أفكارك ليست دائمًا أنت… فليس كل ما يدور في عقلك يُعبّر عنك

بقلم : أ . هالة أشرف

هل كل فكرة تمر في عقلك تعبر عنك فعلا؟

قد تمر بنا أحيانًا أفكار لا نحبها، ولا نريدها، حتى أننا قد نشعر بالضيق لمجرد أنها خطرت في أذهاننا لأنها تغير من مزاجنا كلية. وقد تكون الفكرة مخالفة تمامًا لما نؤمن به أو لما نريده لأنفسنا، ومع ذلك نظل نسأل: لماذا فكرت في هذا الأمر؟ وهل مجرد التفكير فيه يعني أنني أريده؟

وهنا تظهر واحدة من القضايا المهمة في علم النفس:

 ليست كل فكرة تخطر في ذهن الإنسان اختيارًا منه، وليست كل فكرة دليلًا على شخصيته أو أخلاقه!

فالإنسان لا يملك السيطرة الكاملة على كل ما يمر بعقله. فقد يستدعي موقفًا قديمًا دون أن يقصده، أو تخطر له صورة مفاجئة، أو يتوقع أسوأ الاحتمالات في لحظة خوف أوقلق، ثم يبدأ في محاسبة نفسه على مجرد الفكرة.

وقد يصبح الأمر أكثر إزعاجًا عندما يظن الإنسان أن عليه أن يطرد كل فكرة سلبية فور ظهورها في عقله، فيراقب عقله باستمرار: في ماذا أفكر؟ لماذا فكرت هكذا؟ هل هذا يعني شيئًا عني لا أعرفه؟

ومن هنا تبدأ المشكلة في بعض الحالات؛ إذ لا تعود الفكرة مجرد فكرة عابرة، ويصبح الإنسان في حالة مراقبة مستمرة لعقله ومحاولة للوصول إلى يقين كامل بشأن ما تعنيه أفكاره.

والقرآن حين تحدث عن الإنسان تحدث عن الصراع الداخلي مع النفس، وعن أشياء قد تخطر للإنسان لكن الإختبار الحقيقي يكون في موقفه منها وليس في الفكرة المجردة في عقله.

قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾.

واللافت في الآية أن الله تعالى ذكر وسوسة النفس، أي ما يدور في داخل الإنسان، ولم يجعل كل ما يمر في النفس مساويًا للفعل الذي يختاره الإنسان بإرادته.

وهنا ينبغي أن نفرق بين أشياء قد تختلط علينا:

هناك فكرة، وهناك رغبة، وهناك نية، وهناك قرار، وهناك فعل.

فقد تخطر الفكرة دون أن نريدها، وقد نشعر بالغضب دون أن نؤذي أحدًا، وقد نشعر بالخوف دون أن يكون الخوف دليلًا على ضعف الإيمان.

فالإنسان لا يُختزل في أول خاطر يمر بعقله، وإنما تظهر إرادته في الطريقة التي يتعامل بها مع ما يمر به. وهذا التفريق مهم جدًا في حياتنا الاجتماعية؛ لأننا أحيانًا نحاكم الناس على مشاعرهم وأفكارهم إذا أفصحوا عنها قبل أفعالهم، ونحاكم أنفسنا بالطريقة نفسها.

قد يشعر شخص بالغيرة، فيظن أنه إنسان سيئ. وقد يغضب، فيظن أن غضبه يجعله شريرًا. وقد تأتيه فكرة اقتحامية لا يريدها، فيخاف منها أكثر مما يخاف من الفعل نفسه.

لكن وجود الشعور لا يعني بالضرورة الموافقة عليه، ووجود الفكرة لا يعني الرغبة في تنفيذها.

وحين ذكر الله تعالى الغضب لم يجعل مجرد الشعور به جريمة، وإنما أثنى على الذين يستطيعون التحكم في أثره فقال:

﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾.

فلم يقل إن المؤمن لا يغضب، وإنما تحدث عن قدرته على كظم الغيظ والعفو.

وهنا تلتقي المعرفة النفسية مع معنى تربوي عميق:

 فليس المطلوب أن يصبح الإنسان خاليًا من المشاعر والأفكار المزعجة، ولكن الأهم أن يتعلم كيف يتعامل معها دون أن تتحول إلى أفعال تؤذيه أو تؤذي غيره.

ومن الأخطاء الشائعة أن نطلب من الشخص الذي يعاني نفسيًا أن يتوقف عن التفكير وهذا خطأ. فالتفكير شأنه شأن عملية التنفس لا يمكن وقفها لأنها طبيعة في الإنسان.

لكن الإنسان لا يستطيع دائمًا منع الفكرة من الظهور، كما لا يستطيع أن يمنع كل شعور من الوصول إليه. ما يستطيع أن يتعلمه هو ألا يعطي كل فكرة السلطة نفسها، وألا يفسر كل خاطر على أنه حقيقة، وألا يجعل كل شعور حكمًا نهائيًا على نفسه.

وقد يكون هذا من أهم ما يحتاج الإنسان إلى تعلمه في زمن أصبحت فيه الصحة النفسية موضوعًا حاضرًا في حياتنا اليومية؛ أن نعرف الفرق بين ما نشعر به وما نؤمن به، وبين ما يخطر لنا وما نختاره، وبين الفكرة التي تمر بنا والفعل الذي نقرر القيام به.

وقد نصحنا الرسول الأكرم في هذه المسألة أيضًا وعلمنا أن ندعو (اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة رب كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي ومن شر الشيطان وشركه وأن أقترف على نفسي سوءًا أو اجره إلى مسلم)

وقد جاء ذكر شر النفس قبل وسوسة الشيطان في دليل على أن وسوسة النفس هي الأخطر ويمكنها أن يتحكم في الإنسان وتدمره إذا لم يتعلم كيف يروضها ويتحكم بها.

ولذلك ربما لا يكون الانتصار الحقيقي على النفس هو ألا يخطر لنا الشر أبدًا، وإنما أن نعرفه حين يمر بنا، وألا نمنحه أكثر مما يستحق من سلطان.

فليس كل ما يدور في داخلك أنت، وليس كل ما تشعر به يحدد من أنت، ولكن ماتختار أن تفعله بما يدور داخلك هو ما يصنعك في النهاية.