سراب الأوهام

بقلم فضيلة الشيخ : أبو بكر الجندى
إمام وخطيب بوزارة الأوقاف

دخل الطاعون (كورونا) بلدة، فلقيه رجل، فقال له: إلى أين تذهب؟ قال الطاعون لهذه البلدة، فقال الرجل هل ستقتل منها أحدًا؟ فقال الطاعون وهل أدخل مكانا إلا القتل، فقال الرجل: فكم ستقتل؟ قال الطاعون عشرة ألاف، فدخل الطاعون وقُتل خمسون ألفا، ثم خرج من البلدة، فقابله نفس الرجل وقال له معاتبًا: ألم تقل أيها الطاعون أنك ستقتل عشرة ألاف؟ فلم قتلت خمسين ألفا؟ فقال الطاعون: صدقتُ في قولي، فما قتلت إلا عشرة ألاف، وأربعون ألفا قتلهم الوهم.

فالوهم قد يُمرض الواهم ويُتعبه.

الوهم قد يُحزن الإنسان ويُغْضبه.
الوهم قد يميت الإنسان ويقتله.
الوهم قد يسجن الإنسان ويحبسه.

الوهم قد يكون سببًا في شقاء الإنسان وتعاسته، حينما يتوهم الإنسان أن السعادة في شرب المخدرات وتعاطي المسكرات، حتى بعد إفاقته من السُكر ومن الوهم يكون قد أدمن المخدر، واختلط بلحمه ودمه، ويصعب عليه حينئذٍ أن يتخلص منه.

الوهم قد يكون سببًا في خراب البيوت وتدمير العائلات، حينما تتسرب أوهام الخيانة بين الزوجين؛ فيقع الطلاق ويتحقق الغرض الشيطاني من الفراق بالتهم الموهومة أو الغيرة المفرطة.

الوهم كان سببًا في إخراج آدم عليه السلام من الجنة، حينما توهم أنها شجرة الخلد وملك لا يبلي.


الوهم كان سببًا في طرد إبليس من الجنة، حينما توهم لنفسه الأفضلية وقال مستكبرًا: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ}[الأعراف: 12]، وعن مصيره ومصير الواهمين السائرين خلف خيالاتهم دون تثبت أو تحقق، يقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [النور: 39].


الوهم كان سببًا في غرق ابن نوحٍ حينما توهم النجاة بنفسه وقال لأبيه: {سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ}[هود: 43].


الوهم قد يكون سببًا في رسوب الطالب وفشله، حينما يتوهم أنه ليس أهلًا للنجاح، ويستخف بنفسه وإمكانياته، ويستقل بقدراته، فالوهم يقيده ويربطه ويعيقه، وهنا قصة أخرى مفادها:

طَلَبَ رجلٌ فلاح من جاره حبلاً لربط حماره، فلم يجد عنده حبلًا، فتظاهر الرجل بحركات وهمية أمام الحمار أنه يربطه، ونجحت حيلته؛ واستوطن الحمار مكانه دون أن يتحرك، حتى نادى على حماره صباحًا فلم يتحرك أيضًا، حتى تظاهر أمامه بفك الحبل ليتحرك؛ فتحرك، وتضرب هذه الحكاية مثلاً للقناعات الوهمية، أو المخاوف التي تقيد الإنسان وتمنعه من التقدم، والتي تشبه “الحبل الخفي” الذي يلتف حول العقول.

وعلاج الأوهام والوساوس يكمن في:

ـ صدق اللجوء إلى الله تعالى والاستعاذة به من الأوهام ومن الوسواس الخناس.
ـ التحري والتثبت والتحقق للوصول إلى الخبر اليقين أو على الأقل الظن الراجح في أمور الحياة.
ـ بعض الأوهام التي غلبت على الإنسان تحتاج إلى استشارة دكتور نفساني، أو طبيب روحاني.
ـ بعض الأوهام تحتاج إلى التفكير بصوت عالٍ؛ حتى تستقيم أفكار الإنسان، وتسير خواطره وفق ميزان عقلي سليم.
ـ بعض الأوهام تحتاج إلى فضفضة مع أخٍ ناصٍ وطول حديثٍ مع صديق عاقل أمين؛ لدفع هذه الأوهام، وفض هذه الخواطر.