إلى بيتِ اللهِ تشتاقُ الأرواح
26 مايو، 2026
منبر الدعاة

بقلم الشيخ : مصطفى أحمد مصطفى
عندما ننظر إلى حُجَّاج بيت الله الحرام، نرى في النفوس شيئًا يدفع القلوب إلى الشوق، وكأن الإنسان قد فقد جزءًا من حياته بعدم الذهاب إلى بيت الله والوقوف على جبل عرفات. إنَّ مشهد الحجيج يجعل القلب يحزن لعدم الزيارة، فزيارة البيت الحرام تُحدث تغييرًا جذريًّا في حياة الإنسان، وتجعله يستعيد نفسه من جديد. وقد وعد الله سبحانه وتعالى من حجَّ بيته فلم يرفث ولم يفسق أن يرجع كيوم ولدته أمه، مغفور الذنب نقيَّ الصحيفة.
ويقول الشاعر في الشوق لزيارة بيت الله الحرام :
يا راحلين إلى منىً بقيادي
هيَّجتمُ يومَ الرحيلِ فؤادي
سرتم وسارَ دليلكم يا وحشتي
والشوقُ أقلقني وصوتُ الحادي
أما الوقوف بعرفات، من بعد زوال الشمس إلى غروبها، فهو موقف تهفو إليه الأرواح وتشتاق إليه القلوب؛ لما فيه من نفحات الرحمة والمغفرة التي تتنزَّل على عباد الله. تلك النفحات التي لا يشقى بعدها عبد. ففي هذا اليوم العظيم يباهي الله بالحجيج ملائكته، ويقول: «انظروا إلى عبادي، جاءوني شعثًا غبرًا يرجون رحمتي ومغفرتي». وما إن يسمع المؤمن هذا الكلام حتى يتمنى لو ينتقل في لحظة إلى مكة المكرمة؛ ليقف بعرفات، ويطوف بالبيت العتيق، ويسعى بين الصفا والمروة، ويرمي الجمرات، ويحلق أو يقصر، ويذبح الهدي، ويؤدي سائر المناسك التي تتعلق بها القلوب وتشتاق إليها الأرواح.
إنَّ النية الصادقة في حج بيت الله الحرام عبادة عظيمة يؤجر عليها العبد، فكم من قلبٍ يتمنى أن يكون هذا العام بين الحجيج، يرفع يديه إلى السماء داعيًا باكيًا راجيًا رحمة الله. وعندما ننظر إلى الحجاج بملابس الإحرام البيضاء، تنهمر الدموع من أعين المشتاقين شوقًا إلى بيت الله، وحزنًا على عدم الذهاب هذا العام. لكن المؤمن يوقن أن الأمر كله بيد الله، وأنه إذا شاء سبحانه كتب له زيارة بيته الحرام والوقوف بعرفات.
ونسأل الله تعالى أن يرزقنا حج بيته الحرام، والوقوف بعرفات، والفوز بالمغفرة والرحمة، وأن يُلهم قلوبنا الصبر حتى يحين موعد الذهاب إلى بيته الكريم بمشيئته سبحانه.
يا راحلين إلى البيت العتيق لقد
سرتم جسومًا وسرنا نحن أرواحًا
فهذه العبادة العظيمة تستحق أن يبذل الإنسان من أجلها الغالي والنفيس؛ طمعًا في رضا الله، وفوزًا بالقرب منه، ونيلًا للمغفرة والرحمة.
يبقى الحج حلمًا يسكن القلوب المؤمنة، وغايةً تتطلع إليها الأرواح المشتاقة إلى رحمة الله ورضوانه. وما أعظمها من نعمة حين يكتب الله لعبده زيارة بيته الحرام والوقوف بعرفات. فنسأل الله أن يرزقنا جميعًا حجًّا مبرورًا، وسعيًا مشكورًا، وذنبًا مغفورًا.
ويقول الشاعر في زيارة جبل عرفات :
إلى عرفاتِ اللهِ يا خيرَ زائرٍ
عليكَ سلامُ اللهِ في عرفاتِ
وإنِّي وإنْ سبقتني الدموعُ أسًى
لأرجو من الرحمنِ خيرَ زيارةِ
فاللهم آمين يارب العالمين.