الكبرُ داءٌ من أشرسِ الأمراض الاجتماعية

بقلم الشيخ : جمال عبد الحميد ابراهيم

عضو لجنة صانعي السلام والمنظمة العالمية لخريجي الأزهر

فالكبرُ داءٌ من أشرسِ الأمراض الاجتماعية، التي تقوض بنيان المجتمع، وتَمْحق الأُجُور والحسنات، وتنذر المستكبرين بالسقوط من عَيْن الله والناس؛ لذلك فَهُم في أمسِّ الحاجة إلى جرعاتٍ من الدواء الناجع، الذي يُذْهِب هذا الطاعون المهْلِك من نُفُوسهم، ولو كان مُرًّا، ويقودهم إلى بَرَكات التواضُع ولو قسْرًا، حتى يقيموا جُسُور الحب الصادق، والود الحقيقي مع خلق الله.

والكِبْر – كما قيل عنه -: رؤية النفس فوق الغَيْر في صفات الكمال، وهو عبارة عن شُعُور داخليٍّ، مخادعٍ لصاحبه، يملؤه بالاسْتعلاء على الناس، وبذرته في القلب؛ كما قال الله تعالى: ﴿ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ ﴾ [غافر: 56]، وأشمل ما عُرف به هو ما جاء في الحديث: ((بطر الحقِّ، وغَمْطُ الناس))[1]؛ أي: رفض الحق، واحتقار الخلق.


إن الكبر هو أول ذنبٍ عُصِيَ به الله تعالى في السماء، وذلك لَمَّا أمر الله تعالى الملائكة بالسجود لآدم فسجدوا، إلا إبليس أبى واستكبر؛ قال تعالى: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 34]، وقد كان قياسه فاسدًا لما أجاب ربه، بعد أن سألَه سبحانه عن سبب إبائِه: ﴿ قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ﴾ [ص: 75، 76]، فالمتكبرون يظنون – جَهْلاً – أنهم أفضل من الناس وأعز وأكرم، كما قاس الملعون إبليس؛ لظنِّه أن عنصر النار أشْرَف من الطين، فيدفعهم ذلك إلى ظن الرِّفعة والتميُّز، مرتكزين إلى نسب أو منصبٍ أو مالٍ، وذلك وهْمٌ كبيرٌ، فالأفضلية للدِّين والتقوى.

والله تعالى لا يحب العبد المتكبِّر: ﴿ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ ﴾ [النحل: 23]، ومن ثَمَّ لن تصيبَ أنوارُ الهدايةِ قلبَه؛ فيُحرمَ التوفيق: ﴿ سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾ [الأعراف: 146]، حتى يصل به الأمر إلى أن يختم الله تعالى على قلبه بخاتم ِالطردِ والإِبعادِ: ﴿ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ﴾ [غافر: 35].

والمتكبرون محرومون من دُخُول الجنة؛ ففي الحديث: ((لا يدخل الجنة مَن كان في قلبه مثقال ذرة من كِبْر))؛ رواه مسلم، بل إن الوعيد يسبقهم في آخرتهم بالإهانة والخزي والصَّغار، معاملة لهم بضدِّ قصدهم؛ فعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده – رضي الله تعالى عن الجميع -: أنَّ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: ((يُحشَر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذَّرِّ في صور الرجال، يغشاهم الذُّل من كلِّ مكان، يُساقون إلى سجن في جهنم، يسمى: بولس، تعلوهم نار الأنيار، يُسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال))؛ فأيُّ قدر أحقر من ذلك لمن يريد أن يعتبر؟!