الزواج بين المنهج الرباني والدعوات المعاصرة المنحرفة

بقلم : الداعية الإسلامي مصطفى شلبي الأزهري من علماء الأزهر الشريف

لقد جعل الله الزواج ميثاقاً غليظاً وأساساً لبناء الأسرة التي هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع، ولم يجعله علاقة عابرة أو ارتباطًا مؤقتاً تحكمه الأهواء والرغبات، وإنما شرعه بعقدٍ واضح وشروطٍ معلومة وضماناتٍ تحفظ الحقوق وتصون الأعراض وتحفظ الأنساب.

قال تعالى: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾

وقال سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾
ولهذا جاءت الشريعة بضوابط دقيقة لعقد الزواج ورفضت كل يفضي إلى العبث بهذا الميثاق العظيم أو يهدر مقاصده.

أولًا: لقد اتفق جمهور الفقهاء على أن الزواج لا ينعقد إلا بتوافر أركانه وشروطه، ومن أهمها:


تعيين الزوجين.

رضا الطرفين.
وجود الولي في نكاح المرأة
الإيجاب والقبول في مجلس واحد.
حضور شاهدين عدلين.
خلو الزوجين من الموانع الشرعية.
ألا يكون العقد مؤقتاً بزمن.
قال النبي ﷺ:«لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل».
وقال ﷺ:«أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل».

ثانياً: هل يصح الزواج عبر الإنترنت أو الهاتف؟

انتشرت في السنوات الأخيرة صور مستحدثة للزواج منها ما يسمى بالزواج أون لاين، أو عبر تطبيقات الاتصال أو عبر مكالمة جماعية يكون فيها الزوج في مكان والزوجة في مكان آخر والشهود كل منهم في مكان مستقل.

ومن المعروف أن العقد لا يُبنى على مجرد الوسيلة وإنما على تحقق أركانه وشروطه.

فإذا أمكن التحقق يقيناً من شخصية المتعاقدين وسماع الإيجاب والقبول في وقت واحد، وحضور الولي والشهود حضوراً حقيقياً يمنع التزوير والانتحال

أما الصورة المنتشرة اليوم عبر التطبيقات ومكالمات الهاتف دون تحقق كامل فهي مرفوضة شرعاً لما يكتنفها من مخاطر كبيرة منها:

سهولة التزوير وانتحال الشخصيات.

احتمال انقطاع الاتصال أو اضطرابه.
عدم التحقق من هوية الأطراف.
وقوع الغش والخداع.
ضياع الحقوق عند النزاع.
ولذلك فإن الإجراء المأمون هو توثيق العقد رسمياً بحضور أطرافه وفق الأنظمة الشرعية والقانونية المعمول بها.

ثالثاً: بطلان الزواج عبر مكالمة جماعية يكون كل طرف في مكان

ومن الصور التي ظهرت:

أن يكون الزوج في مدينة، والزوجة في مكان آخر والولي في مكان ثالث والشهود كل منهم في مكان مختلف ويتم العقد عبر مكالمة جماعية.

وهذه الصورة لا تحقق المقصود الشرعي من مجلس العقد على الوجه الذي يرفع الشك والنزاع فضلاً عما يحيط بها من احتمالات التلاعب و التدليس ولذلك لا ينبغي الإقدام عليها، ويجب أن يكون العقد موثقاً مستوفياً لجميع الضمانات الشرعية والنظامية.

رابعاً: حكم الزواج العرفي

ليس كل ما يسمى “زواجاً عرفياً” حكمه واحداً

النوع الأول:

عقد استوفى الأركان والشروط الشرعية لكنه لم يوثق رسمياً
فهذا صحيح من حيث الأصل، لكنه مخالف لما تقرره الأنظمة إذا أدى إلى ضياع الحقوق، ولذلك يجب توثيقه.

النوع الثاني:

وهو المنتشر بين بعض الشباب، ويكون بلا ولي أو بلا شهود أو في السر.
فهذا عقد باطل و فاسد بحسب ما اختل فيه من الشروط ولا تترتب عليه

آثاره الشرعية.

وقد قال النبي ﷺ:«لا نكاح إلا بولي».

خامساً: حكم زواج “الويك إند”

وهو أن يتفق الرجل والمرأة على الزواج أياماً محددة من الأسبوع أو لفترة معينة ثم يعود كل منهما إلى حياته المستقلة.

فإذا كان العقد مؤقتاً بمدة معلومة فهو داخل في النكاح المؤقت، وهو غير جائز عند جمهور أهل السنة.

أما إن كان العقد دائماً في صورته، لكن الزوجان يتفقان على أن يجتمعا في عطلة نهاية الأسبوع بسبب ظروف العمل أو السفر، مع بقاء جميع حقوق الزوجية وعدم توقيت العقد فالعقد صحيح لأن التأقيت وقع على الإقامة والاجتماع لا على أصل الزواج.

سادسا: ​طرح فكرة التعدد في صورة زواج جماعي مخالف لشرع الله

​إن التعدد في الإسلام جاء كـ “رخصة استثنائية” محكومة بشرط العدل المطلق في النفقة والمبيت والمعاملة، مع الحفاظ الكامل على كرامة المرأة كزوجة مستقلة لها بيتها وكيانها، وعلى حقوق الأبناء في نسب طاهر شريف. أما الزواج الجماعي المطروح فهو إلغاء لكرامة المرأة والرجل على حد سواء، وتحويل للإنسان إلى كائن يعيش في قطيع.

​إن الأطروحات التي تحاول شرعنة “الزواج الجماعي” ليست تقديماً لحلول بل هي معول هدم لآخر حصون الاستقرار المجتمعي وهو “الأسرة”.


ف​لقد كرم الإسلام الإنسان ورفع من شأن العلاقة الزوجية فسماها “ميثاقاً غليظاً”، وجعلها قائمة على المودة والرحمة والاستقرار. و ما كان رفض الإسلام لهذه الصيغ الشاذة إلا حمايةً للفطرة الإنسانية وصيانة للأعراض وحفظاً للأنساب من أن تغرق في مستنقع فوضى الأهواء.

سابعاً: لماذا شرع الإسلام تعدد الزوجات؟

من أكثر الأحكام التي تتعرض للهجوم اليوم حكم التعدد، مع أن الإسلام لم يبتدئه و لم يبتكره وإنما جاء الإسلام فوجده مطلقاً و بلا ضوابط فجاء ينظمه ويقيده بالعدل.

قال تعالى:﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: 3].
فجعل الأصل هو العدل فإن عجز الرجل عنه حرم عليه التعدد.

حكم عظيمة من مشروعية التعدد:

1- علاج مشكلة زيادة عدد النساء

ففي كثير من المجتمعات يزيد عدد النساء على الرجال بسبب الحروب والحوادث وغيرها، فيكون التعدد سبيلاً لحفظ النساء وإعفافهن.
2- رعاية الأرامل والمطلقات
كم من امرأة فقدت زوجها ومعها أطفال تحتاج إلى بيت يحفظها ويكفل أبناءها.
3- علاج العقم فقد تكون الزوجة عاقراً ويرغب الزوج في الذرية دون أن يظلمها بالطلاق فيضطر للتعدد
4- اختلاف القدرة الإنجابية
تبقى المرأة سنوات من عمرها في الحمل والولادة والنفاس والحيض، بينما يبقى الرجل قادراً على الإنجاب مدة أطول و قد يحتاج إلى ذلك و هي لا تستطيع
5- حفظ المجتمع من الفواحش
فإذا أغلقت أبواب الحلال اتسعت أبواب الحرام، فجاء الإسلام بالحل المشروع الطاهر.
6- المحافظة على الأسرة
بدل أن يطلق زوجته الأولى قد يبقيها مكرمة ويضم إليها زوجة أخرى مع القيام بحقوقهما.

هل التعدد ظلم للمرأة؟
الجواب: لا
فالظلم ليس في التعدد وإنما في سوء التطبيق.
ولهذا قال تعالى:
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾.
وقال النبي ﷺ:«من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل». فالعدل واجب في النفقة والمبيت والمعاملة، أما ميل القلب فليس في مقدور الإنسان.

الإسلام بين الإفراط والتفريط
رفض الإسلام العلاقات المحرمة.
ورفض كذلك العبث بعقود الزواج.
ورفض الزواج المؤقت.
ورفض إهدار الولاية والشهود.
ورفض كل صورة تضيع بها الحقوق أو تختلط بها الأنساب.
وفي المقابل شرع الزواج الشرعي الواضح وأباح التعدد بضوابطه وجعل الأسرة قائمة على المودة والرحمة والعدل.

إن الهجمة المعاصرة على أحكام الأسرة ليست موجهة إلى التعدد وحده وإنما تستهدف منظومة الأسرة الإسلامية كلها
فتارةً تُسوَّق العلاقات غير المشروعة
وتارةً تُطرح صور من الزواج تخالف مقاصد الشريعة
وتارةً يُطعن في الأحكام الشرعية الثابتة.
والمؤمن الحق يعلم أن تشريع الله قائم على الحكمة والرحمة والعدل، قال تعالى:
﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾
فالواجب على المسلمين أن يتمسكوا بأحكام الزواج كما شرعها الله، وأن يحذروا من الدعوات التي تُفرغ الأسرة من مضمونها، فإن صلاح المجتمع يبدأ بصلاح الأسرة، وصلاح الأسرة يبدأ بالالتزام بمنهج الله تعالى.