عندما تنهار المعايير.. يختل ميزان المجتمع

بقلم: المؤرخ والأديب سيد الرشيدي

يجلس المرء في بعض المقاهي والأماكن العامة، فيتمنى لو أن غشاوة تُصيب عينيه لئلا يرى ما يدمي القلب ويخدش الحياء والذوق العام. تتلفت حولك، فلا تخطئ عينك ذلك المشهد الذي بات يتكرر بجرأة غير مسبوقة: امرأة تجلس بكامل زينتها، تنفث دخان أرجيلتها أو سيجارتها في الهواء، والأدهى والأمرّ حين تجدها تجلس برفقة زوجها أو خطيبها، يتبادلان الأدوار، ويتناوبان على “نفس الدخان” بابتسامات عريضة، وكأنهما يسطّران إنجازاً حضارياً!

في تلك اللحظة، يتسلل إليك شعور عارم بالاستياء والغربة، وتسأل نفسك مستنكراً: أين ذهبت أصول التربية؟ وأين اختبأت معايير الذوق العام والغيرة العربية الأصيلة؟

الذوق العام.. خط الدفاع الأول

إن الجلوس في مكان عام يفرض على المرء احترام المحيطين به، لكن ما نراه اليوم يُعد انتهاكاً صارخاً لـالذوق العام. فالذوق ليس مجرد مظهر خارجي، بل هو سلوك يراعي مشاعر الآخرين وفطرتهم السليمة.

عندما تحولت المقاهي إلى ساحات للمجاهرة بسلوكيات كانت إلى عهد قريب تُمارس خلف الأبواب المغلقة استيحاءً، سقطت هيبة الفضاء العام، وبات المشهد يبعث على الضيق والاشمئزاز لكل ذي طبع سليم.

“إن الذوق العام هو مرآة لرقي المجتمع، وحين يمتزج الدخان بقلة الحياء في حضور شريك العمر، فاعلم أن الموازين قد اختلت.”

التربية الحديثة ووهم التطور

حين نُشخّص هذه الظاهرة، نجد أنها نتاج خلل مركّب يتعلق بالأساس بـالمنظومة التربوية وغياب المرجعية الأخلاقية:

تراجع التربية الحازمة: إن تساهل الأسر في غرس قيم الحياء والوقار لدى الأبناء والبنات أفرز جيلاً يرى في التمرد على الأصول والمبادئ نوعاً من إثبات الذات.

انقلاب المفاهيم: لقد نجحت موجات التغريب في إقناع البعض بأن “السيجارة” أو “الأرجيلة” في يد المرأة هي رمز للتحرر ومواكبة العصر، بينما هي في الحقيقة تراجع أخلاقي وسلوكي.

تراجع المروءة والغيرة: التربية العربية الأصيلة تزرع في الرجل غيرة تحميه وتحمي حريمه من أن يكونوا محط أنظار عابثة في المقاهي. غياب هذه الغيرة من الزوج أو الخطيب هو مؤشر خطير على ذوبان الشخصية والهوية.

وقفة مع الذات

إن شعور الشرفاء بالاستياء في مثل هذه الأماكن هو دليل على أن الفطرة لا تزال حية تفلت من هذا التلوث السلوكي. إننا بحاجة اليوم، قبل أي وقت مضى، إلى ثورة في وعينا التربوي، تعيد للبيوت هيبتها، وللذوق العام اعتباره.

ليت أولئك الأزواج والشباب يدركون أن الرقي والتقدم يكونان بسمو الأخلاق والعلم والوعي، وليس بتقليد أعمى يحرق التربية والذوق في رماد الأرجيلة.