ألست بربكم: الحنين القديم في قلب الإنسان


بقلم : أ. سيدة حسن 

لماذا ظلّ الإنسان يبحث عن الله منذ بداية الخليقة؟

منذ اللحظة الأولى لوجود الإنسان على الأرض، كانت هناك أسئلة تسكن قلبه قبل عقله؛ أسئلة لا تتعلق بالطعام أو النجاة أو بناء المساكن، بل بشيء أعمق من ذلك بكثير، شيء يشبه الحنين القديم إلى معنى لا يراه الإنسان بعينيه، لكنه يشعر به في أعماقه.

ولهذا ظل الإنسان يرفع بصره إلى السماء في أوقات الخوف والوحدة والعجز، وفي لحظات التأمل الطويلة أمام هذا الكون الفسيح. كان يبحث عن إجابة للسؤال الأكبر: من أين جئت؟ ولماذا أنا هنا؟ وإلى أين أمضي؟

فالإنسان لم يُخلق جسدًا فقط، بل جعل الله فيه روحًا، والروح بطبيعتها تميل إلى البحث عمّن يحتويها ويهديها ويمنحها السكينة والطمأنينة. ولهذا لم يعرف التاريخ أمة بلا معبود، ولم تخلُ حضارة من صورة من صور التدين أو التقديس. اختلفت الأسماء والطرق، وتنوعت المعتقدات، لكن فكرة البحث عن قوة أعلى كانت حاضرة في وجدان البشر على مر العصور.

فمن الناس من عبد الشمس، ومنهم من عظّم النجوم، ومنهم من صنع الأصنام بيديه ثم وقف أمامها خاشعًا. ورغم انحراف الطريق أحيانًا، فإن أصل الرحلة ظل واحدًا: رحلة البحث عن الإله.

ولم يكن الإنسان يبحث عن قوة يخشاها فحسب، بل كان يبحث عن المعنى والعدل والأمان والرحمة، وعن تفسير لهذا الوجود المليء بالأسرار. وربما لهذا السبب يشعر كثير من الناس بوحشة خفية مهما امتلكوا من أسباب الدنيا؛ فقد يجتمع لهم المال والنجاح والشهرة والناس، ثم يكتشفون أن في داخلهم فراغًا لا تملؤه الأشياء.

ذلك لأن القلب خُلق لغاية أعظم من المادة، ولأن الروح لا تشبع بما تشبع به الأجساد. ولعل من أعمق ما يفسر هذا الشوق الدائم إلى الله ما أخبرنا به القرآن عن ذلك العهد الأول الذي أشهد الله فيه الأرواح على ربوبيته، فكأن القلب لا يزال يحمل أثر تلك الشهادة القديمة وإن غطّتها مشاغل الدنيا وأثقال الحياة.

ومن هنا جاءت رسالة الأنبياء عليهم السلام؛ لم يأتوا ليزرعوا في الإنسان فكرة الإيمان لأول مرة، بل ليعيدوا الفطرة إلى أصلها بعد أن شوّهتها الأهواء والضلالات. جاءوا ليذكّروا الإنسان بأن هذا الحنين الذي يسكن قلبه ليس وهمًا، وأن هذا الشعور الدائم بالبحث ليس عبثًا، وأن وراء هذا الكون ربًا رحيمًا يسمع ويرى ويهدي.

ولهذا، كلما ضاقت الدنيا بالإنسان، عاد قلبه تلقائيًا إلى السماء، وإن حاول الهروب طويلًا.

ففي أعماق كل روح حنين قديم لا يخبو، وشوق خفيّ إلى الحقيقة التي خُلقت من أجلها. رحلة تبدأ بسؤال، وتتعثر بين الحيرة واليقين، ثم تمضي باحثة عن النور حتى تهتدي إلى رب العالمين.

لكن هل هذا الحنين الذي يسكن الإنسان مجرد شعور نفسي عابر؟ أم أنه أثرٌ لعهد قديم سبق الحياة الدنيا؟ وهل عرفت الأرواح ربها قبل أن تنزل إلى الأرض؟

هذا ما سنحاول اكتشافه في الرحلة القادمة…