
بقلم الكاتب والباحث الدكتور: عبد الكريم فتاح أمين
وبحكم القرآن الكريم فالجنة المتزينة والممهدة أعدت لمن آمن بالله وبرسوله وبكل ما أنزله الله تعالى وباداء ما أوجب الله عليه من الصلوات الخمس المكتوبة والصيام والزكاة والحج والعمرة إن استطاع إليه سبيلا ، ولا تنس المندوبات والمسننونات من كل ما ذكرنا للشعائر ، ويوصف آنذاك بالمسلم ولكن هذا المسلم إذا ازداد انخضاعه وامتثاله لأوامر الله تعالى واجنب نفسه وجوارحه عن المحرمات جميعها آنذاك يوصف بعناوين دقيقة وغزيرة من الصديقين والمتقين والاولياء والابرار وأهل الله تعالى.
ولهذه الحقيقة ندخل في موضوع التقوى، ومن اتقى وأصلح وعفى يحصل له آنذاك إسم خاص ( المتقي) نعم المتقي يشتغل بأداء مجموعة من الأعمال الثمينة لا يؤديها العوام كما قال سبحانه: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) آل عمران
فالجدير بالبحث إن التقوى عبارة عن الأعمال المتنوعة عنصرا وليس محصورا في نوع واحد، ومن منظور الآية الآتية فالمتقي عبارة عن ثلاث صفات كما قال سبحانه وتعالى:
﴿ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134)آل عمران.
ولكي نفهم من ذلك الموضوع بوجه سريع نذكر تلك الانواع في نقاط ثلاثة:
١- الإنفاق في السراء والضراء.
٢- كظم الغيظ.
٣- العفو عن الناس.
وللمعلوم كل هذه الصفات الثلاثة توجب على كل من يريد أن يكون متقيا ومؤمنا كما يريد منه مولاه جل وعلا ينبغي راعية حقوق غيره وإيثارهم على نفسه بالعطاء والمنحة وصرف الوجوه والعفو.
ولا بد أن نعلم أن الايثار يعني التضحية والافداء للفقراء والمساكين ولمن كان مدينا لك.
يقول واحد من أكابر النقشبندية رحمة الله عليهم: اللذة التي توجد في العفو والاعراض عن المجرم والمذنب لا توجد في الانتقام وشفاء الغيظ البتة.
أجل فالغيظ والسخط ينبعان في قلب إنسان سمع كلاما شينا مباشرة أو غير مباشرة من أحد أو تجاوز عليه وأكل حقوقه، وكل هذه المساوي والجرائم صادرة من إطلاق الألسن الجارحة، فالفرآن الكريم يطلب المجروح والمتجاوز عليه أن يعفو ويصفح.
ولكن فالاولى للمسلمين إمساك ألسنتهم عن تجريح ضمائر غيرهم وهجوهم بما يليق بهم كما قال سبحانه وتعالى:
﴿ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15)سورة النور.
فهذا العلاج اولي وأولى واحسن من علاج العفو والصفح. والسمح ، فالعفو ثانوي وتبعي بالنسبة إلى إمساك اللسان.
وبالبداهة فذكر الناس بما يكرهونه يضر بالمغتاب والمغتاب عنه من ثلاث نواح جسيمة:
الناحية الأولى: يدخل الغيظ والسخط والانكسار والانهيار لا إراديا ولا اختياريا في قلوب المغتاب عنه، ويشوه حاله وطبيعته إلى حالة لا طبيعية ، فهو البتة لا يجلس ولا يتوقف على هذا الموقف بسهولة بل يتفكر في الانتقام والهجو والهجوم وأخذ حقوقه إلا من غلب عليه دينه وخلقه الحسنة.
الناحية الثانية: تخرج محبة المغتاب تدريجياً عن قلوب من اغتابه ويصير لديهم إنسانا منبوذا ومطرودا ومردودا.
الناحية الثالثة: يكتب عند الله تعالى مذنبا، اي نوع ذنب من الذنوب ؟
نعم من نوع الكبيرة التي قد ذكرها كتاب الله تعالى في محكم كتابه العزيز:
﴿ وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ (12) سورة الحجرات.
فيا أخي واختي اللعزيزتين دعوني أن من هنا لطفيفتين:
اللطيفة الأولى: فغيبة اللامشروع ذكرت أولا بعد سوء الظن كما قال سبحانه:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ)
اللطيفة الثانية: ذكرت بعد التجسس كما رأيت الحقيقة من الآية الكريمة(وَلَا تَجَسَّسُوا﴾
ولذا أقول: تأتي الغيبة اللامشروع بهذين القبيحين اللمنبوذين مع نفسه.
ربما الرجل الذي ذكرته بسوء محسن من المحسنين وأنت ومن معك فقير من الفقراء، فهو في بعض الأحيان يتفكر في توقيف إحساناته وصدقاته، وإن الآية الآتية لا تؤيد ذلك قاطبة بل يجب أن لا تؤثر الحالة السيئة على مواقفه الطيبة والخيرية كما قال سبحانه:
﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (22) النور.
إن سيدنا أبا بكر الصديق رضي الله عنه أراد أن يوقف صدقاته عن قريب له المسمى ب( المسطح) لأنه واحد من الذين كانوا وراء الافك تجاه سيدتنا ام المؤمنين ( عائشة الصديقة) رضي الله عنها ولكن الله تعالى قد حضه وحثه على تقديم صدقاته كما عليه قبل.
فيا احبائي نذهب نحو نهاية الموضوع ونذكر نقطة تربط الموضوع:
فالمتقي الحقيقي أن يديم بمواقفه الحسنة والخيرية من الإنفاق والتصدق على غيره من الفقراء والمساكين وذوي الحاجة، والعفو والسمح تجاه المتجاوزين، وكظم الغيظ.
فالإنسان العاقل اللبيب المحسن لا يتغير من الخير إلى الشر ومن العفو إلى الانتقام قاطبة بل يؤدي شؤونه كما يريد منه مولاه الخالق جل وعلا ، وإلى تلك الحقيقة تشير الآية الآتية:
﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8) المائدة.
مجلة روح الاسلام فيض المعارف