كيف أُعيد إنتاج خطاب التكفير في ثوب معاصر؟

المقال العشرون من سلسلة ( ماسونيات ـ جيوش الظل )

للكاتب / محمد نجيب نبهان

كاتب وباحث وناقد فني وتاريخي

من الوهابية الى داعش:

لم يكن ظهور ما يُسمى بتنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين حدثًا مفاجئًا من فراغ، ولا طفرة غريبة عن سياق الأمة، بل كان النتيجة الطبيعية لمسار طويل من إعادة إنتاج الخطاب الوهابي التكفيري، الذي صيغ منذ ثلاثة قرون في صحراء نجد، ثم غُذّي بالمال والسلاح والتحالفات المشبوهة، حتى وصل إلى ذروته في مشاهد الذبح والحرق والتفجير التي صدمت العالم. فداعش لم يكن كائنًا طارئًا، بل كان الجيل الأحدث لجيوش الظل الدينية التي وُلدت من رحم الوهابية، وأُلبست ثوبًا عصريًا يناسب زمن الإعلام الرقمي، لتؤدي الوظيفة ذاتها: تشويه الإسلام، وتدمير الداخل، وخدمة الاستعمار الخارجي.

لقد بدأ الأمر بخطاب محمد بن عبد الوهاب الذي جعل التكفير قاعدة التعامل مع المخالفين. لكن مع مرور الوقت، وتوسع المشروع الوهابي عبر المال النفطي، صار هذا الخطاب يُصدَّر إلى كل أصقاع الأرض. المدارس والمطابع والجمعيات “الخيرية” زرعت بذور الفكر في عقول آلاف الشباب، حتى إذا اندلعت الأزمات الكبرى – من أفغانستان إلى العراق – وجدت هذه البذور تربتها الخصبة. وحين دخل القرن الحادي والعشرون، لم يعد هناك مجرد خطاب، بل بنية تنظيمية مسلحة جاهزة لتوظيف هذا الخطاب، وتحويله إلى كيان يرفع راية الدين ويذبح باسمه.

إن القاعدة، التي ظهرت أولًا، لم تكن سوى صورة مطورة للوهابية التقليدية: فتاوى التكفير، استحلال دماء المسلمين، استهداف المجتمعات قبل المحتلين. وحين انبثق منها داعش، أخذ المشروع بعدًا إعلاميًا غير مسبوق. فقد أدركت غرف التحكم التي تديره – من أجهزة الاستخبارات إلى المحافل الفكرية – أن زمن الصورة قد حل، وأن ذبح رهينة أمام الكاميرا أقوى أثرًا من ألف بيان مكتوب. وهكذا صار التنظيم مسرحًا عالميًا للدماء، يُبث عبر الفضائيات ووسائل التواصل، ليزرع الرعب في القلوب، ويشوّه صورة الإسلام أكثر مما يفعل أي عدو خارجي.

والمفارقة الكبرى أن داعش، الذي زعم أنه يقيم “الخلافة”، لم يوجّه بندقيته إلى تل أبيب ولا إلى العواصم الغربية التي غزت بلاده، بل صبّ جام غضبه على دمشق وبغداد والموصل والرقة وسيناء. لم يكن ذلك صدفة، بل كان تجسيدًا للدور الوظيفي الذي ورثه من الوهابية: أن تُستنزف الأمة في صراعات داخلية، وأن يُقدَّم الإسلام للعالم في صورة وحشية منفرة، وأن يُعطى المستعمر المبرر للتدخل العسكري تحت شعار “محاربة الإرهاب”. وبهذا التقى الطرفان: التكفيريون الذين يذبحون باسم الدين، والمستعمرون الذين يقصفون باسم الإنسانية، وكلٌ يخدم الآخر في مسرحية دموية واحدة.

ولم يكن داعش ليسطع بهذه السرعة لولا البنية التحتية الوهابية التي سبقته. ملايين الكتيبات التي صاغت عقول الشباب، آلاف الخطباء الذين رددوا خطاب الكراهية، عشرات القنوات التي مجدت فتاوى التكفير. وحين وُلد التنظيم، وجد جمهورًا جاهزًا يتقبله، لأنه كان قد تشبع لسنوات بأن العدو الأول هو “المسلم المخالف”، وأن دماءه حلال. وهكذا صار داعش ليس اختراعًا جديدًا، بل الابن الشرعي للوهابية، لكن في ثوب أكثر دموية وعصرية.

إن أخطر ما صنعه داعش لم يكن سفك الدماء فحسب، بل تدمير صورة الإسلام عالميًا. فكلما أراد مسلم أن يقدم دينه كرسالة رحمة، واجهه الآخر بصورة الذبح والحرق التي صنعها التنظيم. وكلما أرادت الأمة أن تُوحد صفوفها، جاء داعش ليزرع الشكوك بين أبنائها. لقد أدى دوره بإتقان: تشويه الداخل والخارج معًا، بحيث يُترك المسلمون بلا دفاع نفسي ولا غطاء عالمي.

وهكذا نرى أن المسار واحد: من تكفير القبائل في نجد، إلى اغتيال العلماء والمخالفين، إلى تفجير المساجد والأسواق في بغداد ودمشق وطرابلس. المسافة ليست بعيدة، والخطاب هو ذاته، وإن تغيرت الشعارات والوسائل. وما داعش إلا إعادة إنتاج حديثة لجيش ظل قديم، جُددت أدواته ليواكب العصر، لكنه ظل يؤدي الوظيفة نفسها التي وُجدت من أجلها الوهابية: صناعة الكراهية باسم الدين، وتحويل الإسلام إلى غول يُفزع العالم، ليُبرر الاستعمار، وليُفكك الأمة من داخلها.