الوهابيون يحرضون ضد الخلافة العثمانية لصالح الانجليز

اعداد الاستاذ / سيد حسن

المقال الثالث والعشرون من سلسلة ( الوهابية فكراً وممارسة )

كتاب للدكتور محمد عوض الخطيب

ولما كان ابن الرشيد من مؤيدي الدولة العثمانية، فقد عمد ابن سعود الى مشاغلته لمنعه من إمداد الأتراك بالمساعدة العسكرية للدفاع عن البصرة . وهذا ما أكده ابن سعود نفسه في كتاب أرسله ابن جلوي إلى شكسبير جاء فيه قول عبد العزيز : (وأعلنا الحرب على ابن الرشيد لسببين : أولهما لنحول بينه وبين مساعدة الأتراك في سوريا وثانيهما ليكون لنا عذر من عدم مساعدتهم والانصياع لأمرهم ).

ويضيف عبد العزيز في الرسالة قوله : ( وظلت رسلهم تتوافد عليَّ للصلح بيني وبين ابن الرشيد . وظللت أبدي المعاذير ، وعليه فقد غادرت الرياض إلى منطقة القصيم لتدبير الأمر وتكملة الأعذار).

وكذلك أكد هذا الأمر اللفتنانت كولونيل “جراي” المقيم البريطاني في الكويت في تقرير إلى المقيم السياسي في الخليج يقول فيه : (إن نشوب القتال بين ابن الرشيد وابن سعود جعله ابن الرشيد هو وقبائله يدافعون عن أوطانهم ولا يستطيعون لذلك معاونة الترك).

غير أن بريطانيا لم تدعم ابن سعود بالتمنيات فقط ، بل هي كانت تمده بالمساعدة والخبرة في قتاله ابن الرشيد. وهذا ما يؤكده فصل النقيب “شكسبير” ليكون معه في ذلك القتال ، حيث قتل هذا النقيب في معركة (جراب) على يدي قوات ابن الرشيد.

ومن أجل مكافأة عبد العزيز على خدماته وتعبيراً عن الثقة التي تولدت لدى الإنكليز بنواياه استجابت الحكومة البريطانية لطلبه في عقد معاهدة بينه وبينها على غرار كل من تلك الموقعة بينهم وبين مشايخ الخليج . وقد بدأت التهيئة الجدية لعقد هذه المعاهدة فور أن قررت بريطانيا إنهاء علاقاتها بالدولة العثمانية عام ١٩١٤ .

وقد أبلغت وزارة الهند عبد العزيز بواسطة المقيم البريطاني في ٤ تشرين الأول (اكتوبر) ١٩١٤ أي قبل الإنزال البريطاني في البصرة بشهر تقريباً عن عزمها إرسال الكابتن شكسبير لمقابلته.

وفي ٤ تشرين الثاني (نوفمبر) ١٩١٤ وجه ابن جلوي ، حاكم الإحساء من قبل عبد العزيز ، رسالة إلى شكسبير عن لسان أميره جاء فيها : “وعندما علمت من القنصل بالخليج أنك قادم ، رأيت أن أقترح عليك أمرين لتختار واحداً منهما ، ولكن الأفضل في نظري أن تجهز شيفرة عربية ترسل إلي مفتاحها لتكون المخاطبات بيننا بها عن طريق أخينا عبد الله بن جلوي في الإحساء ، بينما تظل أنت مقيماً في البحرين وذلك اتقاء للقيل والقال ، حذرين إلى حين وصولنا إلى نتيجة فهذه أفضل طريقة بالنسبة لنا ولصالحنا. أما إذا رأيت أنه لابد من المقابلة فإن ابن جلوي يقوم بهذه المهمة ولكن يجب أن يكون ميعاد سفرك سراً … وتلبس الملابس العربية!”.

وفي ٣١ كانون الأول (ديسمبر) سنة ١٩١٤ وصل من ابن سعود كتاب إلى المقيم البريطاني في الخليج يعلن فيه أنه في جانب بريطانيا وأنه سيسافر إلى الكويت لبحث الوعود الثلاثة وهي الحماية من ناحية البحر والاعتراف وعقد معاهدة.

وفي أواخر شهر كانون الأول (ديسمبر) 1915 قدم بريس كوكس المقيم البريطاني في الخليج إلى القطيف واجتمع بعبد العزيز في جزيرة دارين في الخليج وكان يصحبه جون فيلبي بينما كان يصحب عبد العزيز أحمد الثنيان بمساعدته. وتم توقيع المعاهدة في ٢٦ كانون الأول ۱۹۱٥ وجرت المصادقة عليها في لندن بتاريخ ١٨ تموز ١٩١٦ .

وقد نصت المعاهدة على الاعتراف لعبد العزيز وورثته بحكم المنطقة التي استولى عليها ، على أن يكون الوارث مخلصاً لبريطانيا . وتعهدت بريطانيا بمساعدته في حال تجاوز أي دولة على تلك الأراضي دون علم بريطانيا . كما تعهد ابن سعود بإبلاغ بريطانيا بكل اعتداء على أرضه وأنه يمتنع عنا على المحميات البريطانية في الخليج وأن لا يرهن ولا يبيع من أرضه ولا يعطي أي امتياز لدولة أخرى أو لتابعي مثل تلك الدولة إلا بمشورة بريطانيا.

ثم جددت هذه المعاهدة بعد احتلال الحجاز وتسمية عبد العزيز ملكاً الاعتداء عليها ، وذلك بمعاهدة جده لعام ۱۹۲۷.

ولم يقتصر دور عبد العزيز على هذا بل هو راح يحرض عجمي السعدون ، زعيم عشائر المنتفك في العراق على التعاون مع الإنكليز ضد الدولة العثمانية كما جاء في كتاب “فصول من تاريخ العراق القريب” للمس “بيل” والتي أوردت رد ابن السعدون الذي كان غاية في الالتزام الإسلامي، على نقيض موقف ابن سعود . فقد جاء في رد ابن سعدون. (من المعلوم عندي بدرجة لا يتطرق إليها الشك أن موقفي هو موقف من يسعى لمرضاة الله العلي العظيم ولإعلاء اسم العرب بإظهار الولاء لهم . وأي ولاء أعظم من أن أسارع بإخلاص إلى ما أمرني به الله في كتابه المجيد بالجهاد ضد الكافرين أعداء الله وأعداء الدين ، ولا يمكن أن تأخذني في الله لومة لائم أنا الذي أسعى لحب الله ونبيه وبلادنا ولحمايتها من أن يدنسها الكافرون . وقد كان لي أمل كبير بتدينكم وحميتكم العربية أن توافقوني رأيي وتؤيدوني في ما أقوم به من أجل إعلاء كلمة العرب. وليس هذا بفضل الله تمرداً إنما هو موقف بسيط معروف. وإذا كانت الحكومة التركية تذب عن حوزة الإسلام فهي عضدي وعضد قبائلي ، وأنا حقاً حاكم مطلق بأمر الله وأمر الحكومة . وإني مقتنع ومعتقد بأني سائر في الطريق السوي الذي يرضي الله والعرب سيراً مستمراً لا يثنيني عنه شيء ، وهذه هي الروح الإسلامية وهذا هو الوضع. وأختم ما وجب علي قوله مستشهداً بكلام الله : إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء ) . وإذا كنت قد أعطيت أي وعد لهم في الماضي فيجب أن أتقيد بتنفيذ ما وعدت به . لكنني أعطيت عهداً بخدمة ديني وحكومتي وحميتي ، والله تعالى أحسن من يكون في عوننا . وإذا حاججتموني بترك الدين جانباً فالواجب يدعوني إلى الوفاء بالعهد الذي قطعته على نفسي من قبل لحكومتي وهذا أول ما تقتضيه شيمة العرب ، وهذا ما وجب بيانه ).

وتعليقنا هو أي حجة أبلغ من هذه توجه إلى مسلم . أما أن توجه إلى مكفري المسلمين فلن يتخذوها إلا هزواً.

ومهما يكن من أمر فقد تبنى عبد العزيز قضية بريطانيا وراح يحرض المسلمين على تركيا ويحثهم على التفاني في خدمة الإنكليز. فقد ذكر حافظ وهبة أنه عندما زار عبد العزيز الكويت سنة ١٩١٦ ، اجتمع بوجهائها وكان حديثه معهم كله هجوماً على الأتراك وتحقيراً لهم والإعلان أنه لو كان في جسمه نقطة دم تميل إلى الأتراك لبذل كل وسيلة لإخراجها منه. وقد أنعم كوكس على كل من شيخ الكويت وابن سعود بالوسام البريطاني كي . سي. آي (نجمة الهند) فأبرقا إلى السلطات البريطانية يشكرانها، وختما البرقية بالقول : “نرجو أن نكون دائماً كاسبين رضاكم بالخدمة الخالصة وملحوظين بعين عنايتكم الجليلة “.

 وبعد زيارة الكويت دعا برسي كوكس عبد العزيز لزيارة المعسكر البريطاني في الشعيبة قرب البصرة حيث رافقته المس “جرترود” وطافت به علی الوحدات التي كانت تستعد لاحتلال العراق، فأثارت المعدات دهشته . وقد توثقت العلاقات بينه وبين كوكس منذ ذلك الحين .