بقلم : أ/مرفت محمد رمضان
واعظة /أوقاف القاهره
مع إشراقة عام هجري جديد، تعود إلى الأذهان أعظم رحلة عرفها التاريخ، رحلة الهجرة النبوية التي لم تكن مجرد انتقال من مكان إلى مكان، بل كانت مدرسة متكاملة في الإيمان والتخطيط والتضحية واختيار الرفيق.
ومن بين الدروس العظيمة التي تعلمناها الهجرة، درس اختيار الرفيق الصالح، الذي تجسد في اختيار النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر الصديق رضي الله عنه ليكون رفيق رحلته المباركة.
لم يكن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر اختيارًا عابرًا، بل كان اختيارًا لرجل عُرف بالصدق والإخلاص والثبات والتضحية. فقد قدّم أبو بكر كل ما يملك نصرةً لدينه ولنبيه؛ قدّم ماله فأنفق بسخاء في سبيل الله، وقدّم جاهه ومكانته فكان يدافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحميه من أذى المشركين، بل وقدّم نفسه فداءً له في أصعب المواقف. يقول تعالي (ثاني اثنين إذ هما في الغار )
عندما وصلا إلى غار ثور أثناء الهجرة، دخل أبو بكر أولًا يتفقد المكان خوفًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتذكر الروايات أنه مزّق ثوبه ليسد به فتحات الغار حتى لا يخرج منها ما يؤذي النبي. ولم يكن خوفه على نفسه، بل كان خوفه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى مستقبل الدعوة كلها.
وفي تلك اللحظات الحرجة، عندما أحاط الخطر بهما، بكى أبو بكر خوفًا على النبي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات خالدة تبعث الطمأنينة في النفوس إلى يوم القيامة: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾.
لقد كانت صحبة أبي بكر للنبي صلى الله عليه وسلم نموذجًا فريدًا للصداقة الحقيقية؛ صداقة تقوم على الإيمان والوفاء والتضحية، لا على المصالح والمنافع المؤقتة.
واليوم، ونحن نستقبل عامًا هجريًا جديدًا، يحق لكل واحد منا أن يسأل نفسه: من أختار ليكون رفيق دربي في الأوقات الصعبة؟ هل أبحث عن صديق يشاركني أوقات المرح فقط، أم عن إنسان يقف إلى جواري عند الشدائد والأزمات؟
إن المحن تكشف معادن الناس، والصديق الحقيقي ليس من يرافقك وقت الرخاء فحسب، بل من يساندك حين تضيق بك السبل، ويواسيك عند الحزن، وينصحك إذا أخطأت، ويعينك على طاعة الله.
ومن هنا تبرز أهمية الصحبة الصالحة، فرفيق الطريق ينبغي أن يتحلى بصفات عظيمة، في مقدمتها الصدق والأمانة والإخلاص والتضحية وحسن الخلق. فالصديق الصالح قد يكون سببًا في ثبات الإنسان ونجاحه وسعادته في الدنيا والآخرة.
إن العالم اليوم، رغم كثرة وسائل التواصل، يفتقد في كثير من الأحيان إلى الصداقة الحقيقية. ولذلك نحن بحاجة إلى أن يكون في حياتنا “أبو بكر”؛ ذلك الصديق الذي يصدقنا ولا يجاملنا، ويحمينا ولا يستغلنا، ويواسي قلوبنا عند الحزن، ويمد لنا يد العون عند الشدة.
وفي ذكرى الهجرة النبوية، لنجدد العهد على اختيار الصحبة الصالحة، ولنسعَ أن نكون نحن أيضًا أصدقاء أوفياء لمن حولنا، حتى نبني مجتمعًا تسوده المحبة والتكافل والوفاء.
وكل عام هجري جديد والأمة الإسلامية بخير وأمن وسلام.
مجلة روح الاسلام فيض المعارف