟» قَالَ: أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ، قَالَ: «تَشْتَرِطُ مَاذَا؟» قَالَ: أَنْ يُغْفَرَ لِي، قَالَ: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا، وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
بَلْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ غَنِيًّا فَعَلَيْكَ أَنْ تَحُجَّ بَيْتَ اللَّهِ الْحَرَامَ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِلْحَجِّ الْمَبْرُورِ ثَوَابٌ دُونَ الْجَنَّةِ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَحْمَدُ.
وَكَيْفَ لَا يَشْتَاقُ الْإِنْسَانُ إِلَيْهِ؟ وَرُؤْيَةُ الْحَجَرِ وَاسْتِلَامُهُ شَهَادَةٌ بِالْإِيمَانِ، وَقَدْ قَالَ ﷺ: «لَيُبْعَثَنَّ اللَّهُ الْحَجَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَهُ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا وَلِسَانٌ يَنْطِقُ بِهِ يَشْهَدُ لِمَنْ اسْتَلَمَهُ بِحَقٍّ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ.
وَكَيْفَ لَا يَشْتَاقُ الْإِنْسَانُ إِلَيْهِ؟ وَالرُّكْنُ وَالْمَقَامُ يَاقُوتَتَانِ مِنْ يَاقُوتِ الْجَنَّةِ؛ فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ ﷺ: «إِنَّ الرُّكْنَ وَالْمَقَامَ يَاقُوتَتَانِ مِنْ يَاقُوتِ الْجَنَّةِ، طَمَسَ اللَّهُ نُورَهُمَا، وَلَوْ لَمْ يُطْمَسْ نُورُهُمَا لَأَضَاءَتَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
وَكَيْفَ لَا أَشْتَاقُ إِلَى الْحَجِّ وَهُوَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ؟ وَهُوَ الْبَيْتُ الَّذِي طَهَّرَهُ وَطَيَّبَهُ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: 26]. وَهُوَ مَثَابَةُ النَّاسِ وَأَمْنُهُمْ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125]. وَهُوَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: 158]. وَبِهِ قِيَامُ أَمْرِ النَّاسِ فِي مَعَاشِهِمْ وَمَعَادِهِمْ، قَالَ تَعَالَى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: 97].
وَكَيْفَ لَا أَشْتَاقُ إِلَى الْحَجِّ وَهُوَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ؟ وَفِي الْحَجِّ تَعْظِيمٌ لِحُرُمَاتِ اللَّهِ، وَاسْتِشْعَارٌ لِعَظَمَتِهِ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: 30]. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32].
وَالْحَجُّ يَغْرِسُ فِي نَفْسِ الْمُسْلِمِ الشَّوْقَ وَالْحَنِينَ إِلَى لِقَاءِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. وَالشَّوْقُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَكُونُ بِالشَّوْقِ إِلَى مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ مِنْ أَفْعَالٍ وَأَقْوَالٍ وَأَمَاكِنَ، وَمِنَ الْأَمَاكِنِ الَّتِي يُحِبُّهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَكَّةُ شَرَّفَهَا اللَّهُ، أَحَبُّ الْبِقَاعِ إِلَى اللَّهِ وَأَفْضَلُ بُقْعَةٍ فِي الْأَرْضِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. فَكُلُّ مُسْلِمٍ يُحِبُّ اللَّهَ جَلَّ جَلَالُهُ يُحِبُّ بَيْتَهُ وَيَشْتَاقُ إِلَى الْمَجِيءِ إِلَيْهِ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: 37].
وَفِي هَذَا الْمَشْهَدِ الإِيمَانِيِّ الْعَظِيمِ يَتَجَلَّى أَنَّ الْقُلُوبَ إِذَا صَحَّ إِيمَانُهَا، تَحِنُّ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، وَتَسْتَجِيبُ لِنِدَاءِ الرَّحْمَنِ، وَتَتَشَوَّقُ إِلَى مَوَاطِنِ الرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ…فَالْحَجُّ لَيْسَ مُجَرَّدَ أَفْعَالٍ ظَاهِرَةٍ، بَلْ هُوَ تَزْكِيَةٌ لِلنَّفْسِ، وَتَطْهِيرٌ لِلْقَلْبِ، وَتَرْبِيَةٌ عَلَى الصَّبْرِ وَالْإِخْلَاصِ وَالتَّجَرُّدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَيَخْرُجُ الْعَبْدُ مِنْ مَالِهِ وَوَطَنِهِ وَأَهْلِهِ لَا يُرِيدُ إِلَّا وَجْهَ اللَّهِ وَرِضْوَانَهُ. وَمِنْ عَظَمَةِ هَذِهِ الْفَرِيضَةِ أَنَّهَا تَجْمَعُ بَيْنَ أَهْلِ الْإِيمَانِ عَلَى صَعِيدٍ وَاحِدٍ، لَا فَرْقَ بَيْنَ أَبْيَضَ وَأَسْوَدَ، وَلَا غَنِيٍّ وَلَا فَقِيرٍ، وَلَا رَئِيسٍ وَلَا مَرْؤُوسٍ، إِلَّا بِالتَّقْوَى، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]. فَيَا سَعَادَةَ مَنْ تَطَهَّرَ قَلْبُهُ، وَصَدَقَ مَعَ رَبِّهِ، وَأَحْسَنَ فِي عِبَادَتِهِ، وَاغْتَنَمَ أَيَّامَ اللَّهِ وَنَفَحَاتِهِ، وَجَعَلَ حَيَاتَهُ كُلَّهَا طَاعَةً وَخُضُوعًا لِرَبِّ الْعَالَمِينَ.
يَا سَائِرِينَ إِلَى الْحَبِيبِ تَرَفَّقُوا*****فَالْقَلْبُ بَيْنَ رِحَالِكُمْ خَلَّفْتُهُ
مَالِي سِوَى قَلْبِي وَفِيكَ أَذَبْتُهُ****مَالِي سِوَى دَمْعِي وَفِيكَ سَكَبْتُهُ
❖ ثَانِيًا: عَرَفَةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ عَرَفَةَ؟
أَيْهَا السَّادَةُ: يَوْمُ عَرَفَةَ شَرَفٌ عَظِيمٌ وَفَضْلٌ كَبِيرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، فَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي نَالَتْ فِيهِ أُمَّةُ النَّبِيِّ ﷺ وِسَامَ الرِّفْعَةِ وَالشَّرَفِ عَلَى سَائِرِ الْأُمَمِ أَجْمَعِينَ.
يَوْمُ عَرَفَةَ وَمَا أَدْرَاكُمْ مَا يَوْمُ عَرَفَةَ؟! إِنَّهُ الْيَوْمُ الَّذِي خَصَّهُ اللَّهُ بِالْأَجْرِ الْكَبِيرِ وَالثَّوَابِ الْعَظِيمِ عَنْ كُلِّ أَيَّامِ السَّنَةِ، إِنَّهُ الْيَوْمُ الَّذِي يَعُمُّ اللَّهُ عِبَادَهُ بِالرَّحْمَاتِ، وَيُكَفِّرُ عَنْهُمْ السَّيِّئَاتِ وَيَمْحُو عَنْهُمْ الْخَطَايَا وَالزَّلَّاتِ، وَيُعْتِقُهُمْ مِنَ النَّارِ. الْيَوْمُ الَّذِي يُرَى فِيهِ إِبْلِيسُ صَاغِرًا حَقِيرًا، الْيَوْمُ الَّذِي أَكْمَلَ اللَّهُ فِيهِ الدِّينَ وَأَتَمَّ النِّعَمَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. إِنَّهُ يَوْمُ عَرَفَةَ، يَوْمُ التَّجَلِّيَاتِ وَالنَّفَحَاتِ الْإِلَهِيَّةِ، يَوْمُ الْعَطَاءِ وَالْبَذْلِ وَالسَّخَاءِ. يَوْمُ عَرَفَةَ وَمَا أَدْرَاكُمْ مَا يَوْمُ عَرَفَةَ؟! أَفْضَلُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي يَخْرُجُ فِيهِ حُجَّاجُ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ شُعْثًا غُبْرًا لِأَدَاءِ رُكْنِ الْحَجِّ الْأَعْظَمِ وَهُوَ الْوُقُوفُ بِصَعِيدِ عَرَفَةَ، رَافِعِينَ أَكُفَّ التَّضَرُّعِ لِلْمَوْلَى عَزَّ وَجَلَّ، رَاجِينَ مَغْفِرَتَهُ وَعِتْقَهُ مِنَ النَّارِ. فَأَيْنَ مَنْ يَتَعَرَّضُونَ لِنَفَحَاتِ الرَّحْمَنِ جَلَّ جَلَالُهُ؟ وَأَيْنَ مَنْ يَتَعَرَّضُونَ لِمَغْفِرَةِ اللَّهِ وَكَرَمِهِ؟ أَيْنَ مَنْ يَغْتَنِمُونَ هَذَا الْيَوْمَ بِالتِّجَارَةِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا يَغْتَنِمُهُ أَهْلُ الدُّنْيَا بِتِجَارَةِ الدُّنْيَا؟ هَذَا يَوْمُ عَرَفَةَ، يَوْمُ الْمَغْفِرَةِ، فَإِذَا كَانَ الْحُجَّاجُ وَهُمْ وَاقِفُونَ فِي عَرَفَاتٍ يَنْعَمُونَ بِرَحْمَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَغْفِرَتِهِ وَرِضْوَانِهِ، فَإِنَّ أَبْوَابَ الرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ وَالرِّضْوَانِ مَفْتُوحَةٌ أَمَامَنَا وَنَحْنُ فِي بُيُوتِنَا بِاسْتِغْلَالِنَا لِهَذَا الْيَوْمِ الْعَظِيمِ الْمُبَارَكِ بِطَاعَةِ الرَّحْمَنِ جَلَّ جَلَالُهُ وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ. يَوْمُ عَرَفَةَ وَمَا أَدْرَاكُمْ مَا يَوْمُ عَرَفَةَ؟! إِنَّهُ مَوْقِفٌ مُصَغَّرٌ عَنْ مَوْقِفِ الْحَشْرِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، حَيْثُ يَقِفُ النَّاسُ فِي عَرَفَاتٍ مُجَرَّدِينَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، فَالْكُلُّ وَاقِفٌ أَمَامَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَزَّ وَجَلَّ. لِذَا افْتَتَحَ اللَّهُ سُورَةَ الْحَجِّ مُذَكِّرًا بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾. يَتَجَلَّى هُنَاكَ مَوْقِفُ الْإِنْسَانِيَّةِ وَالْأُخُوَّةِ وَالْمُسَاوَاةِ، فَلَا رَئِيسٌ وَلَا مَرْؤُوسٌ، وَلَا حَاكِمٌ وَلَا مَحْكُومٌ، وَلَا غَنِيٌّ وَلَا فَقِيرٌ، وَلَا أَمِيرٌ وَلَا مَأْمُورٌ، وَلَا أَبْيَضُ وَلَا أَسْوَدُ وَلَا أَصْفَرُ، الْكُلُّ عِبَادٌ لِلَّهِ، الْكُلُّ يُنَاجُونَ رَبَّهُمُ الْعَظِيمَ، لِيَنَالُوا مَغْفِرَتَهُ وَرِضْوَانَهُ.
مجلة روح الاسلام فيض المعارف