الوهابيون يضحون بمصالحهم فى سبيل مصالح الانجليز

اعداد الاستاذ / سيد حسن الأزهرى

المقال السادس والعشرين من سلسلة ( الوهابية فكراً وممارسة )

كتاب للدكتور محمد عوض الخطيب

ففي سنة ١٩٤٦ رفض ابن سعود إقامة علاقات تجارية مع الاتحاد السوفياتي ، لئلا تتضرر المصالح البريطانية رغم اعترافه بأن مصلحة بلاده تقضي بإقامة مثل تلك العلاقات . فقد جاء في كتاب رفعه إلى المندوب السامي البريطاني في مصر بتاريخ ١٢ حزيران ١٩٤٦ : وأننا نصارحكم برأينا في هذه القضية ، إننا بادىء بدء اتخذنا في الحجاز الإجراءات التي لا تقاوم حرية التجارة في العالم واتخذنا من جهة ثانية بعض احتياطات أخرى لمنع سبق نفوذهم (السوفيات)، قد يكون من المفيد لاقتصاديات بلادنا تسهيل سبل التجارة مع روسيا لكننا نرى في ذلك ضرراً لا يستهان به على منتجات البلاد البريطانية وأنه وإن لم يكن بيننا وبين الحكومة البريطانية أي اتفاقية تجارية لرعاية منتجاتها ولكننا حباً في المحافظة على المصالح البريطانية ومقاومة لمنافسيها وقفت حكومتنا في الحجاز ذلك الموقف الذي لا بد أن بلغكم أمره.

نصيحة عبد العزيز لابنه سعود بطاعة الانجليز:

وفي سنة ١٩٤٧ كان عبد العزيز يوصي ابنه سعوداً قائلاً: …. وقد خبرنا الإنكليز وهم خبرونا .. وعرفناهم وهم عرفونا ولذلك أصبح العمل في ما بيننا سهلا والتفاهم هيناً ، ويعلم الجميع الموقف الودي الصادق الذي اتخذناه باتجاه بريطانيا أيام محنتها في الحرب الأخيرة وكيف أننا لم نتخل عن صداقتنا معها في الوقت الذي تركها فيه أدنى الناس إليها. وهذا الموقف الرائع الذي وقفناه هو الذي أدى بالحكومة البريطانية إلى الاعتراف بأنها لن تنسى لنا موقفنا في أيامها السوداء ، إننا أصدقاء أوفياء لبريطانيا … ولم نجد فيها إجمالاً إلا الصداقة.

كما أن أمين الريحاني، من عملاء المخابرات الأمريكية ، يذكر في كتابه “ملوك العرب” قول عبد العزيز له : “لا نتنازل عن شيء من حقوق أجدادنا . أما إذا قال الإنكليز نبغي هذا منك وجاؤوني بأمر محتوم فأنا أسلم لهم”.

كما روى أن عبد العزيز قال له أيضاً : “أما الإنكليز فهم أصدقائي وأنا صديقهم . إذا قالوا لي نبغي هذا منك . قلت : ولكم ما تشاؤون” .

على أن ارتباط عبد العزيز لم يكن قائماً فقط على المال الذي كان يقبضه ، فهو قليل ، بل على الصداقة ! يقول الملك لأمين الريحاني بهذا الخصوص : “ويظن الناس أننا نقبض من الإنكليز مبالغ كبيرة من المال ، والحقيقة أنهم لم يدفعوا لنا إلا اليسير مما تستحقه الأعمال التي قمنا بها أثناء الحرب وبعدها ، ونحن لا نختلف معهم قبل أن يختلفوا معنا ، بيننا وبينهم عهد منهم نحافظ عليه ، ولو تضررنا بأنفسنا ومصالحنا ، الإنكليز مدينون لنا ، ترى الصحيح يا أستاذ ونحن لا نطالبهم من العار أن تطالبهم، أنا صديقهم ابن سعود “.

الوهابيون يبيعون فلسطين:

وقد استفاض ابن سعود في شرح مواقفه من بريطانيا ودوره في التضحية بمصالح العرب والمسلمين وقضاياهم خدمة لمصالحها أمام اللجنة البريطانية الأمريكية التي أنشئت بعد إلغاء الكتاب الأبيض لسنة ۱۹۳۹ والذي وضع للحد من الهجرة اليهودية إلى فلسطين اسكاتاً للفلسطينيين ودفعاً لهم إلى الهدوء لكيلا يؤثروا على المجهود الحربي للحلفاء في الحرب الثانية . ذلك الكتاب الذي ألغي بعد الحرب في 9 آذار ١٩٤٦ . قال ابن سعود لأعضاء اللجنة المذكورة إنه وجميع العرب أصدقاء للحلفاء ومن رأيه أن مصلحة العرب مسلميهم ومسيحييهم دوام الصداقة والاتفاق مع الحلفاء. وذكر أنه سعى أثناء الحرب بالنصح للعرب والمسلمين خاصة لا سيما مسلمي الهند بأن يكونوا على اتفاق مع بريطانيا لأن ذلك في مصلحتهم.

وأكد ابن سعود أن اليهود لا يتوانون أبداً عن محاولات الإيقاع بين العرب وصديقتيهم بريطانيا وأمريكا ، الأمر الذي يعمل العرب على تجنبه . وأضاف ابن سعود مبيناً ارتباطه ببريطانيا : ( إنني منذ أن أوجدني الله وصرت أسعى لاستعادة ملك آبائي وأجدادي ما عرفت من الدول غير بريطانيا ، كانت صديقتي . رأيت منها ما سرني ورأت مني ما سرها . ولما نشبت الحرب أيدت سياستها وسياسة حلفائها وثوقاً مني بأن ذلك في مصلحتي أولاً ومصلحة العرب جميعاً ثانياً.

لهذا السبب كانت الحكومة البريطانية ولا تزال ترغب إلي أن أسعى للتوفيق بينها وبين العرب منذ أيام الحرب وبعد انتهائها اتقاء لحدوث المشاكل بينها وبينهم . وكنت أعمل ما في وسعي مع إخواني العرب وأنصحهم بأن لا يجعلوا سبيلا لحدوث اختلاف بينهم وبين بريطانيا لأن أعداء الحلفاء أعداء العرب ويجب علينا الصبر والتروي لأن ذلك من مصلحة العرب.

ولقد بلغ مني الأمر أن تكلمت أمام جمع من المسلمين في مكة المكرمة ونصحتهم بأن يكونوا إلى جانب بريطانيا وحلفائها لأنها صديقتهم وتدافع في حربها عن حقوقهم ومصالحهم … وألا يدعوها في حرج من أمرها . وعلى أثر ذلك، تلقى علماؤنا كتباً من العلماء في بلاد المسلمين، تنتقد موقفي ففاتحوني بما جاءهم وأبدوا لي أنهم لا يتعرضون للمسائل السياسية ، ولكنهم يعجبون من معاضدتي لبريطانيا في الوقت الذي تؤوي فيه اليهود وتوليهم على فلسطين . فأوضحت لهم الأخطار التي تستهدف أوطاننا إذا انتصر أعداء بريطانيا عليها ، فقالوا هل تضمن أن بريطانيا إذا انتصرت لا تؤيد اليهود ولا تؤويهم في بلادنا وإنها تعامل العرب في فلسطين بالعدل، فأجبتهم : إني لا أضمن أن تفعل بريطانيا هذا أو ذاك ولكن ما عرفته من بريطانيا وعودها التي قطعتها على نفسها ، هو أنه إذا لم يقم العرب بأعمال ضدها فإنها ستعاملهم بالإنصاف ) .

وعن ضغوطه على العرب للقبول بالتعامل مع اللجنة الأنكلو أمريكية يقول عبد العزيز : “وأذكر لكم أمراً واقعاً وهو أن الوزير المفوض البريطاني في جدة زارني بعد انتهاء الحرب بمدة وجيزة ورجاني أن أبذل جهدي لدى العرب لالتزام الهدوء وأقنعني بأن هذا هو خير لمصلحتهم، فلم أدخر وسعاً في هذا السبيل إلى أن وصلنا إلى الموقف الذي نحن فيه .

ثم يشكو عبد العزيز للجنة وضعه فيقول : « لقد وقعت الآن في مشكل خطير أمام شعبي وجماعتي وأمام العرب والمسلمين فإذا كانت بريطانيا تريد أن تعدل عن الحق الواضح وأن تذهب مواعيدها أدراج الرياح فليس أمامي إلا أن أقول للمسلمين : دونكم نفسي، اقتلوني بأبي وأمي، وأنزلوني عن الملك لأني مستحق لذلك.. أنا الذي جنيت عليكم وثبطت عزمكم .

ويتابع عبد العزيز فيؤكد للجنة أن الحرب لو كانت بين العرب واليهود لما تأخر العرب دقيقة واحدة عن خوضها ولكن دفاع بريطانيا عن اليهود يجعل الحرب بين العرب وبريطانيا ، والعرب لا يحبون محاربة بريطانيا ، وأعتقد أن حكومة بريطانيا رشيدة عاقلة تدرك حقائق الأمور وتعلم أنه ليس من مصلحتها محاربة العرب أيضاً.