
بقلم : د / مدحت علي أحمد وربي
جاء في الحديث الصحيح ؛ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنَ الْكُفَّارِ، فَيُقَالُ: اغْمِسُوهُ فِي النَّارِ غَمْسَةً، فَيُغْمَسُ فِيهَا، ثُمَّ يُخْرَجُ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: أَيْ فُلَانُ هَلْ أَصَابَكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا، مَا أَصَابَنِي نَعِيمٌ قَطُّ، وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ الْمُؤْمِنِينَ ضُرًّا، وَبَلَاءً، فَيُقَالُ: اغْمِسُوهُ غَمْسَةً فِي الْجَنَّةِ، فَيُغْمَسُ فِيهَا غَمْسَةً، فَيُقَالُ لَهُ: أَيْ فُلَانُ هَلْ أَصَابَكَ ضُرٌّ قَطُّ، أَوْ بَلَاءٌ، فَيَقُولُ: مَا أَصَابَنِي قَطُّ ضُرٌّ، وَلَا بَلَاءٌ “(ابن ماجه/2/ 1445 /4321).
أيها المحزون المكروب، المهموم المغموم، الخائف المبتلى، أبشــــــر إن دخلت الجنة، فغمسة واحدة تكفي لغسل كل ما مضى من بلاء وشدة ومرض فما بالك بالخلود الأبدي فيها ، والنعيم الذي لا ينقطع، ومجاورة الطيبين الكرام من الأنبياء والمرسلين .
ويا أيها الظلوم الغشوم، القاتل السفاح، أبشر بما يسوء ك – إن دخلت النار- فغمسة واحدة تكفي لتنسيك لذات الدنيا، وتنسيك شهوة السلطة، وسكرة الشهرة، وكنز الأموال، فضلا عن مكث لا يعلم مداه إلا الله مع عذاب مهين، وجوار خبيث، وأبواب مؤصدة، ونار موقدة. فاللهم إنا نسألك لنا ولسائر المسلمين الجنة، ونعوذ بك من النار.
صحيح أن الغمسة الواحدة في الجنة تنسى وتنسخ كل ما كان قبلها من هم وغم وضيق وحزن وشدة وبلاء إلي السعادة الأبدية السرمدية.
والغمسة الواحدة في النار تذهب كل ما قبلها من نعيم دنيوي ومتاع فان وسلطان زائل وشهرة وهمية ، فالدنيا إذا قيست بالآخرة إنما هي أحلام وأوهام، والإنسان الذي يكون في حلم وبعد ذلك يصحو فيجد الشيء الذي يضايقه يقول: كنت أحلم ، وكذلك يوم القيامة، فإنه يرى الدنيا كانت حلماً، وكأنه لم يكن فيها شيء ، فكثير من الناس لما يري الظلم والظالمين في كل مكان وقد تمكنوا من المسلمين المستضعفين ، فيقول مستغرباً متي نري نصرة المظلومين ؟؟
والحقيقة أن الموت بداية عالم آخر مغاير تماماً لما قبله !! عالم لا سلطان فيه لأحد ولا حول ولا قوة إلا للخالق العظيم ولا قانون إلا قانون السماء الذى لا يحابى ولا يميل حيث الميزان الحق ولن تفيد هناك البراعة ولا القرابة إنما الصدق وحده !!
قال الله تعالي : “يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ (16) الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (17)(غافر/16:17).
فقد يقاسى المسلم فى حياته الفقر أو الظلم وقد يحوز الظالم الشهرة والغنى والقوة ؛ لكن ذلك كله يزول بالموت وينسى الفقيروالمظلوم المعاناة وكذلك المنعم المترف المحاط بحرس لا ينامون فجأة إذا هم في العذاب خالدون !!
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يُقَالُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ لَا مَوْتَ، وَلِأَهْلِ النَّارِ: يَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ لا موت) ( البخاري/5/ 2397/6179).
نعم أيها المبتلى المظلوم الصابر لا تحزن ينتظرك عدل مطلق ستنال أجرك وقصاصك .
أيها المريض الصابر ستشفي وتبرأ بمجرد موتك فلا مرض ولا كرب ولا حزن ولا بؤس ولا موت ولا نهاية ولا فراق للأحبة بل الخلود السرمدى فى دار الأفراح.
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « يُنَادِي مُنَادٍ: إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلَا تَسْقَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلَا تَمُوتُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلَا تَهْرَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلَا تَبْتَئِسُوا أَبَدًا. فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ }(مسلم/8/ 148/22 – (2837).
فالغمسة الواحدة تمحو الذاكرة ؛ كم من غنيٍّ مَلَكَ القصور، وأحاطت به المسرَّات، ثم لم يلبث أن صار خبرًا!
وكم من فقير ذاق من الشقاء ألوانًا، ثم أصبح في دار لا همَّ فيها ولا كدر! لو علم الناس حقيقة الدنيا، لَما اغتروا بنعيمها، ولا فزِعوا من مصائبها، فكل ذلك لا يعدو أن يكون ظلًّا زائلًا أمام لحظة واحدة في الدار الآخرة، غمسة واحدة في الجنة أو في النار كفيلة بأن تمحو ذاكرة الحياة بأكملها، فهل تأملت أيُّ الغمستَين ستكون نصيبك؟
إن بعض الناس ينظر إلى الحياة بعين ضيقة، تقيس الأقدار بموازينَ عاجزة، فلا يرى إلا وجهًا واحدًا للأيام؛ فإن أصابته نعمة، طار بها فرحًا وظن أنها دائمة، وإن مسَّته نقمة، غرق في يأسه ورأى الدنيا قد ضاقت عليه بما رحبت، ولو أنه أبصر ببصيرة الإيمان، لعلِم أن هذه الدنيا ظل زائل، وأن العِبرة ليست باللحظة التي يعيشها، ولكن بالمآل الذي يصير إليه.
وهذا الحديث النبوي العجيب ينسف كل الأوهام التي علِقت بأذهاننا عن النعيم والبؤس؛ يخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم عن رجلٍ عاش في الدنيا، في بُحْبُوحة من العيش، لم ترَ عيناه مكروهًا، ولم يذُق قلبه ألمًا، كان سيدًا في قومه، ثم جاء يوم القيامة، فإذا به من أهل النار، فيُغمس فيها غمسة، غمسة واحدة، لا أيام ولا شهور، مجرد لحظة، ثم يُسأل: هل رأيت خيرًا قط؟ فيجيب، وهو الذي ملك الدنيا ما ملك، بلسان ذليل وقلب مرتجف: لا والله يا رب!
أين القصور والمراكب؟ أين الأهل والأحباب؟ أين الضحكات الصاخبة، والموائد المُترفة، والليالي العامرة؟ لقد ذهبت كلها أدراجَ الرياح، ومحا ألم لحظة في النار ذكرى عمرٍ من النعيم، لم يعُد يذكر شيئًا، والنعيم الذي كان فيه لم يكن شيئًا مذكورًا.
وفي الجهة الأخرى، رجل قضى عمره في البؤس والشقاء، لم يذُق في حياته إلا مرارةَ الفقر، وقسوة الدهر، كان جسده نهبًا للأوجاع، ووجهه مرآةً للآلام، قلَّ أن يعرف الفرح طريقًا إلى قلبه، حتى أتاه الموت وهو في شقاء دنيوي، لكنه كان من أهل الجنة، فلما جاء يوم القيامة، غُمس غمسةً واحدة في الجنة، مجرد لحظة، ثم سُئل: هل رأيت بؤسًا قط؟ فيقول، وهو الذي أفنى حياته في الألم: لا والله يا رب، ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط!
سبحان الله! غمسة واحدة في الجنة أنْسَتْهُ كل ما كان، أين الجوع؟ أين البرد؟ أين الظلم؟ أين الأمراض التي كانت تنهش بدنه، وتُطير نومه؟ أين الأحزان التي كانت تسحق قلبه؟ تبخَّرت كلها في لحظة، كأنها لم تكن!
ما أحوجنا إلى أن نزِنَ الدنيا بميزانها الصحيح، فلا نغتر بنعيمها، ولا نحزن على مصائبها، بل نجعل همَّنا في الذي يبقى، لا في الذي يفنى، اللهم اجعلنا من أهل الغمسة فى الجنة ولا تجعلنا من اهل الغمسة فى النار .
مجلة روح الاسلام فيض المعارف