بقلم : د . مدحت علي وربي
الحمد لله المحمود بكل لِسان، المعبود في كل زمان، والصلاة والسلام علي سيد الأنام حبيبنا المصطفي عليه الصلاة والسلام .
هداية أولادك ليست شطارة منك ولا من زوجتك وإنما الهداية من الله تعالي ..
قال مالك بن أنس رحمه الله: “الأدب أدب الله لا أدب الآباء والأمهات والخير خير الله لا خير الآباء والأمهات”
وهي كلمة عظيمة فيها تسلية وذكرى؛ تسلية لكل من بذل من الصالحين جهودا في إصلاح ولده فلم يصلحوا، وذكرى لمن أكرمه الله بصلاح ذريته ألا ينظر إلى جهوده في تأديبهم فإنما هو محض نعمة الله عليه.
مهما بذل المربي من وسائل وجهود، فينبغي له أن لا يتكل عليها؛ لأن التوفيق الرباني أساس الهداية {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [القصص: 56] .
فلا تلوموا أحداً إذا رأيت أولاده على غير تربيته و لا صلاحه، ولا تسخر منه أو تنهره او تغتابه بحجة أنه قصّٓر في تربية أولاده .
فأبونا آدم عليه السلام لم يقصّر في تربية ولديه ، وبالرغم من ذلك قتل أحدهما الآخر .
قال الله تعالي : ( وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ ٱبۡنَيۡ ءَادَمَ بِٱلۡحَقِّ إِذۡ قَرَّبَا قُرۡبَانٗا فَتُقُبِّلَ مِنۡ أَحَدِهِمَا وَلَمۡ يُتَقَبَّلۡ مِنَ ٱلۡأٓخَرِ قَالَ لَأَقۡتُلَنَّكَۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِينَ ٢٧
وقد بذل نوح عليه السلام جهدًا عظيمًا متواصلا؛ ليس في دعوة ابنه فحسب، بل في دعوة قومه كلهم، {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا} [نوح:5-9]،
ومع كل هذه الجهود لم يكتب الله الهداية لابنه، فعلى المربي – مع بذل الأسباب – أن يتكل على الله ويلجأ إليه دائمًا وأبدًا، أن يصلح ذريته، وأن يهديهم إلى سواء السبيل. فسيدنا نوح عليه السلام لم يقصّر فى تربية أبنائه وبالرغم من ذلك مات أحدهم كافراً .
ففي هذا تسلية للخلق في فساد أبناءهم و إن كانوا صالحين،
سيدنا يعقوب عليه السلام لم يقصّر في تربية أبنائه الذين حقدوا على أخيهم يوسف عليه السلام وألقوه في غيابة الجب ليتخلصوا منه . .
إقال الله تعالي : ( إِذۡ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰٓ أَبِينَا مِنَّا وَنَحۡنُ عُصۡبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ ٨ ٱقۡتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ ٱطۡرَحُوهُ أَرۡضٗا يَخۡلُ لَكُمۡ وَجۡهُ أَبِيكُمۡ وَتَكُونُواْ مِنۢ بَعۡدِهِۦ قَوۡمٗا صَٰلِحِينَ ٩
فإذا رزقك الله بأبناء صالحين فإحمد الله واشكره كل يوم ، ولا داعى للافتخار بأنك أحسنت تربية أولادك وغيرك لم يحسن . .
فخير البشرية سيدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم رباه جده وعمه الكافران.
وفي النهاية مدحه ربّه بقوله
(وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ) فمن أين جاء الخلق العظيم ، إنه إعداد الله لمحمد صلّى الله عليه وسلّم ليكون خاتم الأنبياء والمرسلين .
(فلا تنسب هداية وأدب ابنك لنفسك)، وتنس أن هذا توفيق من الله سبحانه، وإذا فسد ولدك وقد بذلت جهدك فلا تجلد ذاتك ، لأن ابنك الذي بذلت جهدك ومالك وعمرك في تربيته مازال بعيداً عنك وعن الهداية.
ولكن (استمر و اجتهد في الدعاء له) والله يأتي بالهداية في الوقت الذي يريده سبحانه .
رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا
{رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} [إبراهيم: 40، 41].
{رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: 74].
مجلة روح الاسلام فيض المعارف