الكدر قدَرُ الله في صفو الدينا ونعيمها؛ فأفراحها ولذائذها مشوبة بالنقص أو الترك؛ كي لا يرضى العباد بالدنيا، ويطمئنوا بها؛ ويصيروا إلى الآخرة خاسرين.
ومن لطف الله بعباده ورحمته أن جعل لهم عوضًا من كل فائت، وعزاءً من كل مفقودًا، وجبرًا من ناقص إذا هم فقهوا عِوَضَه الربانيَّ الكريم ، وجَرَتْ عادةُ الله التي لا تتبدل في خلقه أن من ترك شيئًا لله – عز وجل -، أو أخذ منه محبوبًا له واحتسب؛ عوّضه الله خيرًا مما ترك أو فقد.
وقصة سيدنا يوسف عليه السلام شاهدة، حين راودته امرأة العزيز، وغلقت الأبواب، وتزينت له بكل أسباب الفتنة، فوقف صادقًا مع الله وصرخ فيها صرخة العفة وقال: ﴿ مَعَاذَ اللّٰهِ ﴾ [يوسف: 23]، فنبي الله يوسف عليه الصلاة والسلام عُرِضَتْ عليه المغْريات في أرقى صوَرها، فاستعصم فعصمه الله، وترك ذلك لله عز وجل؛ لأنَّ الله جعله من المخلصين، وأُوذِيَ بسبب ذلك؛فاختار السجن على ما يدعونه إليه، فصبر واختار ما عند الله، فعوضه الله تعالى أحسن العوض، فملَّكه على خزائن الأرض، وعلمه تأويل الرؤيا، فنعم المُعْطِي، ونعم المُعْطَى، ونعمتِ العَطِيَّة. قال الله تعالى : ﴿ قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَاّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ (33) فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34) ﴾ [يوسف: 33: 34].
فكان الجزاء أن ألبسه الله لباس الطهر، ورفعه فوق نساء القصور، ترك شهوات الدنيا ورضى بالسجن، فعوضه الله حتى صار ملكًا يُؤتمن على خزائن الأرض.
فربّ فتاةٍ تركت التبرج لأجل الله، فكسيت بهيبة الحياء، وجملها الله بجمال العفاف.
ربّ موظفٍ ترك منصبًا فيه ظلم أو شبهات، ففتح الله له باب رزق لم يخطر له في بال.
فهل بعد هذا نأسف على ما تركناه لله؟! بل علينا أن نطمئنّ إذا صارعنا الهوى، وجاذبنا القلب نحو محبوبٍ يُغضب الله، ولنذكر أن العوض قادم من الكريم ، وأن الله لا يُخيب من أخلص له، ولا يُضيع من أقبل عليه.
فلا تلتفت إلى الوراء، ولا تتحسّر على ماضٍ هجرت فيه معصية أو شبهة أو شهوة، فإن من آثر رضا الله على رضا النفس، رزقه الله رضًا لا تعقبه حسرة.
يا من تركت شيئًا لله، لا تحزن، فإن الكريم قد وعد، ووعد الكريم لا يُخلف، قال الله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً (3) ﴾ [الطلاق: 2- 3]. فليكن قلبك مطمئنًا، فإن العوض قادم، والخير في الطريق إليك ، والفضل من الكريم لا ينقطع.
وكذلك كل طاعة لله، فيها ترك للشهوات، عوض الله فاعلها جزاءً حسنًا، كمن ترك طعامه وشرابه في الصوم، عوضه الله بجنة عرضها السماوات والأرض .
انظرواكيف عوض الله تعالي المهاجرين حين تركوا ديارهم وأموالهم، قال الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُالْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (41) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (42)﴾ [النحل: 41- 42].
قال الإمام ابن كثير (رحمه الله): «يخبر تعالى عن جزائه للمهاجرين في سبيله ابتغاء مرضاته، الذين فارقوا الدار والإِخوان والخلان رجاء ثواب الله وجزائه ، وقد فعل فوعدهم تعالى بالمجازاة الحسنة في الدنيا والآخرة، فقال: ﴿ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ﴾….تركوا مساكنهم وأموالهم فعوضهم الله خيرًا منها في الدنيا، فإن من ترك شيئًا لله عوضه الله بما هو خير له منه، و كذلك وقع، فإنهم مكن الله لهم في البلاد، وحكمهم على رقاب العباد، فصاروا أمراء حكامًا، وكل منهم للمتقين إمامًا، وأخبر أن ثوابه للمهاجرين في الدار الآخرة أعظم مما أعطاهم في الدنيا، فقال: ﴿ وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ ﴾ أي: مما أعطناهم في الدنيا “[ ابن كثير (4/ 572)].بل عوَّضهم الله تعالي بأن جعلهم قادة الدنيا، وحُكَّام الأرض وفتح عليهم خزائن كِسْرَى وقيصر، ومَكَّنهم من رقاب الملوك والجبابرة، هذا مع ما يرجى لهم من نعيم الآخرة، فشكروا، ولم يكفروا، وتواضعوا ولم يتكبروا، وحَكموا بالعدل بين الناس.قال الله تعالى: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [النور: 55].
وهذه قصص تؤكد هذا المعني الجميل(العوض قادم من الله تعالي):
القصة الأولي: كان عبد الله بن المبارك – رضي الله عنه – يحج عاماً ويغزو في سبيل الله عاماً آخر، وفي العام الذي أراد فيه الحج.. خرج ليلة ليودع أصحابه قبل سفره.. وفي الطريق وجد منظراً ارتعدت له أوصاله. واهتزت له أعصابه!!. وجد سيدة في الظلام تنحني على كومة أوساخ وتلتقط منها دجاجة ميتة.. تضعها تحت ذراعها.. وتنطلق في الخفاء.. فنادى عليها وقال لها: ماذا تفعلين يا أمة الله؟
فقالت له: يا عبد الله – اترك الخلق للخالق فلله تعالى في خلقه شؤون، فقال لها ابن المبارك: ناشدتك الله أن تخبريني بأمرك.. فقالت المرأة له: أما وقد أقسمت عليّ بالله.. فلأخبرنَّك: فأجابته دموعها قبل كلماتها : إن الله قد أحل لنا الميتة..أنا أرملة فقيرة وأم لأربع بنات غيب راعيهم الموت واشتدت بنا الحال ونفد مني المال وطرقت أبواب الناس فلم أجد للناس قلوبا رحيمة فخرجت ألتمس عشاء لبناتي اللاتي أحرق لهيب الجوع أكبادهن فرزقني الله هذه الميتة .. أفمجادلني أنت فيها؟
وهنا تفيض عينا ابن المبارك من الدمع وقال لها: خذي هذه الأمانة وأعطاها المال كله الذي كان ينوي به الحج.. وأخذتها أم اليتامى، ورجعت شاكرة إلى بناتها.
وعاد ابن المبارك إلى بيته،وفي قلبه بعض الحزن لأنه لن يستطيع الحج وزياره قبر النبي..
وخرج الحجاج من بلده فأدوا فريضة الحج، ثم عادوا، وكلهم شكر لعبد الله ابن المبارك على الخدمات التي قدمها لهم في الحج.
يقولون: رحمك الله يا ابن المبارك ما جلسنا مجلسا إلا أعطيتنا مما أعطاك الله من العلم ولا رأينا خيرا منك في تعبدك لربك في الحج هذا العام
فعجب ابن المبارك من قولهم، واحتار في أمره وأمرهم، فهو لم يفارق البلد، ولكنه لايريد أن يفصح عن سره ، وفي المنام يرى رجلا يشرق النور من وجهه يقول له: السلام عليك يا عبدالله ألست تدري من أنا؟ أنا محمد رسول الله أنا حبيبك في الدنيا وشفيعك في الآخرة جزاك الله عن أمتي خيرا لقد حرمت زياره قبري هذا العام فجئت لزيارتك أنا .. يا عبد الله بن المبارك، لقد أكرمك الله كما أكرمت أم اليتامى.. وسترك كما سترت اليتامى، إن الله – سبحانه وتعالى – خلق ملكاً على صورتك.. كان ينتقل مع أهل بلدتك في مناسك الحج.. وإن الله تعالى كتب لكل حاج ثواب حجة وكتب لك أنت ثواب سبعين حجة.
من ترك شيئا لله عوضه الله خيرًا منه
القصة الثانية : (قصة عقد اللؤلؤ):
ذكرها العلامة ابن رجب رحمه الله في كتابه : (ذيل طبقات الحنابلة (1/ 443-445، محققة).
القصة وقعت لأبي بكر محمد بن عبدالباقي بن محمد البزاز الأنصاري، قال: كنت مجاورًا بمكة حرسها الله تعالى، فأصابني يومًا من الأيام جوع شديد لم أجد شيئًا أدفع به عني الجوع، فوجدت كيسًا مشدودًا ، فأخذته وجئت به إلى بيتي، فحللته فوجدت فيه عقدًا من لؤلؤ لم أرَ مثله، فخرجت فإذا الشيخ ينادي عليه، ومعه خرقة فيها خمسمائة دينار وهو يقول: هذا لمن يرد علينا الكيس الذي فيه اللؤلؤ، فقلت: أنا محتاج، وأنا جائع، فآخذ هذا الذهب فأنتفع به، وأرد عليه الكيس، فقلت له: تعالَ إليَّ، فأخذته وجئت به إلى بيتي، فأعطاني علامة الكيس، وعلامة اللؤلؤ وعدده، والخيط الذي هو مشدود به، فأخرجته ودفعته إليه، فسلم إليَّ خمسمائة دينار، فما أخذتها، وقلت: يجب عليَّ أن أعيده إليك ولا آخذ له جزاء، فقال لي: لا بد أن تأخذ، وألح عليَّ كثيرًا، فلم أقبل ذلك منه، فتركني ومضى.
وأما ما كان مني، فإني خرجت من مكة وركبت البحر، فانكسر المركب وغرق الناس، وهلكت أموالهم، وسلِمت أنا على قطعة من خشب المركب، فبقيت مدةً في البحر لا أدري أين أذهب، فوصلت إلى جزيرة فيها قوم، فقعدت في بعض المساجد، فسمعوني أقرأ، فلم يبقَ في تلك الجزيرة أحد إلا جاء إليَّ وقال: علمني القرآن، فحصل لي من أولئك القوم شيء كثير من المال.
قال: ثم إني رأيت في ذلك المسجد أوراقًا من مصحف، فأخذتها أقرأ فيها.
فقالوا لي: تحسن تكتب؟
فقلت: نعم.
فقالوا: علمنا الخط، فجاؤوا بأولادهم من الصبيان والشباب، فكنت أعلمهم، فحصل لي أيضًا من ذلك شيء كثير.
فقالوا لي بعد ذلك: عندنا صبية يتيمة، ولها شيء من الدنيا نريد أن تتزوج بها، فامتنعت، فقالوا: لا بد، وألزموني، فأجبتهم إلى ذلك.
فلما زفُّوها إليَّ مددت عيني أنظر إليها، فوجدت ذلك العقد بعينه معلقًا في عنقها، فما كان لي حينئذٍ شغل إلا النظر إليه، فقالوا: يا شيخ، كسرت قلب هذه اليتيمة من نظرك إلى هذا العقد، ولم تنظر إليها، فقصصت عليهم قصة العقد، فصاحوا وصرخوا بالتهليل والتكبير، حتى بلغ إلى جميع أهل الجزيرة، فقلت: ما بكم؟ فقالوا: ذلك الشيخ الذي أخذ منك العقد أبو هذه الصبية، وكان يقول: ما وجدت في الدنيا مسلمًا كهذا الذي رد عليَّ هذا العقد، وكان يدعو ويقول: اللهم اجمع بيني وبينه حتى أزوجه بابنتي، والآن قد حصلت، فبقيت معها مدة ورُزقت منها بولدين منها … (شذرات الذهب في أخبار من ذهب 6/ 179-181، محققة).
القصة الثالثة حديثة :
طبيب معروف بالإيمان والإخلاص في علمه، و كان يتوق لزيارة البيت الحرام، قضى ثلاثين سنة من عمره (30) يدخر ويوفر ؛ حتى استطاع أن يجمع تكاليف الذهاب إلى الأرض المقدسة، وبينما وهو يستلم راتبه الشهري من قسم المحاسبة بالمستشفى
قابل والدة أحد مرضاه، فسلم عليها وسألها عن حال ابنها، ولكنها فاجأته بأنها جاءت اليوم لإخراجه من المستشفى حيث أنه بعد فقدان والده لوظيفته لن يستطيعا تحمل تكاليف العلاج الباهظة؛ فوقف الطبيب في حيرة من أمره، فهو بين نارين
1- حال الوالدة الذي قطع قلبه
2-وحال اشتياقه لبيت ربه،
وفي النهاية نظر إلى السماء مخاطبا ربه :” يا ربي إنك الأعلم بحالي، فكم من أيام طوال انقضت وأنا أجاهد أملا في بلوغي إلى فرصة لأحج واعتمر، ولكن هذه السيدة المسكينة وابنها المريض أحق مني بالمال”، فدفع المال إلى المختصين بالمستشفى وطلب منهم ألا يعلم أحد بما فعل حتى والدة مريضه، وقد كان المال يكفي العلاج ولمدة ستة أشهر مقبلة؛ وعندما استقر بمنزله بعد عمله، خلد إلى النوم ليستريح، وأول ما وضع رأسه فاضت عينيه بالدموع الغزيرة تحسرا على فقدان أمله المرتجى، فجاءته رؤيا بمنامه إذ رأى أهل السماء يهنئونه بالحج، فاستيقظ فرحا إذ بشره رب العباد برضاه عنه وعن ما فعله، ولكن الله هو الكريم، جاءت الرجل مكالمة تليفونية يبلغه فيها مديره بالمستشفى بأن الطبيب الخاص بصاحب المسشفيات التي يعملون فيها اعتذر عن عدم قدرته على الذهاب مع صاحب العمل إلى الحج بسبب زوجته الحامل التي قرب ميعاد وضعها، وأن مديره رشحه للذهاب بدلا عن الطبيب، وأنه يجب عليه أن ينجز في إتمام جميع استعداداته لأن الوقت قد أزف؛ فرح الرجل فرحا شديدا وحمد الله تعالي العليم بأحوال عباده، والمدبر لهم أمورهم أحسن تدبير؛ وأتم الله على عبده نعمته إذ ألقى بقلب صاحب العمل محبة الرجل، فجعله يحب مجالسته والحديث معه، وذات يوم أخبر الرجل رب عمله بقصة الوالدة العاجزة عن معالجة ابنها، وعن أبيه الذي فقد عمله؛ فقرر رب العمل أن يخصص قسما خاصا بالمستشفى لمساعدة المحتاجين، وأنه سيوظف والد الابن بإحدى شركاته، وبنهاية رحلة الحج أمر رب العمل بصرف مكافئة مجزية للرجل اعترافا بتأدية واجباته بكل إخلاص، كما عرض عليه أن يصبح مستشاره الخاص بكل شئون عمله إذ عبر له عن مدى احتياجه لشخصية مثله، هل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟!