خُطْبَةُ الجُمُعَةِ الرشوة.. بين لعنة الشريعة ودمار المجتمع

خُطْبَةُ الجُمُعَةِ بتاريخ ١٧ صَفَرٍ ١٤٤٨ هـ – ٣١ يُولِيُو ٢٠٢٦ م

الرشوة.. بين لعنة الشريعة ودمار المجتمع

بقلم فضيلة الشيخ أحمد إسماعيل الفشني

لتحميل الخطبة يرجى الضغط على الرابط التالي
الرشوه بين لعنه الشريعه ودمار المجتمع

عناصر الخطبة:

أولاً: حَقِيقَةُ الرِّشْوَةِ وَحُرْمَتُهَا فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ وَالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.

ثانياً: خَطَرُ الرِّشْوَةِ عَلَى الفَرْدِ وَالمُجْتَمَعِ وَمَشَاهِدُ مِنْ هَدْيِ السَّلَفِ الصَّالِحِ.

ثالثاً: العَلَاقَةُ بَيْنَ الرِّشْوَةِ وَأَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالبَاطِلِ وَخِيَانَةِ الأَمَانَةِ.

رابعاً: “إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً”.. جَزَاءُ الأَمَانَةِ وَالإِتْقَانِ (الخطبة الثانية).

الموضوع

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، شَهَادَةً تُذَكِّرُنَا عِنْدَ السُّؤَالِ حُجَّتَنَا، وَتُيَسِّرُ عَلَى الصِّرَاطِ مُرُورَنَا يَوْمَ الْعَطَشِ الْأَكْبَرِ مِنْ حَوْضِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَنَشْهَدُ جَمِيعاً بِأَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا وَعَظِيمَنَا وَمُصْطَفَانَا وَمُعَلِّمَنَا وَقَائِدَنَا وَقُدْوَتَنَا وَمُرْشِدَنَا وَمُخْرِجَنَا مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ مُحَمَّدٌ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ، وَرَفَعَ فِي الْعَالَمِينَ ذِكْرَهُ، وَصَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ أَمَرَنَا نَحْنُ الْمُؤْمِنِينَ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلُّمُوا تَسْلِيماً} [الأحزاب: ٥٦]، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الْفَاتِحِ لِمَا أُغْلِقَ، وَالْخَاتِمِ لِمَا سَبَقَ، نَاصِرِ الْحَقِّ بِالْحَقِّ، وَالْهَادِي إِلَى صِرَاطِكَ الْمُسْتَقِيمِ، وَعَلَى آلِهِ حَقَّ قَدْرِهِ وَمِقْدَارِهِ الْعَظِيمِ. مَوْلَايَ صَلِّ وَسَلِّمْ دَائِماً أَبَداً، عَلَى حَبِيبِكَ خَيْرِ الْخَلْقِ كُلِّهِمِ.

أَمَّا بَعْدُ: فَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ…

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ الْأَبْرَارُ، اسْمَعُوا بِوِجْدَانِكُمْ لِنَتَأَمَّلَ سَوِيّاً قَضِيَّةً مِنْ أَخْطَرِ القَضَايَا الَّتِي تُهَدِّدُ أَمْنَ المُجْتَمَعَاتِ وَتَقْضِي عَلَى عَدَالَتِهَا، وَتَمْحَقُ الْبَرَكَةَ مِنَ الأَرْزَاقِ؛ أَلَا وَهِيَ قَضِيَّةُ الرِّشْوَةِ وَأَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالبَاطِلِ. إِنَّ الشَّرِيعَةَ الإِسْلَامِيَّةَ الغَرَّاءَ مَا جَاءَتْ إِلَّا لِتَبْنِيَ إِنسَاناً نَقِيَّ اليَدِ، طَاهِرَ القَلْبِ، يُرَاقِبُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِي سِرِّهِ وَعَلَانِيَتِهِ، وَيَعْلَمُ أَنَّ اللُّقْمَةَ الحَرَامَ كُوَيَّةٌ مِنْ نَارٍ يَوْمَ القِيَامَةِ. وَإِنَّ خَطَرَ الرِّشْوَةِ لَا يَقِفُ عِنْدَ حُدُودِ المَالِ، بَلْ يَمْتَدُّ لِيَهْدِمَ المَبَادِئَ، وَيُهْلِكَ القِيَمَ، وَيُمَزِّقَ نَسِيجَ الوَطَنِ. فَهَيَّا بِنَا نَقِفُ اليَوْمَ مَعَ نُصُوصِ الوَحْيَيْنِ لِنَتَعَرَّفَ عَلَى حُكْمِ الرِّشْوَةِ، وَخَطَرِهَا، وَكَيْفَ نَحْمِي أَنْفُسَنَا وَمُجْتَمَعَنَا مِنْ هَذَا الدَّاءِ العُضَالِ.

أَوَّلاً: حَقِيقَةُ الرِّشْوَةِ وَحُرْمَتُهَا فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ وَالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ

إِنَّ الرِّشْوَةَ هِيَ كُلُّ مَالٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ يُدْفَعُ إِقْرَاراً لِبَاطِلٍ، أَوْ إِبْطَالاً لِحَقٍّ، أَوْ لِتَقْدِيمِ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ، أَوْ لِأَخْذِ حَقِّ الغَيْرِ بِغَيْرِ وَجْهِ حَقٍّ. وَقَدْ حَرَّمَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ فِي أَعْلَى دَرَجَاتِ التَّحْرِيمِ، وَجَعَلَهَا مِنْ جُمْلَةِ أَكْلِ الأَمْوَالِ بِالبَاطِلِ.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ البَقَرَةِ:

{وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: ١٨٨].

قَالَ الإِمَامُ الحَافِظُ سَيِّدُنَا ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي تَفْسِيرِهِ: “{وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ} أَيْ: لَا تُصَانِعُوا بِهَا الحُكَّامَ وَتَرْشُوهُمْ لِيَقْضُوا لَكُمْ بِحَقِّ غَيْرِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ بَطَلَانَ ذَلِكَ”.

وَأَمَّا فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ المَطَهَّرَةِ، فَقَدْ وَرَدَ الزَّجْرُ الشَّدِيدُ وَاللَّعْنُ الَّذِي يَطْرُدُ صَاحِبَهُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.

فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ سَيِّدِنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ:

«لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ» [أخرجه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح].

وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ سَيِّدِنَا ثَوْبَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:

«لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ وَالرَّائِشَ – يَعْنِي الَّذِي يَمْشِي بَيْنَهُمَا -» [أخرجه أحمد].

فَانْظُرُوا يَا عِبَادَ اللَّهِ كَيْفَ شَمِلَتِ اللَّعْنَةُ النَّبَوِيَّةُ أَطْرَافَ هَذِهِ الجَرِيمَةِ كُلَّهُمْ؛ الَّذِي يَدْفَعُ، وَالَّذِي يَأْخُذُ، وَالَّذِي يَسْعَى بَيْنَهُمَا! لِأَنَّهُمْ اشْتَرَكُوا جَمِيعاً فِي هَدْمِ بَنِيَانِ العَدْلِ وَإِشَاعَةِ الفَسَادِ فِي الأَرْضِ.

ثَانِياً: خَطَرُ الرِّشْوَةِ عَلَى الفَرْدِ وَالمُجْتَمَعِ وَمَشَاهِدُ مِنْ هَدْيِ السَّلَفِ الصَّالِحِ

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، إِنَّ لِلرِّشْوَةِ آثَاراً تَدْمِيرِيَّةً يَعُودُ شَرُّهَا عَلَى الفَرْدِ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، وَعَلَى المُجْتَمَعِ فِي أَمْنِهِ وَاسْتِقْرَارِهِ:

1- مَحْقُ الْبَرَكَةِ وَعَدَمُ اسْتِجَابَةِ الدُّعَاءِ:

فَالْمُرْتَشِي يَغْذُو جَسَدَهُ بِالحَرَامِ، وَكُلُّ جَسَدٍ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ. رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ سَيِّدِنَا أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ سَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:

«ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِلَذِلِكَ؟» [أخرجه مسلم].

2- ظُلْمُ الُّضَعَفَاءِ وَضَيَاعُ الحُقُوقِ:

الرِّشْوَةُ تُقَدِّمُ العَاجِزَ المُفْسِدَ وَتُؤَخِّرُ الكُفْءَ الصَّالِحَ، وَتَجْعَلُ المَالَ هُوَ المِعْيَارَ بَدَلَ الكَفَاءَةِ وَالأَمَانَةِ، فَيَضِيعُ المَظْلُومُ الَّذِي لَا يَمْلِكُ مَالاً يُدْفِعُهُ، وَيَسْتَعْلِي الظَّالِمُ بِمَالِهِ.

وَلْنَسْتَمِعْ بِقُلُوبِنَا إِلَى هَذِهِ القِصَّةِ العَظِيمَةِ التَّارِيخِيَّةِ المَوْثُوقَةِ فِي هَدْيِ سَلَفِ الأُمَّةِ؛ يَرْوِي أَهْلُ السِّيَرِ أَنَّ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ سَيِّدَنَا عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ، كَانَ إِذَا أُهْدِيَتْ إِلَيْهِ هَدِيَّةٌ رَدَّهَا، فَقِيلَ لَهُ: “كَانَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْبَلُ الهَدِيَّةَ!”، فَقَالَ سَيِّدُنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بِلِسَانِ الفَقِيهِ الزَّاهِدِ المُنْصِفِ: “كَانَتْ لِسَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَدِيَّةً، وَهِيَ لَنَا اليَوْمَ رِشْوَةٌ! لِأَنَّهُ كَانَ يُهْدَى إِلَيْهِ لِتَقَرُّبٍ إِلَى اللَّهِ، وَيُهْدَى إِلَيْنَا لِلنَّالَ حَاجَةً عِنْدَنَا!”.

فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ وَرَعُ العُلَمَاءِ وَالحُكَّامِ! يَفْرَقُونَ بَيْنَ الهَدِيَّةِ الخَالِصَةِ وَبَيْنَ الرِّشْوَةِ المَغْلُوفَةِ بِبَهْرَجِ الهَدَايَا، لِأَنَّ المَسْؤُولَ أَوْ المَوَظَّفَ لَوْلَا كُرْسِيُّهُ وَوَظِيفَتُهُ مَا أُهْدِيَ إِلَيْهِ شَيْءٌ.

ثَالِثاً: العَلَاقَةُ بَيْنَ الرِّشْوَةِ وَأَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالبَاطِلِ وَخِيَانَةِ الأَمَانَةِ

يا عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ يُسَمُّونَ الرِّشْوَةَ بِغَيْرِ اسْمِهَا؛ فَيُسَمُّونَهَا “إِكْرَامِيَّةً”، أَوْ “حَلَوَانًا”، أَوْ “أَتْعَاباً”، أَوْ “تَسْهِيلَ أُمُورٍ”! وَهَذَا مِنْ إِعْطَاءِ المَعَاصِي أَسْمَاءً مُحَبَّبَةً لِتَغْرِيرِ النَّفْسِ. وَالكَبِيرَةُ تَبْقَى كَبِيرَةً مَهْمَا غُيِّرَ اسْمُهَا.

وقَدْ رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ وَالمُسْلِمُ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ سَيِّدِنَا أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:

«اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلاً مِنَ الأَزْدِ يُقَالُ لَهُ ابْنُ اللَّتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي! فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى المِنْبَرِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَسْتَعْمِلُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ عَلَى العَمَلِ مِمَّا وَلَّانِي اللَّهُ، فَيَأْتِي فَيَقُولُ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي! فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ بَيْتِ أُمِّهِ فَيَنْظُرَ أَيُهْدَى إِلَيْهِ أَمْ لا؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْهُ شَيْئاً إِلا جَاءَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ» [أخرجه البخاري ومسلم].

فَهَذَا النَّصُّ النَّبَوِيُّ القَاطِعُ يَضَعُ القَاعِدَةَ الذَّهَبِيَّةَ: “فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ فَيَنْظُرَ أَيُهْدَى إِلَيْهِ أَمْ لا؟”! فَكُلُّ مَالٍ يَأْخُذُهُ المَوَظَّفُ أَوْ المَسْؤُولُ بِسَبَبِ وَظِيفَتِهِ بِغَيْرِ إِذْنِ جَهَةِ عَمَلِهِ هُوَ غُلُولٌ وَرِشْوَةٌ وَسُحْتٌ، يُسْأَلُ عَنْهُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.

وَفِي هَذَا الزَّجْرِ عَنِ الحَرَامِ وَلُزُومِ القَنَاعَةِ يَقُولُ الشَّاعِرُ:

لاَ تَطْلُبَنَّ الرِّزْقَ بَعْدَ طَغَامَةٍ … وَارْضَ الكَفَافَ إِذَا أَتَاكَ المَغْنَمُ

فَالرِّشْوَةُ السُّحْتُ المُمِيتُ لِأُمَّةٍ … فِيهَا يُدَانُ النَّاسُ حِينَ تُقَسَّمُ

مَنْ يَأْكُلِ السُّحْتَ الحَرَامَ فَإِنَّهُ … يَوْمَ القِيَامَةِ فِي المَهَالِكِ يُضْرَمُ

ادْعُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ، وَالتَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: «إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً»

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّداً عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدَنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

أَمَّا بَعْدُ: فَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ…

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ الْأَبْرَارُ، حِينَ تُحَارِبُ الشَّرِيعَةُ الإِسْلَامِيَّةُ الفَسَادَ وَالرِّشْوَةَ، فَهِيَ بِلَا شَكٍّ تُقِيمُ فِي المَقَابِلِ بَدِيلاً إِيمَانِيّاً وَعَمَلِيّاً رَاقِياً؛ أَلَا وَهُوَ “الإِحْسَانُ فِي العَمَلِ وَالأَمَانَةُ فِي الأَدَاءِ”. وَالقُرْآنُ الكَرِيمُ يَسْكُبُ فِي قُلُوبِ العَامِلِينَ الشُّرَفَاءِ بَرْدَ اليَقِينِ، وَيَعِدُهُمْ بِأَعْظَمِ الجَزَاءِ مِنَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الكَهْفِ:

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً} [الكهف: ٣٠].

إِنَّ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ هِيَ بَثٌّ لِلأَمَلِ فِي نُفُوسِ الأُمَنَاءِ المَوَظَّفِينَ وَالعُمَّالِ الَّذِينَ يَتَعَفَّفُونَ عَنِ الحَرَامِ، وَيَقِفُونَ فِي وَجْهِ المَغْرِيَاتِ. وَلْيَعْلَمْ كُلُّ مُؤْمِنٍ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَرَى عَفَافَهُ، وَيَعْلَمُ صَبْرَهُ عَلَى حَلَالِهِ، وَأَنَّ الرِّزْقَ الحَلَالَ القَلِيلَ المُبَارَكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى مِنْ كَثِيرٍ خَبِيثٍ يَمْحَقُ اللَّهُ بَرَكَتَهُ.

وَتَأَمَّلُوا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ طَهَ:

{وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [طه: ١٣٢].

فَالْعَاقِبَةُ المَحْمُودَةُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ إِنَّمَا هِيَ لِأَهْلِ التَّقْوَى وَالأَمَانَةِ، لا لِأَهْلِ الخِيَانَةِ وَالرِّشْوَةِ.

وَيُرْوَى فِي السِّيَرِ عَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: “كُنَّا نَدَعُ سَبْعِينَ بَاباً مِنَ الحَلَالِ؛ مَخَافَةَ أَنْ نَقَعَ فِي بَابٍ مِنَ الحَرَامِ!”.

فَهَكَذَا كَانَ حِرْصُ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ؛ يَبْتَعِدُونَ عَنْ الشُّبُهَاتِ لِتَسْلَمَ لَهُمْ أَدْيَانُهُمْ وَأَبْدَانُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، إِنَّ الوَطَنَ لا يُبْنَى إِلا بِسَوَاعِدِ الأُمَنَاءِ المُلْتَزِمِينَ المُنْتِجِينَ، وَإِنَّ مُحَارَبَةَ الرِّشْوَةِ وَالفَسَادِ هِيَ مَسْؤُولِيَّةٌ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ أَبْنَاءِ المُجْتَمَعِ كُلِّهِمْ؛ فَلْنَتَّقِ اللَّهَ فِي أَعْمَالِنَا، وَلْنُرَبِّ أَبْنَاءَنَا عَلَى المَطْعَمِ الحَلَالِ، لِتَبْقَى مِصْرُنَا الغَالِيَةُ قَوِيَّةً بِمَبَادِئِهَا، عَامِرَةً بِأَمَانَةِ أَبْنَائِهَا، فِي ظِلِّ المَنَهَجِ الوَسَطِيِّ الرَّشِيدِ.

الدُّعَاءُ: اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَأَصْحَابِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، صَلَاةً تَنْحَلُّ بِهَا الْعُقَدُ، وَتَنْفَرِجُ بِهَا الْكُرَبُ، وَتُقْضَى بِهَا الْحَوَائِجُ.

اللَّهُمَّ يَا رَبَّ العَالَمِينَ وَيَا مُجِيبَ السَّائِلِينَ، اكْفِنَا بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَأَغْنِنَا بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ. اللَّهُمَّ طَهِّرْ أَمْوَالَنَا مِنَ الحَرَامِ، وَأَجْسَادَنَا مِنَ السُّحْتِ، وَقُلُوبَنَا مِنَ الرِّيَاءِ، وَأَعْمَالَنَا مِنَ الخِيَانَةِ. اللَّهُمَّ احْفَظْ مِصْرَنَا الغَالِيَةَ، كِنَانَتَكَ فِي أَرْضِكَ، وَاجْعَلْهَا وَاحَةً لِلأَمْنِ وَالأَمَانِ، وَالسِّلْمِ وَالسَّلَامِ، وَالرَخَاءِ وَالاسْتِقْرَارِ. اللَّهُمَّ وَفِّقْ رَئِيسَ الجُمْهُورِيَّةِ لِمَا تُحِبُّهُ وَتَرْضَاهُ مِنْ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَخُذْ بِنَاصِيَتِهِ إِلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى، وَهَيِّئْ لَهُ البِطَانَةَ الصَّالِحَةَ النَّاصِحَةَ. اللَّهُمَّ احْفَظْ جَيْشَ مِصْرَ البَاسِلَ، وَشُرْطَتَهَا السَّاهِرَةَ، وَصُنْ حُدُودَنَا، وَارْحَمْ شُهَدَاءَنَا الأَبْرَارَ. اللَّهُمَّ بَارِكْ فِي أَعْمَارِنَا وَأَرْزَاقِنَا وَأَوْلَادِنَا، وَارْزُقْنَا القَنَاعَةَ وَحُسْنَ العَمَلِ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.

عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، اذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.

وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ وَالسَّدَادُ – كَتَبَهُ فَضِيلَةُ الشَّيْخِ أَحْمَد إِسْمَاعِيلَ الْفَشْنِيِّ.

الْقَاهِرَةُ فِي ١٣ صَفَرٍ ١٤٤٨ هـ – ٢٧ يُولِيُو ٢٠٢٦ م