القلب المخموم : رتبة الاتقياء وتريايق الداء العضال

بقلم : أ . بسمة القفاص الواعظة بوزارة الأوقاف المصرية 

خلق الله سبحانه وتعالى العباد وتولى قِسمة الأرزاق بينهم بحكمته وعدله، فجعل التفاوت بين البشر سُنّة كونيّة ليتكامل البناء الإنساني. إلا أن النفوس البشرية ليست على درجة واحدة من النقاء؛ فبينما ترضى قلوب مؤمنة بما قَسَمَ الله، تشتعل قلوب أخرى بنيران الغِل، ليتولد منها داءٌ عُضال يُفسد الدين والدنيا معاً.. إنه ‘الحسد’. هذا المرض الصامت الذي لا يرحم صاحبه قبل أن يؤذي غيره، يعد أول خطيئة عُصي الله بها في السماء والأرض. في هذا المقال، نبحر في أعماق هذه الآفة، لنكشف أسبابها، وتأثيراتها المدمرة، وكيف أرشدتنا الشريعة الإسلامية إلى ترياق الشفاء والوصول إلى رتبة ‘القلب المخموم’.”

فما هو الحسد؟
الحسد هو تمني زوال النعم والعطايا (سواء كانت دينية أو دنيوية) عن الآخرين، وهو سلوك ذميم امتاز به اليهود وتأثر به الكثيرون. وينقسم في الشريعة إلى جانبين:

حسد مذموم (الحسد المحض): وهو الرغبة في تعرية الآخرين من نعم الله عليهم مع العجز عن تحقيق مثلها، وهو داء دائم يلازم صاحبه وينهك جسده.

حسد محمود (الغبطة): وهو تمني الحصول على نعم مماثلة لما يمتلكه الآخرون دون الرغبة في زوالها عنهم، وهو أمر مشروع ومستحب في مجالات العبادة والطاعة والإنفاق.

لماذا يتحول الإنسان إلى حاسد؟

ينبت الحسد في القلوب نتيجة أمراض نفسية وسلوكية رئيسية منها

العداوة والبغضاء: وهي المحرك الأساسي لقطع الصلات وإفساد الدين.

التكبر: استصغار المحسود والتعالي عليه.

التعجب: استنكار الحاسد أن ينال شخص يراه عادياً نعمة عظيمة.

الخوف من فوات المقاصد: القلق من خسارة المناصب، الجاه، أو النفوذ لصالح الآخرين.

حب الرئاسة: الرغبة في الانفراد بالثناء والتميز دون شريك.

خبث النفس وشحها: طبيعة داخلية لئيمة تحزن لسرور الناس وتفرح لفشلهم.

وللأسف

أول من يصطلي بنار الحسد هو الحاسد نفسه، حيث يعاقب في الدنيا بعقوبات فورية:

حزن دائم وهمّ ملازم لا ينقطع.

مصيبة وكرب مستمر دون نيل أي أجر عليه.

مذمة ونقص في قدره بين الناس.

مقت وسخط من الله لاعتراضه على مشيئته وقسمته للأرزاق.

انغلاق أبواب التوفيق بوجهه وخذلان أولياء الله له.

الحسد مدمر للفرد والمجتمع

التدمير الديني والقلبي

الحسد يأكل العبادات ويهلك الحسنات كما تحرق النار الحطب، وهو دليل على ضعف الإيمان إذ لا يجتمع الإيمان والحسد في قلب واحد. كما يدفع صاحبه لارتكاب رذائل أخرى كالغيبة، النميمة، تتبع العورات، وقطع الأرحام.

. التدمير الدنيوي والصحي

يصاب الحاسد بالهزال والمرض نتيجة النكد الدائم وسخطه المستمر على قدر الله وتوزيع أرزاقه.

 خطر العين الحاسدة

يمتد أثر الحسد ليتجسد في “العين” التي قد تصيب المحسود بضرر بالغ في بدنه أو ماله بإذن الله، وتؤدي لتدهور أحواله، وقد تكون العين من الجن أو من الإنس.

شواهد تاريخية ونماذج من الواقع

يُسجل التاريخ أن الحسد هو أول خطيئة عُصي الله بها؛ بدءاً من تكبر إبليس وحسده لآدم، مروراً بمؤامرة إخوة يوسف عليه السلام، وصولاً إلى حسد قريش واليهود للنبي ﷺ على نعمة النبوة. ويوضح العلماء أن الحاسد في حقيقته يسيء الأدب مع الله لأنه يعترض على عطائه وحكمته.

ومن الحلول المجربه هى تحلى الانسان بالقلب المخموم كما قال النبى فى حديثه حينما سئل عن افضل الناس قال هو صاحب القلب المخموم

أفضل الناس هو صاحب “القلب المخموم” وهو القلب التقي النقي الخالي من الإثم، البغي، الغل، والحسد، والذي يشبه الأسفنجة البيضاء التي لا تتشرب الذنوب، عكس القلوب الملوثة التي تفيض آفتها على الجوارح.

نصل لنقطة العلاج

وهى اهم النقاط

خطوات للوقاية والعلاج

للتخلص من هذا الداء وتحصين النفس منه، يجب اتباع الآتي:

الإخلاص والرضا: تسليم الأمر لله والرضا التام بما قسمه لعباده.

الدعاء بالبركة: تمني الخير للآخرين والدعاء لهم بالبركة فور رؤية ما يعجبنا.

اليقين بالقضاء والقدر: الإيمان بأن التفاوت بين البشر لحكمة إلهية.

تطهير الصدر: تنقية القلب من الأحقاد ومقابلة الإساءة بالإحسان.

التحصين الشرعي: المداومة على قراءة القرآن، المعوذتين، أذكار الصباح والمساء، وقول “ما شاء الله لا قوة إلا بالله”.

تجنب الخديعة والمكر: اليقين بأن المكر السيئ يرتد على صاحبه بالخسران.