خُطْبَةُ الجُمُعَةِ القَادِمَةِ ((يَوْمُ عَرَفَةَ يَوْمُ الْمُبَاهَاةِ الْإِلَهِيَّةِ)) للدكتور : مُحَمَّد حِرْز



خُطْبَةُ الجُمُعَةِالقَادِمَةِ ((يَوْمُ عَرَفَةَ يَوْمُ الْمُبَاهَاةِ الْإِلَهِيَّةِ))

د/ مُحَمَّد حِرْز
إِمَامٌ بِوِزَارَةِ الأَوْقَاف

بِتَارِيخِ 5 من ذي الحجة 1447هـ / 22 مايو 2026م

لتحميل الخطبة Pdf اضغط أدناه
yawm arafa yawm mobaha

اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الْقَائِلِ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، أَوَّلٌ بِلَا ابْتِدَاءٍ، وَآخِرٌ بِلَا انْتِهَاءٍ، الْوِتْرُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الْقَائِلُ ـ كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ» رواه البخاري. فَاللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَزِدْ وَبَارِكْ عَلَى النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الْأَطْهَارِ، وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَنَا لَسْتُ فِي الْحُجَّاجِ يَا رَبَّ الْوَرَى******لَكِنَّ قَلْبِي بِالْمَحَبَّةِ كَبَّرَا

لَبَّيْكَ مَا نَبَضَ الْفُؤَادُ وَمَا دَعَا دَاعٍ*****وَمَا دَمْعٌ بِعَيْنٍ قَدْ جَرَى

لَبَّيْكَ أُعْلِنُهَا بِكُلِّ تَذَلُّلٍ*****لَبَّيْكَ مَا امْتَلَأَتْ بِهَا أُمُّ الْقُرَى

أَمَّا بَعْدُ….. فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي أَيُّهَا الأَخْيَارُ بِتَقْوَى العَزِيزِ الغَفَّارِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]. عِبَادَ اللهِ: ((يَوْمُ عَرَفَةَ يَوْمُ الْمُبَاهَاةِ الْإِلَهِيَّةِ))، عُنْوَانُ وِزَارَتِنَا وَعُنْوَانُ خُطْبَتِنَا.

عَنَاصِرُ اللِّقَاءِ:

♦️♦️❖ أَوَّلًا: وَاشَوْقَاهُ إِلَى الْحَجِّ.

♦️♦️❖ ثَانِيًا: عَرَفَةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ عَرَفَةَ؟

♦️♦️❖ ثَالِثًا وَأَخِيرًا: إِلْقَاءُ الْقُمَامَةِ فِي الشَّوَارِعِ سُلُوكٌ سَيِّئٌ يَا سَادَةُ.

أَيُّهَا السَّادَةُ: بِدَايَةً مَا أَحْوَجَنَا فِي هَذِهِ الدَّقَائِقِ المَعْدُودَةِ إِلَى أَنْ يَكُونَ حَدِيثُنَا عَنْ يَوْمِ عَرَفَةَ: يَوْمُ الْمُبَاهَاةِ الْإِلَهِيَّةِ، وَخَاصَّةً يَوْمُ عَرَفَةَ سُوقٌ لِلْمُتَاجَرَةِ مَعَ اللَّهِ، وَمَوْسِمٌ لِلرِّبْحِ الْأُخْرَوِيِّ، إِنَّهُ مَيْدَانٌ لِلْمُسَابَقَةِ إِلَى الْخَيْرَاتِ، وَالْإِكْثَارِ مِنَ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ، لَحَظَاتُهُ أَنْفَسُ اللَّحَظَاتِ، وَسَاعَاتُهُ أَغْلَى السَّاعَاتِ، وَيَوْمُهُ أَفْضَلُ الْأَيَّامِ وَأَحَبُّهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فِيهِ تَتَنَزَّلُ الرَّحْمَاتُ، وَتُغْفَرُ الزَّلَّاتُ، وَتُرْفَعُ الدَّرَجَاتُ، وَيُبَاهِي اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ الْمُخْلِصِينَ مَلَائِكَتَهُ الْمُقَرَّبِينَ، وَخَاصَّةً يَوْمُ عَرَفَةَ نَفْحَةٌ مِنْ نَفَحَاتِ الرَّحْمَنِ، يَتَسَابَقُ فِيهَا الْمُتَسَابِقُونَ إِلَى طَاعَةِ الرَّحْمَنِ، وَيَتَنَافَسُ فِيهَا الْمُتَنَافِسُونَ فِي الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ، رَاجِينَ مَغْفِرَتَهُ وَرِضْوَانَهُ، وَمُتَعَرِّضِينَ لِنَفَحَاتِ فَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ ، وَيَتَنَافَسُ فِيه المُتَنَافِسُونَ، وَيَسْتَكْثِرُونَ فِيه مِنَ الخَيْرَاتِ، وَيَتَدَارَكُونَ فِيهَ مَا فَاتَ مِنْ نَفَحَاتِ الرَّحْمَنِ، وَيَسْتَغْفِرُ فِيهَ المُذْنِبُونَ، وَيَنْدَمُ فِيهَ المُفَرِّطُونَ، وَيَتُوبُ اللهُ جَلَّ وَعَلَا عَلَى مَنْ تَابَ، وَخَاصَّةً فِي زَمَنٍ تَعَطَّشَتِ الأَفْئِدَةُ ، وَذُنُوبُنَا كَثِيرَةٌ تَحْتَاجُ إِلَى غَسْلٍ وَمَحْوٍ، وَجَاءَتْ أَيَّامُ غَسْلِ الذُّنُوبِ وَمَحْوِ السَّيِّئَاتِ، فَقَالَ ﷺ: ((إِنَّ لِرَبِّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَيَّامِ دَهْرِكُمْ نَفَحَاتٍ، فَتَعَرَّضُوا لَهَا، لَعَلَّ أَحَدَكُمْ أَنْ تُصِيبَهُ مِنْهَا نَفْحَةٌ لَا يَشْقَى بَعْدَهَا أَبَدًا)) رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ. وَخَاصَّةً وَنَحْنُ عَلَى أَعْتَابِ يَوْمِ عَرَفَةَ، خَيْرِ الْأَيَّامِ وَأَعْظَمِهَا وَأَشْرَفِهَا عِنْدَ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، وَخَاصَّةً وَأَنَّ يَوْمَ عَرَفَةَ هُوَ يَوْمُ التَّمَامِ وَالْكَمَالِ وَالنِّعْمَةِ وَالْعَطَاءِ لِأُمَّةِ الْإِسْلَامِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3].

اللَّهُ أَكْبَرُ!
أَوَشَمَمْتَ عَبِيرًا أَزْكَى مِنْ غُبَارِ الْمُحْرِمِينَ؟
أَوَرَأَيْتَ لِبَاسًا قَطُّ أَجْمَلَ وَأَجَلَّ مِنْ لِبَاسِ الْحُجَّاجِ وَالْمُعْتَمِرِينَ؟
أَوَرَأَيْتَ رُؤُوسًا أَعَزَّ وَأَكْرَمَ مِنْ رُؤُوسِ الْحَالِقِينَ وَالْمُقَصِّرِينَ؟
أَوَمَرَّ بِكَ رَكْبٌ أَشْرَفَ مِنْ رَكْبِ الطَّائِفِينَ؟

أَوَهَزَّكَ نَغَمٌ أَرْوَعُ مِنْ تَلْبِيَةِ الْمُلَبِّينَ وَأَنِينِ التَّائِبِينَ وَتَأَوُّهِ الْخَاشِعِينَ وَمُنَاجَاةِ الْمُنْكَسِرِينَ؟
جُمُوعٌ مُلَبِّيَةٌ، وَأَعْيُنٌ بَاكِيَةٌ، وَعَبَرَاتٌ سَاكِبَةٌ، وَأَلْسِنَةٌ ذَاكِرَةٌ، وَقُلُوبٌ خَاشِعَةٌ، وَنُفُوسٌ خَاضِعَةٌ، وَأَيْدٍ دَاعِيَةٌ، وَجِبَاهٌ سَاجِدَةٌ، تُفْرِحُ كُلَّ مُؤْمِنٍ وَتُغِيظُ كُلَّ عَدُوٍّ وَكَافِرٍ. بِتِلْكَ النُّفُوسِ الْمُؤْمِنَةِ يَزْدَهِرُ الزَّمَانُ، وَتَحْتَفِلُ الْأَيَّامُ، وَتَطْرَبُ الْأَرْضُ، وَتَشْتَعِلُ الْأَرْجَاءُ.

لَبَّيْكَ رَبِّي وَإِنْ لَمْ أَكُنْ بَيْنَ الزِّحَامِ مُلَبِّيًا***لَبَّيْكَ رَبِّي وَإِنْ لَمْ أَكُنْ بَيْنَ الْحُجَّاجِ سَاعِيًا

لَبَّيْكَ رَبِّي وَإِنْ لَمْ أَكُنْ بَيْنَ عِبَادِكَ دَاعِيًا**لَبَّيْكَ رَبِّي وَإِنْ لَمْ أَكُنْ بَيْنَ الصُّفُوفِ مُصَلِّيًا

لَبَّيْكَ رَبِّي فَاغْفِرْ جَمِيعَ ذُنُوبِي أَدَقَّهَا وَأَجَلَّهَا.

♦️❖ أَوَّلًا: وَاشَوْقَاهُ إِلَى الْحَجِّ.

أَيْهَا السَّادَةُ: وَاشَوْقَاهُ إِلَى الْحَجِّ، وَإِلَى تِلْكَ الْمَشَاعِرِ الْمُقَدَّسَةِ، وَإِلَى زَمْزَمَ وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَإِلَى التَّلْبِيَةِ الَّتِي تَهُزُّ الْقُلُوبَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ. وَاشَوْقَاهُ إِلَى الْوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ، وَالدُّمُوعِ تَنْهَمِرُ، وَالْأَيْدِي تَرْتَفِعُ، وَالْقُلُوبُ تَخْشَعُ، وَالْعَبْدُ يَرْجُو مِنْ رَبِّهِ الْعَفْوَ وَالْغُفْرَانَ.

تُنَادِي الْأَوْطَانُ وَأَنْتَ تَدْعُو فَلَا لَبَّيْكَ إِلَّا لَكَ، وَيُمْسِكُ الْأَهْلُ وَأَنْتَ تَدْعُو فَلَا لَبَّيْكَ إِلَّا لَكَ، وَيَدْعُو الْمَالُ وَالْوَلَدُ إِلَى أَنْ يَظَلَّ الْإِنْسَانُ خَلِيفَتَهُمْ، وَأَنْتَ تَدْعُو فَلَا لَبَّيْكَ إِلَّا لَكَ.

الْحَجُّ عِبَادَةٌ مَالِيَّةٌ وَبَدَنِيَّةٌ، ثَوَابُهَا عَظِيمٌ، وَنَفْعُهَا لِلْمُسْلِمِينَ عَمِيمٌ، وَكَيْفَ لَا؟ وَهُوَ جِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِمَنْ عَجَزَ عَنِ الْجِهَادِ وَحَمْلِ السِّلَاحِ فِي مَيَادِينِ الْقِتَالِ؛ فَعَنْ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «جِهَادُ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ وَالضَّعِيفِ وَالْمَرْأَةِ: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. بَلْ قَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَرَى الْجِهَادَ أَفْضَلَ الْعَمَلِ، أَفَلَا نُجَاهِدُ؟ قَالَ: «لَا، وَلَكِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ: حَجٌّ مَبْرُورٌ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

وَالْحَجُّ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ وَأَعْظَمِ الْقُرُبَاتِ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ: أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ»، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «جِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَاشَوْقَاهُ إِلَى الْحَجِّ! وَكَيْفَ لَا يَشْتَاقُ الْإِنْسَانُ إِلَيْهِ؟ وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ ثَوَابٌ إِلَّا الْجَنَّةُ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَاشَوْقَاهُ إِلَى الْحَجِّ! وَالْحَجُّ يُكَفِّرُ الذُّنُوبَ صَغِيرَهَا وَكَبِيرَهَا إِلَّا رَدَّ الْمَظَالِمِ إِلَى أَهْلِهَا؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَهَذَا هُوَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْسُطْ يَمِينَكَ لِأُبَايِعَكَ، فَبَسَطَ يَدَهُ فَقَبَضْتُ يَدِي، فَقَالَ: «مَا لَكَ يَا عَمْرُو؟» قَالَ: أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ، قَالَ: «تَشْتَرِطُ مَاذَا؟» قَالَ: أَنْ يُغْفَرَ لِي، قَالَ: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا، وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

بَلْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ غَنِيًّا فَعَلَيْكَ أَنْ تَحُجَّ بَيْتَ اللَّهِ الْحَرَامَ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِلْحَجِّ الْمَبْرُورِ ثَوَابٌ دُونَ الْجَنَّةِ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَحْمَدُ.

وَكَيْفَ لَا يَشْتَاقُ الْإِنْسَانُ إِلَيْهِ؟ وَرُؤْيَةُ الْحَجَرِ وَاسْتِلَامُهُ شَهَادَةٌ بِالْإِيمَانِ، وَقَدْ قَالَ ﷺ: «لَيُبْعَثَنَّ اللَّهُ الْحَجَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَهُ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا وَلِسَانٌ يَنْطِقُ بِهِ يَشْهَدُ لِمَنْ اسْتَلَمَهُ بِحَقٍّ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ.

وَكَيْفَ لَا يَشْتَاقُ الْإِنْسَانُ إِلَيْهِ؟ وَالرُّكْنُ وَالْمَقَامُ يَاقُوتَتَانِ مِنْ يَاقُوتِ الْجَنَّةِ؛ فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ ﷺ: «إِنَّ الرُّكْنَ وَالْمَقَامَ يَاقُوتَتَانِ مِنْ يَاقُوتِ الْجَنَّةِ، طَمَسَ اللَّهُ نُورَهُمَا، وَلَوْ لَمْ يُطْمَسْ نُورُهُمَا لَأَضَاءَتَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.

وَكَيْفَ لَا أَشْتَاقُ إِلَى الْحَجِّ وَهُوَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ؟ وَهُوَ الْبَيْتُ الَّذِي طَهَّرَهُ وَطَيَّبَهُ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: 26]. وَهُوَ مَثَابَةُ النَّاسِ وَأَمْنُهُمْ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125]. وَهُوَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: 158]. وَبِهِ قِيَامُ أَمْرِ النَّاسِ فِي مَعَاشِهِمْ وَمَعَادِهِمْ، قَالَ تَعَالَى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: 97].

وَكَيْفَ لَا أَشْتَاقُ إِلَى الْحَجِّ وَهُوَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ؟ وَفِي الْحَجِّ تَعْظِيمٌ لِحُرُمَاتِ اللَّهِ، وَاسْتِشْعَارٌ لِعَظَمَتِهِ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: 30]. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32].
وَالْحَجُّ يَغْرِسُ فِي نَفْسِ الْمُسْلِمِ الشَّوْقَ وَالْحَنِينَ إِلَى لِقَاءِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. وَالشَّوْقُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَكُونُ بِالشَّوْقِ إِلَى مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ مِنْ أَفْعَالٍ وَأَقْوَالٍ وَأَمَاكِنَ، وَمِنَ الْأَمَاكِنِ الَّتِي يُحِبُّهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَكَّةُ شَرَّفَهَا اللَّهُ، أَحَبُّ الْبِقَاعِ إِلَى اللَّهِ وَأَفْضَلُ بُقْعَةٍ فِي الْأَرْضِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. فَكُلُّ مُسْلِمٍ يُحِبُّ اللَّهَ جَلَّ جَلَالُهُ يُحِبُّ بَيْتَهُ وَيَشْتَاقُ إِلَى الْمَجِيءِ إِلَيْهِ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: 37].

وَفِي هَذَا الْمَشْهَدِ الإِيمَانِيِّ الْعَظِيمِ يَتَجَلَّى أَنَّ الْقُلُوبَ إِذَا صَحَّ إِيمَانُهَا، تَحِنُّ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، وَتَسْتَجِيبُ لِنِدَاءِ الرَّحْمَنِ، وَتَتَشَوَّقُ إِلَى مَوَاطِنِ الرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ…فَالْحَجُّ لَيْسَ مُجَرَّدَ أَفْعَالٍ ظَاهِرَةٍ، بَلْ هُوَ تَزْكِيَةٌ لِلنَّفْسِ، وَتَطْهِيرٌ لِلْقَلْبِ، وَتَرْبِيَةٌ عَلَى الصَّبْرِ وَالْإِخْلَاصِ وَالتَّجَرُّدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَيَخْرُجُ الْعَبْدُ مِنْ مَالِهِ وَوَطَنِهِ وَأَهْلِهِ لَا يُرِيدُ إِلَّا وَجْهَ اللَّهِ وَرِضْوَانَهُ. وَمِنْ عَظَمَةِ هَذِهِ الْفَرِيضَةِ أَنَّهَا تَجْمَعُ بَيْنَ أَهْلِ الْإِيمَانِ عَلَى صَعِيدٍ وَاحِدٍ، لَا فَرْقَ بَيْنَ أَبْيَضَ وَأَسْوَدَ، وَلَا غَنِيٍّ وَلَا فَقِيرٍ، وَلَا رَئِيسٍ وَلَا مَرْؤُوسٍ، إِلَّا بِالتَّقْوَى، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]. فَيَا سَعَادَةَ مَنْ تَطَهَّرَ قَلْبُهُ، وَصَدَقَ مَعَ رَبِّهِ، وَأَحْسَنَ فِي عِبَادَتِهِ، وَاغْتَنَمَ أَيَّامَ اللَّهِ وَنَفَحَاتِهِ، وَجَعَلَ حَيَاتَهُ كُلَّهَا طَاعَةً وَخُضُوعًا لِرَبِّ الْعَالَمِينَ.

يَا سَائِرِينَ إِلَى الْحَبِيبِ تَرَفَّقُوا*****فَالْقَلْبُ بَيْنَ رِحَالِكُمْ خَلَّفْتُهُ

مَالِي سِوَى قَلْبِي وَفِيكَ أَذَبْتُهُ****مَالِي سِوَى دَمْعِي وَفِيكَ سَكَبْتُهُ

♦️❖ ثَانِيًا: عَرَفَةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ عَرَفَةَ؟

أَيْهَا السَّادَةُ: يَوْمُ عَرَفَةَ شَرَفٌ عَظِيمٌ وَفَضْلٌ كَبِيرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، فَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي نَالَتْ فِيهِ أُمَّةُ النَّبِيِّ ﷺ وِسَامَ الرِّفْعَةِ وَالشَّرَفِ عَلَى سَائِرِ الْأُمَمِ أَجْمَعِينَ.

يَوْمُ عَرَفَةَ وَمَا أَدْرَاكُمْ مَا يَوْمُ عَرَفَةَ؟! إِنَّهُ الْيَوْمُ الَّذِي خَصَّهُ اللَّهُ بِالْأَجْرِ الْكَبِيرِ وَالثَّوَابِ الْعَظِيمِ عَنْ كُلِّ أَيَّامِ السَّنَةِ، إِنَّهُ الْيَوْمُ الَّذِي يَعُمُّ اللَّهُ عِبَادَهُ بِالرَّحْمَاتِ، وَيُكَفِّرُ عَنْهُمْ السَّيِّئَاتِ وَيَمْحُو عَنْهُمْ الْخَطَايَا وَالزَّلَّاتِ، وَيُعْتِقُهُمْ مِنَ النَّارِ. الْيَوْمُ الَّذِي يُرَى فِيهِ إِبْلِيسُ صَاغِرًا حَقِيرًا، الْيَوْمُ الَّذِي أَكْمَلَ اللَّهُ فِيهِ الدِّينَ وَأَتَمَّ النِّعَمَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. إِنَّهُ يَوْمُ عَرَفَةَ، يَوْمُ التَّجَلِّيَاتِ وَالنَّفَحَاتِ الْإِلَهِيَّةِ، يَوْمُ الْعَطَاءِ وَالْبَذْلِ وَالسَّخَاءِ. يَوْمُ عَرَفَةَ وَمَا أَدْرَاكُمْ مَا يَوْمُ عَرَفَةَ؟! أَفْضَلُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي يَخْرُجُ فِيهِ حُجَّاجُ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ شُعْثًا غُبْرًا لِأَدَاءِ رُكْنِ الْحَجِّ الْأَعْظَمِ وَهُوَ الْوُقُوفُ بِصَعِيدِ عَرَفَةَ، رَافِعِينَ أَكُفَّ التَّضَرُّعِ لِلْمَوْلَى عَزَّ وَجَلَّ، رَاجِينَ مَغْفِرَتَهُ وَعِتْقَهُ مِنَ النَّارِ. فَأَيْنَ مَنْ يَتَعَرَّضُونَ لِنَفَحَاتِ الرَّحْمَنِ جَلَّ جَلَالُهُ؟ وَأَيْنَ مَنْ يَتَعَرَّضُونَ لِمَغْفِرَةِ اللَّهِ وَكَرَمِهِ؟ أَيْنَ مَنْ يَغْتَنِمُونَ هَذَا الْيَوْمَ بِالتِّجَارَةِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا يَغْتَنِمُهُ أَهْلُ الدُّنْيَا بِتِجَارَةِ الدُّنْيَا؟ هَذَا يَوْمُ عَرَفَةَ، يَوْمُ الْمَغْفِرَةِ، فَإِذَا كَانَ الْحُجَّاجُ وَهُمْ وَاقِفُونَ فِي عَرَفَاتٍ يَنْعَمُونَ بِرَحْمَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَغْفِرَتِهِ وَرِضْوَانِهِ، فَإِنَّ أَبْوَابَ الرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ وَالرِّضْوَانِ مَفْتُوحَةٌ أَمَامَنَا وَنَحْنُ فِي بُيُوتِنَا بِاسْتِغْلَالِنَا لِهَذَا الْيَوْمِ الْعَظِيمِ الْمُبَارَكِ بِطَاعَةِ الرَّحْمَنِ جَلَّ جَلَالُهُ وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ. يَوْمُ عَرَفَةَ وَمَا أَدْرَاكُمْ مَا يَوْمُ عَرَفَةَ؟! إِنَّهُ مَوْقِفٌ مُصَغَّرٌ عَنْ مَوْقِفِ الْحَشْرِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، حَيْثُ يَقِفُ النَّاسُ فِي عَرَفَاتٍ مُجَرَّدِينَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، فَالْكُلُّ وَاقِفٌ أَمَامَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَزَّ وَجَلَّ. لِذَا افْتَتَحَ اللَّهُ سُورَةَ الْحَجِّ مُذَكِّرًا بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾. يَتَجَلَّى هُنَاكَ مَوْقِفُ الْإِنْسَانِيَّةِ وَالْأُخُوَّةِ وَالْمُسَاوَاةِ، فَلَا رَئِيسٌ وَلَا مَرْؤُوسٌ، وَلَا حَاكِمٌ وَلَا مَحْكُومٌ، وَلَا غَنِيٌّ وَلَا فَقِيرٌ، وَلَا أَمِيرٌ وَلَا مَأْمُورٌ، وَلَا أَبْيَضُ وَلَا أَسْوَدُ وَلَا أَصْفَرُ، الْكُلُّ عِبَادٌ لِلَّهِ، الْكُلُّ يُنَاجُونَ رَبَّهُمُ الْعَظِيمَ، لِيَنَالُوا مَغْفِرَتَهُ وَرِضْوَانَهُ.

يَوْمُ عَرَفَةَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ عَرَفَةَ؟ إِنَّهُ يَوْمٌ مَشْهُودٌ، وَيَوْمٌ عَظِيمٌ، أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ لِمَكَانَتِهِ فِي الْإِسْلَامِ، وَالْعَظِيمُ لَا يُقْسِمُ إِلَّا بِعَظِيمٍ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج: 1-3]. وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْيَوْمُ الْمَوْعُودُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَالْيَوْمُ الْمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَالشَّاهِدُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَمَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ وَلَا غَرَبَتْ عَلَى يَوْمٍ أَفْضَلَ مِنْهُ، فِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ يَدْعُو اللَّهَ بِخَيْرٍ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ، وَلَا يَسْتَعِيذُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا أَعَاذَهُ اللَّهُ مِنْهُ» رواه الترمذي.

وَيَوْمُ عَرَفَةَ هُوَ الْوَتْرُ الَّذِي أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ فِي الْقُرْآنِ، فَقَالَ عَزَّ مَنْ قَائِلٍ: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر: 3]، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: الشَّفْعُ يَوْمُ الْأَضْحَى، وَالْوَتْرُ يَوْمُ عَرَفَةَ.

يَوْمُ عَرَفَةَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ عَرَفَةَ؟ إِنَّهُ يَوْمُ مَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ، وَيَوْمُ الْعِتْقِ مِنَ النَّارِ، وَيَوْمُ الْمُبَاهَاةِ بِأَهْلِ الْمَوْقِفِ، حَيْثُ يُبَاهِي اللَّهُ بِأَهْلِ عَرَفَةَ مَلَائِكَتَهُ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ يُبَاهِي بِأَهْلِ عَرَفَاتٍ مَلَائِكَةَ السَّمَاءِ، فَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي هَؤُلَاءِ، جَاءُونِي شُعْثًا غُبْرًا، أَنْفَقُوا الْأَمْوَالَ وَأَتْعَبُوا الْأَبْدَانَ، أُشْهِدُكُمْ يَا مَلَائِكَتِي أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ» (صحيح ابن خزيمة). وَهَذَا مَا أَخْبَرَ عَنْهُ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ، فَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا مِنْ أَيَّامٍ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَيَّامِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ… وَمَا مِنْ يَوْمٍ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيُبَاهِي بِأَهْلِ الْأَرْضِ أَهْلَ السَّمَاءِ، فَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي شُعْثًا غُبْرًا ضَاحِينَ جَاءُوا مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ يَرْجُونَ رَحْمَتِي وَلَمْ يَرَوْا عَذَابِي… فَلَمْ يُرَ يَوْمٌ أَكْثَرُ عِتْقًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ» (صحيح ابن حبان).

وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ» (رواه مسلم). نَعَمْ، هَكَذَا يُبَاهِي اللَّهُ بِأَهْلِ عَرَفَةَ مَلَائِكَةَ السَّمَاءِ، وَيَقُولُ: «انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي شُعْثًا غُبْرًا ضَاحِينَ جَاءُوا مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ يَرْجُونَ رَحْمَتِي وَلَمْ يَرَوْا عَذَابِي». اللَّهُ أَكْبَرُ، فَهَنِيئًا لِمَنْ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ الْوُقُوفَ بِعَرَفَاتٍ، وَهَنِيئًا لِمَنْ اغْتَنَمَ هَذِهِ الْأَيَّامَ بِطَاعَةِ الرَّحْمَنِ وَذِكْرِهِ وَدُعَائِهِ وَتَوْبَتِهِ.

يَوْمُ عَرَفَةَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ عَرَفَةَ؟ صِيَامُهُ يُكَفِّرُ ذُنُوبَ سَنَتَيْنِ، وَهَذَا مَا أَخْبَرَنَا بِهِ نَبِيُّنَا الْعَظِيمُ ﷺ، بِأَنَّ صِيَامَهُ فِيهِ الْأَجْرُ الْعَظِيمُ وَالثَّوَابُ الْكَبِيرُ، هَذَا الْأَجْرُ وَهَذَا الثَّوَابُ هُوَ مَغْفِرَةُ ذُنُوبِ سَنَتَيْنِ، وَلْنَسْمَعْ سَوِيًّا إِلَيْهِ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ» رواه مسلم.

يَوْمُ عَرَفَةَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ عَرَفَةَ؟ يَوْمٌ يُغِيظُ الشَّيْطَانَ، يَوْمٌ يَعُمُّ اللَّهُ عِبَادَهُ بِالرَّحْمَاتِ، وَيُكَفِّرُ عَنْهُمُ السَّيِّئَاتِ، وَيَمْحُو عَنْهُمُ الْخَطَايَا وَالزَّلَّاتِ، مِمَّا يَجْعَلُ إِبْلِيسَ يَنْدَحِرُ صَاغِرًا. يَقُولُ حَبِيبُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ وَهُوَ يَصِفُ الشَّيْطَانَ وَحَالَهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْقِفِ: «مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ وَلَا أَدْحَرُ وَلَا أَحْقَرُ وَلَا أَغْيَظُ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا رَأَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنِ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ…» رَوَاهُ مَالِكٌ وَالْبَيْهَقِيُّ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. فَأَيْنَ الْمُسْلِمُ الَّذِي يُدْحِرُ الشَّيْطَانَ وَيَجْعَلُهُ يَتَصَاغَرُ بِالطَّاعَاتِ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ؟ وَأَيْنَ مَنْ يَحْفَظُ جَوَارِحَهُ مِنَ الْمَعَاصِي لِيُغِيظَ الشَّيْطَانَ؟

يَوْمُ عَرَفَةَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ عَرَفَةَ؟ يَوْمٌ يَسْتَجِيبُ اللَّهُ فِيهِ الدُّعَاءَ، وَهُوَ خَيْرُ أَيَّامِ الدُّعَاءِ، كَمَا قَالَ ﷺ: «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ…» رواه الترمذي. قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: مَنْ لَمْ يَسْتَطِعِ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ فَلْيَقِفْ عِنْدَ حُدُودِ اللَّهِ الَّذِي عَرَفَهُ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعِ الْمَبِيتَ بِمُزْدَلِفَةَ فَلْيَبِتْ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ لِيُقَرِّبَهُ وَيُزْلِفَهُ، وَمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَبْحِ هَدْيِهِ بِمِنًى فَلْيَذْبَحْ هَوَاهُ لِيَبْلُغَ بِهِ الْمُنَى، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعِ الْوُصُولَ إِلَى الْبَيْتِ لِبُعْدِهِ فَلْيَقْصِدْ رَبَّ الْبَيْتِ فَإِنَّهُ أَقْرَبُ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ.

وَاسْمَعْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ وَهُوَ يُنَادِي: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53].

يَا مَنْ عَوَّدْتَ لِسَانَكَ عَلَى الْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَقَوْلِ الزُّورِ، تُبْ إِلَى اللَّهِ.

يَا مَنْ أَهْمَلْتَ أَوْلَادَكَ وَتَرَكْتَهُمْ لِقُرَنَاءِ السُّوءِ، تُبْ إِلَى اللَّهِ. يَا مَنْ تَعَوَّدْتَ تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ، بَادِرِ الآنَ وَتُبْ إِلَى اللَّهِ. يَا عَبْدَ اللَّهِ، يَا مَنْ تَعَوَّدْتَ أَكْلَ الْحَرَامِ، تُبْ إِلَى اللَّهِ وَعُدْ إِلَى الْحَلَالِ قَبْلَ أَنْ يَهْجُمَ عَلَيْكَ مَلَكُ الْمَوْتِ. يَا عَبْدَ اللَّهِ، لَا تُؤَخِّرْ تَوْبَتَكَ، كَيْفَ بِكَ لَوْ نَزَلَ بِكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى غَيْرِ تَوْبَةٍ؟ أَعَقَدْتَ مَعَ مَلَكِ الْمَوْتِ عَقْدًا بِعَدَمِ مَجِيئِهِ؟ أَمِ اتَّخَذْتَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا أَلَّا يَقْبِضَ رُوحَكَ حَتَّى تَتُوبَ؟ فَالْبِدَارَ الْبِدَارَ إِلَى التَّوْبَةِ وَالرُّجُوعِ إِلَى عَلَّامِ الْغُيُوبِ وَسَتَّارِ الْعُيُوبِ قَبْلَ فَوَاتِ الْأَوَانِ. وَلِلَّهِ دَرُّ الْقَائِلِ:

دَقَّاتُ قَلْبِ الْمَرْءِ قَائِلَةٌ لَهُ *** إِنَّ الْحَيَاةَ دَقَائِقٌ وَثَوَانِ

فَارْفَعْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ مَوْتِكَ ذِكْرَهَا *** فَالذِّكْرُ لِلْإِنْسَانِ عُمْرٌ ثَانِ

فَلْيَتَفَرَّغِ الْمُسْلِمُ فِي هَذَا الْيَوْمِ لِلذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ، وَلْيَدْعُ لِنَفْسِهِ وَلِوَالِدَيْهِ وَلِأَهْلِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ، وَلْيَغْتَنِمْ نَفَحَاتِ الرَّحْمَةِ وَالْفَضْلِ. هَكَذَا كَانَ حَالُ الصَّالِحِينَ فِي هَذَا الْيَوْمِ الْمُبَارَكِ، فَصُومُوا يَوْمَ عَرَفَةَ، وَأَكْثِرُوا مِنْ قَوْلِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ… وَأَكْثِرُوا مِنَ الدُّعَاءِ وَالِابْتِهَالِ إِلَى اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، وَسَلُوهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ. فَإِذَا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ يَوْمَ الْمَغْفِرَةِ وَالْعِتْقِ مِنَ النَّارِ، وَيَوْمَ يَتَفَضَّلُ اللَّهُ فِيهِ عَلَى عِبَادِهِ بِالرَّحْمَاتِ وَالْجَوَائِزِ، فَحَرِيٌّ بِالْعَبْدِ الْمُسْلِمِ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُسَارِعِينَ إِلَى التَّوْبَةِ وَالْإِنَابَةِ، لَا مِنَ الْمُسَوِّفِينَ وَالْمُهْمِلِينَ. يَا عَبْدَ اللَّهِ، إِذَا فَاتَكَ وَقُوفُ عَرَفَةَ بِبَدَنِكَ، فَلَا يَفُوتَنَّكَ الْوُقُوفُ بِقَلْبِكَ عَلَى بَابِ رَبِّكَ، وَإِذَا حُرِمْتَ الزِّحَامَ فِي الْمَشَاعِرِ، فَلَا تُحْرَمْ زِحَامَ الدُّمُوعِ فِي السَّحَرَاتِ، وَإِذَا لَمْ تَبْلُغْ جَبَلَ الرَّحْمَةِ، فَابْلُغْ رَحْمَةَ مَنْ بِيَدِهِ الرَّحْمَةُ كُلُّهَا. فَإِنَّ بَابَ اللَّهِ لَا يُغْلَقُ فِي وَجْهِ التَّائِبِينَ، وَلَا يُرَدُّ عَنْهُ الْمُقْبِلُونَ، وَمَهْمَا عَظُمَتِ الذُّنُوبُ فَرَحْمَتُهُ أَعْظَمُ، وَكَرَمُهُ أَوْسَعُ، وَعَفْوُهُ أَسْبَقُ.

فَأَقْبِلْ عَلَى رَبِّكَ إِقْبَالَ مَنْ لَا يَعْلَمُ أَتُدْرِكُهُ عَرَفَاتُ قَابِلٍ أَمْ لَا، وَتُبْ تَوْبَةَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ الْمَوْتَ لَا يَسْتَأْذِنُ أَحَدًا، وَلَا يَنْتَظِرُ مُسَوِّفًا وَلَا مُؤَجِّلًا».قَالَ ابْنُ رَجَبٍ رَحِمَهُ اللهُ: الغَنِيمَةَ الغَنِيمَةَ بِانْتِهَازِ الفُرْصَةِ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ العَظِيمَةِ، فَمَا مِنْهَا عِوَضٌ، وَلَا لَهَا قِيمَةٌ تُمَاثِلُهَا. المُبَادَرَةَ المُبَادَرَةَ بِالعَمَلِ، وَالعَجَلَ العَجَلَ قَبْلَ هُجُومِ الأَجَلِ، قَبْلَ أَنْ يَنْدَمَ المُفَرِّطُ عَلَى مَا فَعَلَ، قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَ الرَّجْعَةَ فَيَعْمَلَ صَالِحًا فَلَا يُجَابَ إِلَى مَا سَأَلَ، قَبْلَ أَنْ يَحُولَ المَوْتُ بَيْنَ المُؤَمِّلِ وَبُلُوغِ الأَمَلِ، قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ المَرْءُ مُرْتَهَنًا فِي حُفْرَتِهِ بِمَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلٍ»

يُرْوَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ أَنَّهُ حَجَّ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ حَجَّةً، فَلَمَّا كَانَ آخِرُ حَجَّةٍ حَجَّهَا، قَالَ وَهُوَ بِعَرَفَاتَ: «اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي قَدْ وَقَفْتُ فِي مَوْقِفِي هَذَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَقْفَةً، فَوَاحِدَةٌ عَنْ فَرْضِي، وَالثَّانِيَةُ عَنْ أَبِي، وَالثَّالِثَةُ عَنْ أُمِّي، وَأُشْهِدُكَ يَا رَبِّ أَنِّي قَدْ وَهَبْتُ الثَّلَاثِينَ لِمَنْ وَقَفَ مَوْقِفِي هَذَا وَلَمْ يَتَقَبَّلْ مِنْهُ». فَلَمَّا دَفَعَ مِنْ عَرَفَاتَ وَنَزَلَ بِالْمُزْدَلِفَةِ، نُودِيَ فِي الْمَنَامِ: «يَا ابْنَ الْمُنْكَدِرِ، أَتَتَكَرَّمُ عَلَى مَنْ خَلَقَ الْكَرَمَ؟ أَتَجُودُ عَلَى مَنْ خَلَقَ الْجُودَ؟ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لَكَ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي، لَقَدْ غَفَرْتُ لِمَنْ وَقَفَ بِعَرَفَاتَ قَبْلَ أَنْ أَخْلُقَ عَرَفَاتٍ بِأَلْفَيْ عَامٍ» [يُرْوَى فِي كُتُبِ الزُّهْدِ].

وَإِنِّي لَأَدْعُو اللَّهَ أَطْلُبُ عَفْوَهُ *** وَأَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ يَعْفُو وَيَغْفِرُ

لَئِنْ أَعْظَمَ النَّاسُ الذُّنُوبَ فَإِنَّهَا *** وَإِنْ عَظُمَتْ فِي رَحْمَةِ اللَّهِ تَصْغُرُ

وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْوَرْدِ قَالَ: قَالَ لِي عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: «إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَخْلُوَ بِنَفْسِكَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ فَافْعَلْ» [حِلْيَةُ الْأَوْلِيَاءِ].

قَصَدْتُ بَابَ الرَّجَاءِ وَالنَّاسُ قَدْ رَقَدُوا****وَقُمْتُ أَشْكُو إِلَى مَوْلَايَ مَا أَجِدُ

وَقُلْتُ يَا أَمَلِي فِي كُلِّ نَائِبَةٍ****يَا مَنْ عَلَيْهِ لِكَشْفِ الضُّرِّ أَعْتَمِدُ

أَشْكُو إِلَيْكَ أُمُورًا أَنْتَ تَعْلَمُهَا****مَا لِي عَلَى حَمْلِهَا صَبْرٌ وَلَا جَلَدُ

مَدَدْتُ يَدِي بِالذُّلِّ مُفْتَقِرًا*******يَا خَيْرَ مَنْ مُدَّتْ إِلَيْهِ يَدُ

فَلَا تَرُدَّنَّهَا يَا رَبِّ خَائِبَةً******فَبَحْرُ جُودِكَ يَرْوِي كُلَّ مَنْ يَرِدُ

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ. الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ الحَمْدُ للهِ، وَلَا حَمْدَ إِلَّا لَهُ، وَبِاسْمِ اللهِ، وَلَا يُسْتَعَانُ إِلَّا بِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ …………………… وَبَعْدُ.

♦️❖ ثَالِثًا وَأَخِيرًا: إِلْقَاءُ الْقُمَامَةِ فِي الشَّوَارِعِ سُلُوكٌ سَيِّئٌ يَا سَادَةُ.

أَيُّهَا السَّادَةُ: إِنَّ مِنْ دَلَائِلِ رُقِيِّ الْمَرْءِ وَحُسْنِ الِالْتِزَامِ بِدِينِهِ وَآدَابِهِ: نَظَافَةَ هَيْئَتِهِ وَمُحِيطِهِ؛ حَيْثُ لَا يَكْتَفِي بِجَمَالِ مَظْهَرِهِ، بَلْ يَحْرِصُ أَنْ تَكُونَ بُيُوتُ مُجْتَمَعِهِ أَنْظَفَ الْبُيُوتِ، وَطُرُقَاتُهُ أَطْيَبَ الطُّرُقَاتِ، مَصُونَةً مِنَ الْأَذَى وَالْقَاذُورَاتِ، وَلَا سِيَّمَا فِي أَيَّامِ ذَبْحِ الْأَضَاحِي؛ إِذْ إِنَّ إِلْقَاءَ مُخَلَّفَاتِ الْأَضَاحِي وَالْقُمَامَةِ فِي الشَّوَارِعِ يُشَوِّهُ الْمَظْهَرَ الْعَامَّ، وَيُؤْذِي النَّاسَ، وَيُنَافِي مَا دَعَا إِلَيْهِ الْإِسْلَامُ مِنَ النَّظَافَةِ وَالْإِحْسَانِ وَحِفْظِ حُقُوقِ الْمَارَّةِ وَالْجِيرَانِ.

وَإِلْقَاءُ الْقُمَامَةِ فِي الشَّوَارِعِ سُلُوكٌ سَيِّئٌ، يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ الْوَعْيِ وَغِيَابِ الْمَسْؤُولِيَّةِ، ،ويُشَوِّهُ الْمَنْظَرَ الْعَامَّ، وَيُؤْذِي الْمَارَّةَ، وَيَنْشُرُ الْأَمْرَاضَ وَالْأَوْبِئَةَ، وَيُؤْذِي النَّاسَ وَيُفْسِدُ الْبِيئَةَ. لذا دَعَا الْإِسْلَامُ إِلَى النَّظَافَةِ وَإِمَاطَةِ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «وَإِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ». فَالْمُسْلِمُ الْحَقُّ يَحْرِصُ عَلَى نَظَافَةِ طَرِيقِهِ وَبَلَدِهِ، وَيَجْعَلُ مِنْ سُلُوكِهِ صُورَةً مُشْرِقَةً تَدُلُّ عَلَى رُقِيِّهِ وَأَخْلَاقِهِ.

لِذَا جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ إِمَاطَةَ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ شُعْبَةً مِنْ شُعَبِ الْإِيمَانِ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ – أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ – شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ» [رواه مسلم]. وَجَعَلَ الْإِسْلَامُ رَفْعَ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ سَبَبًا لِلْمَغْفِرَةِ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ، وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ، فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ» [صحيح البخاري].

وَالإِسْلَامُ دِينُ الجَمَالِ وَالكَمَالِ، حَثَّ عَلَى النَّظَافَةِ وَالطَّهَارَةِ، وَالنَّظَافَةُ تَشْمَلُ نَظَافَةَ البَدَنِ وَالثِّيَابِ وَالمَكَانِ، وَدِينُنَا دِينُ النِّظَامِ وَالنَّظَافَةِ وَالصَّفَاءِ وَالنَّقَاءِ، وَلَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلَّا نَظِيفُ الظَّاهِرِ وَالبَاطِنِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 88–89]. وَالنَّظَافَةُ فِي الإِسْلَامِ قِيمَةٌ إِيمَانِيَّةٌ عَظِيمَةُ الشَّأْنِ، فَهِيَ مِنَ الأَشْيَاءِ الَّتِي يُحِبُّهَا اللَّهُ -تَعَالَى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222]، وَهِيَ جُزْءٌ لَا يَتَجَزَّأُ مِنَ الإِيمَانِ؛ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ»، وَكَمَا نُطَالِبُ بِنَظَافَةِ البُيُوتِ وَالأَبْدَانِ، نُطَالِبُ قَبْلَ ذٰلِكَ بِـنَظَافَةِ وَطَهَارَةِ القُلُوبِ مِنَ الغِلِّ وَالحَسَدِ وَالكِبْرِ وَالغُرُورِ. وَكَمَا نُطَالِبُ بِنَظَافَةِ البُيُوتِ وَالأَبْدَانِ، نُطَالِبُ بِطَهَارَةِ اللِّسَانِ مِنَ الكَذِبِ وَالزُّورِ وَالبُهْتَانِ وَالغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ. وَكَمَا نُطَالِبُ بِنَظَافَةِ البُيُوتِ وَالأَبْدَانِ، نُطَالِبُ بِنَظَافَةِ المُعَامَلَاتِ مِنَ الحِيَلِ المُحَرَّمَةِ وَالغِشِّ وَالرِّشْوَةِ وَالتَّزْوِيرِ.فَعَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَكُونَ نَمُوذَجًا فِي النَّظَافَةِ، وَأَنْ يَجْعَلَ مِنْ سُلُوكِهِ رِسَالَةً تَدُلُّ عَلَى رُقِيِّهِ وَحُسْنِ خُلُقِهِ، فَإِنَّ الطُّرُقَاتِ أَمَانَةٌ، وَالْمُجْتَمَعَاتِ تُبْنَى بِالْإِيجَابِيَّةِ وَالْإِصْلَاحِ لَا بِالْإِفْسَادِ وَالإِهْمَالِ.

وَفِي الْخِتَامِ أَقُولُ: أَيُّهَا الْأَخْيَارُ، الْأُضْحِيَّةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْأُضْحِيَّةُ؛ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ عَنْ النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ ﷺ، إِحْيَاءً لِسُنَّةِ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَشُكْرًا لِلْمُنْعِمِ عَلَى مَا أَنْعَمَ، وَمُوَاسَاةً لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَتَكْفِيرًا لِلذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي وَالآثَامِ. فَهِيَ شِعَارٌ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ تَعَالَى، يُتَقَرَّبُ بِهَا إِلَيْهِ، وَيَتَذَكَّرُ فِيهَا الْمُسْلِمُ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَيَسْتَحْضِرُ مَعْنَى الْفِدَاءِ وَالطَّاعَةِ وَالْخُضُوعِ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ. قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: «ضَحَّى النَّبِيُّ ﷺ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ، وَسَمَّى وَكَبَّرَ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا». وَالْأُضْحِيَّةُ شَعِيرَةٌ مِنْ شَعَائِرِ الدِّينِ؛ قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ [الحج: 36]، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]. وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِفَاطِمَةَ: «قُومِي إِلَى أُضْحِيَّتِكِ فَاشْهَدِيهَا، فَإِنَّ لَكِ بِأَوَّلِ قَطْرَةٍ تَقْطُرُ مِنْ دَمِهَا مَغْفِرَةً لِمَا سَلَفَ مِنْ ذُنُوبِكِ». قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ خَاصَّةً أَمْ لَنَا وَلِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً؟ قَالَ: «بَلْ لَنَا وَلِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً». فَأَحْسِنُوا فِيهَا النِّيَّةَ، وَأَخْلِصُوا لِلَّهِ الْعَمَلَ، وَأَطْعِمُوا مِنْهَا الْفُقَرَاءَ وَالْمُحْتَاجِينَ، وَأَظْهِرُوا فِيهَا سُنَّةَ الْإِحْسَانِ وَالتَّوَاصِي بِالرَّحْمَةِ وَالْمَوَدَّةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ.

حَفِظَ اللهُ مِصْرَ مِنْ كَيْدِ الْكَائِدِينَ، وَشَرِّ الْفَاسِدِينَ، وَحِقْدِ الْحَاقِدِينَ، وَمَكْرِ الْمَاكِرِينَ، وَاعْتِدَاءِ الْمُعْتَدِينَ، وَإِرْجَافِ الْمُرْجِفِينَ، وَخِيَانَةِ الْخَائِنِينَ هٰذَا، وَصَلُّوا – عِبَادَ اللَّهِ – عَلَى رَسُولِ الهُدَى، فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِذٰلِكَ فِي كِتَابِهِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].

كتبه العبدُ الفقيرُ إلى عفو ربِّه
د/ مُحَمَّد حِرْز إِمَامٌ بِوِزَارَةِ الأَوْقَاف