فضل العشر الأول من ذي الحجة أقبلت مواسم الخير ومضاعفة الأجور
25 مايو، 2026
منبر الدعاة

بقلم: محمد رجب أبو تليح الأزهري
عضو إدارة الفتوى وبحوث الدعوة بوزارة الأوقاف
تُعد العشر الأوائل من شهر ذي الحجة من أشرف أيام السنة عند الله تعالى، وموسماً إيمانياً تتنزل فيه الرحمات، وتتضاعف فيه الأجور، وتُفتح فيه أبواب التوبة والطاعة. فقد جمع الله في هذه الأيام شرف الزمان والمكان، حيث تتوجه فيها أفواج الحجيج إلى بيت الله الحرام، ويتسابق فيها المؤمنون في كل بقاع الأرض إلى مرضاته، اغتناماً لفضلٍ لا يعوضه زمان.
أولاً: الدليل من القرآن الكريم:
أشار القرآن الكريم إلى عظم هذه الأيام في مواضع متعددة، أعظمها قسم الله سبحانه بها، ولا يقسم الله إلا بعظيم، قال تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: 1-2].
وقد ذهب جمهور المفسرين كابن عباس، وابن كثير، والطبري، والقرطبي إلى أن المراد بهذه الليالي هو عشر ذي الحجة، لقول ابن عباس رضي الله عنهما: “هي عشر ذي الحجة”.
كما قال تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: 28]، وفسر الصحابة والتابعون “الأيام المعلومات” بأنها العشر الأول من ذي الحجة، وهي التي شرع فيها التكبير والذكر والنحر تقرباً إلى الله عز وجل.
ثانياً: الدليل من السنة النبوية الشريفة:
جاءت الأحاديث الصحيحة مؤكدةً هذا الفضل ومفصلةً له، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ». قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ». [رواه البخاري].
وحث النبي صلى الله عليه وسلم على صيام هذه الأيام، فعن بعض أزواجه صلى الله عليه وسلم قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر» [رواه أبو داود والنسائي].
كما خصّ يوم عرفة بفضل عظيم، فقال صلى الله عليه وسلم: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ». [رواه مسلم].
وأما يوم النحر ويوم القر (أول أيام التشريق) فقال فيهما: «أَعْظَمُ الأَيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ». [رواه أبو داود].
ثالثاً: أبرز الأعمال المستحبة في هذه العشر التي يستحب الإكثار منها:
1 – الإكثار من الذكر والتكبير: يسن التكبير المطلق من أول ذي الحجة إلى غروب شمس آخر أيام التشريق، والصيغة المشهورة: “الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد”.
2 – الصيام: يستحب صوم الأيام التسعة الأولى، مع التأكيد على فضل يوم عرفة، ويُحرم صيام يوم النحر (العاشر) وأيام التشريق لقوله ﷺ: «إنما هي أيام أكل وشرب وذكر لله».
3 – التوبة النصوح والإقلاع عن المعاصي: فهذه الأيام مواسم للرجوع إلى الله، ولا يقبل عمل بلا إخلاص وتوبة.
4 – الأضحية: لمن وسع الله عليه، اقتداءً بسنة سيدنا إبراهيم وسيدنا محمد عليهما الصلاة والسلام، وهي شعيرة أصلها تعظيم الله والتقرب والتشكر له على نعمه.
5 – الإكثار من النوافل: مثل الصلاة النافلة، وقراءة القرآن، والصدقة، وصلة الرحم، وبر الوالدين، والإحسان إلى الخلق، والدعاء خاصة يوم عرفة ويوم النحر.
6- الإكثار من ذكر الباقيات الصالحات ، تشبها بالحجيج في نسكهم، وهي قول: ( سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) .
وفي الختام نقول:
إن العشر الأوائل من ذي الحجة نعمة ربانية تتجدد كل عام، ومنحة إلهية لا يدرك قيمتها إلا من عاش بقلبه مع الله.
فحري بالمسلم أن يغتنمها قبل فوات الأوان، بأن يملأها بالطاعة والذكر، ويبتعد عن الغفلة واللهو، فإن من ضيع هذه الأيام فقد ضيع خيراً كثيراً.
نسأل الله أن يبلغنا هذه العشر، وأن يتقبل منا ومن المسلمين صالح الأعمال، وأن يعتق رقابنا من النار، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.