كرة القدم بين الشغف والملهاة: حين تغيب الصلاة وتضيع الأولويات

بقلم الأديب والمؤرخ : أ . سيد الرشيدي

لم تكن الرياضة يوماً عداءً للفطرة الإنسانية، ولا كان البنيان الجسدي السليم إلا مطلباً دعت إليه الشرائع وحثّت عليه المروءة. فالإسلام في جوهره يبارك القوة ويريد للمؤمن أن يكون قوياً في بدنه، عزيزاً في نفسه. لكن الأزمة الحقيقية تبدأ حين تتحول “الوسيلة” إلى “غاية”، وحين ينقلب الترويح عن النفس إلى حالة من “الهوس والجنون” تلتهم وعي الأمة وتُضيع معالم هويتها.

الملهاة الكبرى وغياب الوعي
إن ما نشهده اليوم في شوارعنا ومياديننا لم يعد مجرد تشجيع لرياضة أو إعجاب بلعبة؛ بل تحول إلى ما يمكن تسميته “الملهاة الكبرى”. تكتظ المقاهي والشوارع بآلاف الشباب والرجال، تتجمد الأبصار أمام الشاشات، وتخفق القلوب مع كل ركلة كرة، في مشهد غريب تتوارى فيه أهم قضايا الأمة خلف “كرة جلدية” منفوخة بالهواء.
والمفارقة المؤلمة تظهر جليّة حين يرتفع صوت الحق من فوق المآذن مخترقاً سكون الليل: “الصلاة خير من النوم.. الصلاة خير من اللعب”، فلا تجد لتلك الألوف الحاشدة حراكاً! يؤذن المؤذن لصلاة الفجر، والقلوب معلّقة بالمستطيل الأخضر، والوجوه شاخصة نحو المرمى، بينما بيوت الله تشتكي قلة الساجدين.
“الكرة لا تبني الأمم، ولا تهذب النفس، ولا تشبع الروح، وليست هدفاً لأمة ترنو إلى المجد.”
-الدكتور مصطفى محمود

لقد أصاب الراحل د. مصطفى محمود كبد الحقيقة؛ فالأمم لا تُبنى بانتصارات الملاعب، والحضارات لا تشاد بأقدام اللاعبين، وإنما تُبنى الحضارة بالعلم، والعمل، والإنتاج، وقبل ذلك كله: بالاتصال بالمنهج الإلهي والالتزام بفرائضه.

ضياع الصلاة وحتمية التراجع
كيف نرجو تقوماً لأمة ضيّعت عمود دينها؟ وكيف نطلب نصراً ورقياً ونحن نُقدّم ساعة لهوٍ على دقيقة سجود؟ إن السنن الكونية والشرعية لا تجامل أحداً، وضياع حق الله هو أول عتبات السقوط والتأخر.

يقول الله سبحانه وتعالى في محكم التنزيل مُحذراً من إهمال الصلاة واتباع الشهوات والملهيات:

{فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} مريم: 59.

والغيّ هو الضلال والخسران والدمار الذي نراه متمثلاً في تراجعنا الحضاري والمعرفي.

وفي المقابل، جعل الله الاستجابة لأمره وذكره سبباً للتمكين، فقال تعالى:
{الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} الحج: 41.

-قال رسول الله ﷺ: «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ» (رواه مسلم). فإذا تهاون الشباب والرجال في هذا العهد الوثيق من أجل تسلية عابرة، فماذا بقي للأمة من مقومات بقائها وعزها؟
ميزان الحق: الرياضة مكانها لا مَكانتها

لسنا ممن يحرمون المباح، ولا نعيب على من يتابع أو يشجع في حدود العقل والأدب والترويح المشروع. فالرياضة في أصلها مقبولة بل ومطلوبة لتهذيب الأبدان والأخلاق.

لكن الإنكار الواجب هو على هذا “الهوس” الذي جعل اللعبة ديناً يُعبد، وقبلة تُقصد!

مكانة الصلاة: يجب أن تظل الصلاة هي الخط الأحمر الذي تتوقف عنده كل حركات الحياة وسكناتها.

بناء الأمة: يجب أن يدرك الجيل الحالي أن أمجاد الأمم تُكتب في مختبرات العلم، ومصانع الإنتاج، وميادين الفكر، وصفحات الكتب، لا في شاشات المباريات.

دعونا نمارس الرياضة ونشجعها، ولكن كـ “وسيلة” ثانوية للمتعة والنشاط، ولا نقدمها أبداً على حق الله، حتى لا نكون أمة يلهيها اللعب بينما العالم من حولها يبني ويزدهر.