أثر غزوة بدر على أهل المدينة

المقال الخامس والعشرون من سلسلة (تأملات فى غزوة بدر الكبرى).

فضيلة الشيخ/ احمد عزت حسن

الباحث فى الشئون الاسلامية.

إنَّ غزوة بدر كان لها آثار ضخمة هائلة على الجزيرة العربية بكاملها بل وعلى العالم بصفة عامة، وما زال لغزوة بدر إلى يومنا هذا آثار، وسيكون لها آثار إلى يوم القيامة، فهي فعلاً يوم الفرقان.

أثر غزوة بدر في الميلاد الحقيقي للدولة الإسلامية بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم

أول آثار غزوة بدر وأعظمها هو الميلاد الحقيقي للدولة الإسلامية بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم ، والجيش الإسلامي الذي ولد في هذه الغزوة هو الذي على أكتافه أنشئت الدولة العظيمة دولة الإسلام، وقد تعرفنا في غزوة بدر على صفات الجيش المنتصر، وعرف الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم هذه الصفات، ودرسوها بإتقان، وبعد هذا طبقوها في كل المعارك التي انتصر فيها المسلمون، وإذا خالف المسلمون نقطة أو بعض النقاط من هذه الصفات أتت الهزيمة والمصائب؛ لذلك فإن غزوة بدر تعتبر معياراً أو مقياساً يجب أن يقيس المسلمون عليه أحوالهم، فإن كانوا يطيقون هذه الصفات فلله الحمد والمنة والفضل، وإن كانوا غير ذلك فلا بد أن يعدلوا مسارهم؛ ليعودوا إلى الطريقة التي سار عليها أهل بدر رضي الله عنهم أجمعين.

ولدت أمة الإسلام بعد غزوة بدر، وأصبح لها هيبة في الجزيرة العربية بكاملها، وبدأ الناس في كل الجزيرة يتساءلون عن الإسلام والمسلمين، فقد كانوا يتخيلون من قبل أن الأمر مجرد خلاف داخلي داخل مكة، هذا الخلاف هو رجل من مكة خرج بشيء اعترض عليه قومه، وظهر له أتباع، فهي مجرد حرب أهلية في داخل مكة المكرمة، ثم بعد ذلك لفتت أنظار العرب الهجرة إلى المدينة المنورة، لكن اللفت الحقيقي للأنظار كان بعد بدر، فالانتصار الضخم كان له أثر مهول على الجزيرة بكاملها، فبدأ الناس يتساءلون: من هم المسلمون؟ ما هو الإسلام؟ ولا شك أن هذا فتح للإسلام قلوباً كثيرة.

وهكذا بدأ الرسول عليه الصلاة والسلام ينظر دولته كدولة مستقرة، لها كيان مستقل ولها احترام ولها سمعة عظيمة في داخل الجزيرة العربية.

آثار غزوة بدر على أهل المدينة

كذلك أثرت غزوة بدر على المسلمين في داخل المدينة المنورة الذين لم يشاركوا فيها، فإنه لما وصل خبر نصر الإسلام في غزوة بدر إلى المدينة المنورة اختلطت مشاعر الفرح والسرور بهذا النصر العظيم بمشاعر الندم لعدم المشاركة في هذا النصر العظيم.

التف المسلمون حول البشير وهو زيد بن حارثة رضي الله عنه وأرضاه يطمئنون على أخبار الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يرجع مباشرة من بدر، بل مكث في أرض بدر ثلاثة أيام كعادة الجيوش المنتصرة، وبعد ذلك عاد إلى المدينة المنورة، لكن الخبر كان قد سبق واستقبلت وفود التهنئة الرسول صلى الله عليه وسلم بمنتهى الترحاب والفرح والسرور، وفي نفس الوقت جاء كثير من الأنصار رضي الله عنه وأرضاهم يعتذرون لرسول الله صلى الله عليه وسلم لعدم مشاركتهم في بدر مع رغبتهم الأكيدة في الجهاد في سبيل الله؛ لأنهم لم يعرفوا أن هناك قتال. على سبيل المثال: جاء له أسيد بن حضير رضي الله عنه وأرضاه وقال: (يا رسول الله! الحمد لله الذي أظفرك وأقر عينك، والله يا رسول الله! ما كان تخلفي عن بدر وأنا أظن أنك تلقى عدواً، ولكن ظننت أنها عير، ولو ظننت أنه عدو ما تخلفت، فقال له صلى الله عليه وسلم: صدقت).

إن مشاعر الندم التي جاءت في قلوب الأنصار والمهاجرين الذين لم يشاركوا في غزوة بدر ستؤدي بعد ذلك إلى بعض النتائج كما سنرى، وسيكون لها أثر واضح إيجابي في مقدمة غزوة أحد كما سيتبين لنا. إذاً: كان هناك أثر إيجابي كبير على الجيش المسلم، وعلى الذين لم يشاركوا في غزوة بدر، وقامت الدولة الإسلامية على أكتاف هؤلاء وهؤلاء.

الأثر الرابع لغزوة بدر: كان سلبياً لكن على المؤمنين، ونحن نستغرب كيف يكون هناك أثر سلبي على المؤمنين بعد هذا الانتصار الكبير في بدر. كان هذا الأثر نتيجة الغنائم التي حصلها المسلمون من غزوة بدر، فهناك أخطاء للمؤمنين بصفة عامة، ومنها هذا الخطأ الذي حدث في غزوة بدر، وهو خطأ بين؛ لأن عبادة بن الصامت رضي الله عنه وأرضاه وصف هذا الأمر فقال: ( فلما جاء أمر الأنفال وساءت فيه أخلاقنا )، فهو يتحدث عن الجيش المنتصر الذي فيه صفات عظيمة كما ذكرنا، إلا أنه في هذه القضية ساءت فيه أخلاقه كما قال عبادة بن الصامت رضي الله عنه وأرضاه.

ببساطة شديدة بعد أن انتهت الجولة الأولى من بدر، وبدأ ظهور الانتصار الباهر للمسلمين بدأ المشركون في الفرار، وبدءوا يلقون الغنائم وراءهم، فقسم المسلمون أنفسهم ثلاثة أقسام:

قسم منهم حول الرسول عليه الصلاة والسلام لحمايته.

وقسم ثان بدأ يجري وراء الفارين من أرض المعركة، ومعظم هذا القسم من الشباب.

وقسم ثالث بدأ يجمع الغنائم التي كانت موجودة في أرض المعركة.