أرض لا تعرف القبور

المقال الثلاثون من سلسلة رواية (قرن الشيطان)

للكاتب / محمد نجيب نبهان

كاتب وباحث وناقد فني وتاريخي

 لم يكن في موت محمد بن عبد الوهاب شيء من الهيبة التي رافقت خطبه الأولى. لم يكن حوله فقهاء، ولا تلامذة، ولا حتى أبناء يحملون رأسه إذا مالت، أو يقرأون عليه شيئًا من كتاب الله كما تفعل العامة عند المحتضرين.

بل لم يكن هناك سوى خادمٍ عجوزٍ كان ينظف الحمام العمومي ذاك اليوم، حين سمع تهاوي جسد في الحجرة الضيقة، وخبطًا ثم سكونًا، ثم برودةً سرعان ما زحفت على البلاط.

سقط الرجل الذي ملأ الجزيرة جزعًا ورعبًا. مات حيث لم يتوقع أحد أن يموت: في الحمام، وحيدًا، عاريًا من كل سلطة، من كل رداء ديني، من كل عظمةٍ صنعها بنفسه.

وما إن شاع الخبر في الزلفي حتى تنفس خصومه الصعداء بصمت، أما محبوه، فقد حاولوا أن يصوغوا الحكاية بغير ذلك:

“لقد اختار الله له خاتمة تطهِّره من أدران الدنيا. مات كما يولد الإنسان، بلا شيء.”

لكن من عاشوا معه عرفوا الحقيقة، وخافوا قولها.

في اليوم التالي، لم تقم عليه صلاة جامعة، ولا حُمل جثمانه على أكتاف الناس كما يُفعل بعظماء العلماء.

كان ابنُهُ عبد الله قد أرسل أربعة رجال لدفنه في مكانٍ غير معلوم، تنفيذًا لوصيته:

“لا تجعلوا على قبري شيئًا، لا شاهدة ولا قبة، ولا تخبروا أحدًا بمكانه، فالفتنة أعظم من أن تُعاد من التراب.”

وقيل إنهم دفنوه في حديقة مهجورة خلف سوق التمور، بينما قال آخرون إنه دفن في أطراف مقبرة منسية، لا يعرفها إلا اثنان، وكلاهما ماتا لاحقًا في ظروف غامضة.

كان كأن الشيخ أراد أن يُمحى.

لكن من يُمحى إذا كانت دعوته قد تحوّلت إلى سلالة من لهب؟

في المجالس العلمية التي بقيت بعد موته، لم يكن الحزن على الرجل، بل على الصراعات التي تركها وراءه.

قال أحد طلابه:

“ما كنا نعلم أن الشيخ كان يقودنا إلى فوهة بركان. لم نكن نعلم أن كلماته ستمزق الناس أكثر مما توحدهم.”

وفي مجلسٍ آخر قال أحد مشايخ المدينة:

“لقد كان الإمام ابن عبد الوهاب أذكى من أن يموت شهيدًا، وأعجز من أن يموت بطلًا. مات كما مات المتعبون، الذين عجزوا عن لجم الحريق الذي أشعلوه.”

في الجزيرة، كانت الدولة السعودية الأولى قد أخذت ما أخذته من دعوته، ثم بدأت تتجاوز حتى مبادئه الأولى.

في ظل آل سعود، لم يعد “الشيخ” مرجعًا فحسب، بل صار مذهبًا يُستدعى لتبرير كل قتل، وكل إقصاء، وكل فتوى تحرّض على المختلف.

“الوهابية” تحوّلت من مشروع إصلاحي إلى دين سياسي مسلح.

كان الناس يقولون:

“لقد كانت دعوته تقول: لا طاعة لمشرك… ثم صارت تعني: لا بقاء لغيرنا.”

وقيل إن ابنه عبد الله كان يُمسك بكتاب والده، ويضرب به المنبر قائلًا:

“هذا دين الله، ومن خالفه فهو مرتد!”

وحين اقتُحم أحد المساجد القديمة في المدينة لكونه على الطراز الحنفي، وكان فيه قبر مَرمري قديم لشخصية من القرن السابع الهجري، كُسر القبر، ونُبش، وسُحبت العظام على مرأى الناس.

قال أحد الشيوخ الجدد بصوت مرتعش:

“ما هكذا كان الشيخ… ما هكذا.”

لكن الصوت غرق في التصفيق والهتاف:

“الله أكبر! التوحيد ينتصر!”

في أطراف البصرة، كان أحد التجار العائدين من الحج يبكي في السوق، قال له الناس:

“ما يبكيك يا حاج؟”

قال: “رأيت هناك ناسًا لا يعرفون الرحمة. حجرتهم قاسية، وفتاواهم كالسكاكين. قتلوا رجلاً لأنه قال آمين بصوت، وضربوا امرأة لأنها زارت قبر أمها… وسألوني: ألستَ موحدًا؟ وكأن الله لا يعرف قلب عبدٍ إلا بعد أن يسأله تلميذ الشيخ…”

ومات محمد بن عبد الوهاب، فظن خصومه أن السردية انتهت.

لكن القصة بدأت للتو.

بدأت بالأسطر التي كتبها بخط يده:

“إن التوحيد هو ما بعث الله به الأنبياء، وهو أول واجب على العبد، ولا يكون العبد مسلمًا حتى يعرفه ويعمل به ويترك الشرك…”

ومن هذه الكلمات، خرج السيف.

السيف الذي لم يَعرف حين يضرب، أهو يقطع حطب الجاهلية، أم أعناق المسلمين؟

كان عبد العزيز بن سعود حينها في أوج سلطته، وكان يعرف أن موت محمد بن عبد الوهاب لا يعني شيئًا سياسيًا.

قال لمقربيه:

“لقد كان رجلاً عظيمًا، لكنه لم يكن الدولة. الدولة نحن… والشيخ ما هو إلا عمود من أعمدتها.”

ابتسم ثم أضاف:

“لكن عمود النار لا يُدفن، هو يحترق، ثم يُورّث.”

في الخفاء، سُمعت كلمات تقول:

“إن الدعوة التي قتلته… هي التي ستحكم باسمه.

وإن الذين رفعوه حين كان محتاجًا… هم من أسقطوه حين صار عبئًا.

وإن التاريخ سيذكره كخيط طويل من النار… لا يعرف الناس أكان دفئًا أم حريقًا.”

فأين تذهب الأفكار حين يموت أصحابها؟

هل تموت معهم؟

أم تتحول إلى أشباح تتلبس الزمن… وتعيد رسم الخرائط بدمٍ جديد؟

 الذين لم يموتوا :

عندما مات محمد بن عبد الوهاب، لم تمت دعوته، بل كأن موته حررها من ظله. تحولت الفكرة إلى كائنٍ متوحش يمشي وحده، يختار شكله، ويُعيد كتابة وصاياه كيفما يشاء.

في السنوات الأولى بعد رحيله، كان أبناؤه وتلاميذه يختلفون في تفسير عباراته، لا كما يختلف الفقهاء، بل كما يختلف الجنود على غنائم ميتٍ لم يوصِ بشيء.

عبد الله بن محمد، أكبر أبنائه وأكثرهم تشددًا، أمسك براية أبيه وركض بها نحو السيف. قال في أول خطبة بعد وفاة والده:

“لقد مضى الشيخ إلى ربّه، ولكن دين الله باقٍ. ومن رأى في موته نهايةً، فقد ضل. إن هذا الدين لا يعرف التراجع، ولا يقبل التلوي، ومن تردد فيه، فقد ارتدّ.”

وفي تلك الخطبة، ارتعد بعض الحضور، لا من قوة الخطاب، بل من القسوة التي بدأت تظهر فيه. لم تكن دعوة توحيد خالصة كما عهدوها في بداياتها، بل بدأت تتحول إلى دعوة إقصاء ديني مطلق.

في بلدة “العُيينة”، حيث كان الشيخ محمد قد بدأ دعوته، بدأت حكاية جديدة تُكتب.

جاء مبعوث من الدرعية يطالب بإزالة قبورٍ قديمة من المقبرة القديمة، بحجة أن الشيخ قال ذلك في إحدى رسائله.

وقف رجل طاعن في السن أمام العمال قائلاً:

“هنا دُفن أبي، وجدّي، وأبيك يا عبد الله. هل صار أبي شركيًا؟”

رد عليه القائد الشاب ببرود:

“ما نُحاسب به الأموات، نحاسب به الأحياء.”

وفي ليلة واحدة، سُوّيت قبور القرية جميعها، وتحوّل المكان إلى أرضٍ عارية من الذكرى… لا شيء فيها يُذكّر بالموت، ولا بالحياة.

أما في الحجاز، فقد كان صدى موت الشيخ مختلفًا.

قال أحد علماء مكة:

“مات الرجل، ولم تمت فتنته. كان في حياته جدليًا، وأما بعد موته، فقد صار رمزًا، والرموز لا تُناقش، بل تُعبد.”

هنا تخلّت الدعوة عن عباءتها الزاهدة، وصارت درعًا سياسية.

صار اسم “محمد بن عبد الوهاب” يُستعمل في الصفقات، في الخطابات، في عقود الولاء، في الرسائل التي تُرسل للعثمانيين والتي تُخفى عنهم.

صار الاسم سيفًا، لا فكرًا.

كان هناك رجل يُدعى “سليمان بن عبد الوهاب”، الأخ الأكبر للشيخ محمد، وقد عارضه طيلة حياته.

بعد موت الشيخ، كتب في إحدى رسائله:

“لقد مات أخي، ولكني أخاف على دين الله مما بقي من دعوته أكثر مما كنت أخافها في حياته. لقد تحول التوحيد إلى سيفٍ بلا مقبض، يحمله من يشاء ليضرب من يشاء.”

لكنه طُرِد لاحقًا من داره، وصودرت كتبه، وقيل عنه إنه خرف في آخر أيامه.

في بغداد، في دمشق، في القاهرة، بدأ العلماء يردون على الوهابية بعد موت مؤسسها لا قبل ذلك.

ربما لأن هيبة الشيخ، وشخصيته النارية، كانت تمنعهم من الخوض في حرب فكرية مفتوحة.

أما الآن، فكلٌ استل قلمه.

وظهرت كتب:

“الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدعة المفترقة”

“الرد القويم على الفرقة الوهابية اللئيم”

“جمال الإسلام في التوسل بالأئمة الكرام”

لم تكن ردودًا علمية فحسب، بل كانت معارك شرسة، لا ترحم، فيها الشتيمة، وفيها الاجتثاث، وفيها القلق من أن تكون هذه الدعوة قد فتحت بابًا لن يغلق.

وفي وسط الجزيرة، في الدرعية تحديدًا، كان “سعود بن عبد العزيز” قد بدأ يستثمر في كل رمزية خلفها محمد بن عبد الوهاب.

تحوّلت كتبه إلى مناهج تعليم، وخطبه إلى شعارات دولة، وأقواله إلى قرارات حكم.

وصار السؤال المطروح في المجالس:

“هل الدولة هي الدعوة، أم الدعوة هي الدولة؟”

فأجاب فقيه من تلامذة الشيخ:

“لقد خُلط الزيت بالنار، ومن يظن أنه قادر على فصلهما… يحترق.”

مرت عشر سنوات بعد موته، ولم يضعف الاسم، بل ازداد لمعانًا.

لكن غريبًا أن كل من كان يعرف الشيخ عن قرب، كان يتهرّب من الحديث عنه.

كانوا يقولون:

“دعونا لا ننبش في الماضي. الدعوة الآن أكبر من المؤسس.”

وهكذا، صار محمد بن عبد الوهاب مجرد صورة على جدار، وفتوى على كتاب، واسم يُذكر لتبرير كل شيء.

وفي بعض الليالي، كانت تُروى حكاية:

ـ “أن رجلاً جاء في المنام إلى أحد الصالحين، وقال له: رأيت الشيخ في نومي، لا في قصرٍ ولا في نور، بل واقفًا عند بابٍ مظلم، يسأله حارس: لمن كانت هذه الفتن التي اشتعلت من كلماتك؟ فلم يُجب.”

كان بعضهم يضحك، وبعضهم يبكي، وبعضهم يقول: “الرؤى ليست حجة.”

لكن الجميع كانوا يعرفون:

أن الدعوة ما زالت حيّة،

وأن المؤسس صار، رغمًا عنه،

مجرد رماد… يحمل لهيبًا لم ينطفئ بعد.