الحج برنامج رباني لإعادة ضبط إعدادات الروح

بقلم  : أ . چيهان بدر الشهيرة الواعظة بوزارة الأوقاف المصرية   (سما الشاطبي)

لا ريب أن الله سبحانه وتعالى يعلم أن الإنسان يصدأ من الداخل وأن قلبه مهما بدا حيًا تقتله العادة ببطء وأن الروح كلما انغمست طويلًا في صخب الحياة تراكم عليها غبار الدنيا حتى تكاد تنسى معناها الأول .

لذلك جعل الله في الزمن محطات رحمة متتابعة يعاد فيها تشكيل الإنسان من جديد فالصلوات الخمس ليست مجرد فرائض تؤدى ثم تنتهي وإنما نداءات متكررة لإيقاظ الروح من غفلتها يعود فيها الإنسان كل عدة ساعات إلى مركزه الأول إلى معنى العبودية والافتقار والسكون .

وكأن الصلاة توقف هذا الجري المتوحش للحياة لتذكر الإنسان أنه لم يخلق فقط من أجل اللهاث ثم تأتي الجمعة فتشبه غسلا أسبوعيا للروح يراجع الإنسان فيها نفسه ويحاول أن يرمم ما كسرته الأيام في داخله ويقف أمام خطابه الإيماني .

وكأنه يعيد ترتيب قلبه بعد أسبوع طويل من التشوش ثم يجيء رمضان وكأنه إعادة بناء كاملة للنفس يتغير فيه إيقاع الجسد وتخف ضوضاء الشهوة ويعلو صوت الروح فيشعر الإنسان بشيء من صفائه القديم وكأنه يعود بالتدريج إلى نسخته الأولى قبل أن تلوثه القسوة والاستهلاك وفرط الانشغال .

ثم تأتي الرحلة الكبرى الحج حيث يخرج الإنسان من تفاصيله الصغيرة ومن اسمه ومن طبقته ومن عاداته ومن كل الأقنعة التي صنعها المجتمع حوله ليقف مجردا بثياب تشبه الكفن .

وكأن الرحلة كلها تدريب عملي على العودة إلى الأصل الأول فالعبادات في حقيقتها ليست تكاليف جامدة وإنما مشروع إلهي دائم لإنقاذ الإنسان من التوحش الداخلي ومن قسوة الاعتياد ومن اغترابه عن نفسه وكلما أثقلته الدنيا أعاده الله بنفحة من نفحات الدهر وكأن الزمن في التصور الإسلامي ليس مجرد مرور للأيام وإنما برنامج رباني مستمر لإعادة ضبط إعدادات الروح .