قصة الشورى بين توقير الصحابة وافتراءات المغرضين
23 مايو، 2026
العلمانية وغزو بلاد العرب

سلسلة مقالات “الفتنة الكبرى وأثرها في الوعي الجمعي الإسلامي الجزء الرابع “
بقلم / د. بدر الفيومي
دكتوراه فى الفلسفة والفكر العربى والاسلامى المعاصر
لما حضر عمر رضي الله عنه الموت، لم يترك الأمر سدى، ولم يحوله إلى ميراث، ولم يفتحه على فراغ مجهول، بل جعله شورى في ستة من كبار الصحابة الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض. وهذا في ذاته يكشف عن رسوخ نهج الشورى في الوعي السياسي الإسلامي الأول، ويكشف كذلك عن مقدار التوقير الذي كان يحمله عمر لهذه الصفوة من الصحابة. فالمسألة لم تكن مجرد اختيار أسماء، بل كانت تعبيرًا عن وعي دقيق بمركز الثقة في الجماعة، وبأن الأمة لا يحفظها في هاتيك اللحظة إلا أن يرد الأمر إلى أهل السابقة والفضل والرأي.
وقد جرت الشورى على نحو معروف، وانتهت إلى اختيار عثمان رضي الله عنه بعد مشاورات واسعة أجراها عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه. والرواية الصحيحة في هذا الباب تكشف بوضوح أن العملية لم تكن حبكة مغلقة، ولا توزيعًا مسبقًا للأدوار، ولا مسرحًا لترهيب أو إقصاء، بل كانت اجتهادًا جماعيًا راعى الرأي العام في المدينة، وسأل المهاجرين والأنصار، ثم انتهى إلى ما غلب على الظن أنه الأصلح للأمة.
ومن هنا فإن اختزال هذه الشورى في صورة مؤامرة خفية هو من أظهر ما صنعه المتأولون والمغرضون. لكننا نجد – كما في كل هذه المواطن – أن الرواية الصحيحة الهادئة لم تعجب كثيرًا من المغرضين؛ لأنها لا تمنحهم مادة الإثارة التي يبحثون عنها. فعمدوا إلى روايات واهية، ومطولات مضخمة، صورت الشورى كما لو كانت ساحة ترهيب، ومؤامرة، وإقصاء. وهذا نهج قديم في العبث بالتاريخ؛ كلما كانت الرواية الصحيحة موجزة، رصينة، واضحة، استثقلها أصحاب الأهواء، ومالوا إلى الروايات الممتدة؛ لأن الامتداد يتيح لهم أن يزرعوا ما شاءوا من الإيحاءات، وأن يبثوا في ثنايا النص ما لا يثبت ولا يستقيم. والحق أن عليًا رضي الله عنه بايع عثمان، وأن كبار الصحابة قبلوا النتيجة، وأن البيعة انعقدت في أفق من الشرعية العامة.
ومن ثم فإن تصوير الأمر على أنه كسر لحق مزعوم، أو خيانة لواجب، أو عدوان على ترتيب إلهي خفي، هو من الكلام الذي نشأ في مراحل لاحقة، ثم عاد بعض المجترئين في الوقت المعيش يرددونه كأنه حقيقة تاريخية نهائية، مع أنه في حقيقته نتاج نسقية مذهبية لاحقة، لا ثمرة التحقيق الهادئ ولا الفهم المنصف.
النصر في عصر عثمان أثار الحقد اليهودي والمجوسي وغوغاء الناس
أما عثمان رضي الله عنه، فإن عهده كان من أكثر العهود تعرضًا للتشويه، مع أنه من جهة الفتوح، والعمران، والإدارة، يعد من أزهى عصور الخلافة الراشدة. ففي زمانه اتسعت رقعة الدولة اتساعًا كبيرًا، وتقدمت الفتوح في البر والبحر، وظهر الأسطول الإسلامي، ووقعت ذات الصواري، واتجهت الدولة إلى مزيد من الرسوخ المؤسسي والعمراني. غير أن كثيرًا من قادة الرأي في الأزمنة المتأخرة لم يقفوا عند هذه الحقائق، بل آثروا أن يختزلوا عهده كله في مقدمات الفتنة، وكأن السنوات المضيئة لا وزن لها إذا كان في آخر العهد اضطراب.
ولم تكن مناقب عثمان رضي الله عنه مقتصرة على الفتح العسكري، بل كان له أثر عظيم في جمع الأمة على المصحف الإمام، وهو من أعظم الأعمال التي حفظت للقرآن وحدته في القراءة والرسم، وسدت أبواب نزاع كان يمكن أن يتفاقم مع اتساع الأمصار واختلاف الألسنة. وهذا عمل لو جرى في حق غيره لملأت الدنيا ذكره، لكن الخصومة المذهبية، وحقد الحاقدين، وغوغائية بعض القراءات الحديثة، جعلت كثيرًا من الناس لا يرون من عهد عثمان إلا ما يلائم أهواءهم، ولا يلتفتون إلى حجم البناء الذي تحقق فيه.
وهنا نجد أن النصر نفسه قد يتحول، في أعين المغرضين، إلى سبب إضافي للحقد. فحين تقوى الدولة، ويتسع سلطانها، ويثبت نسقها، لا يسرّ ذلك من تربى على كراهية هذا التاريخ، أو من تشكل وعيه في بيئات لا تستطيع أن ترى في الصحابة إلا مادة للخصومة والتشكيك. ومن ثم راحت بعض السرديات تعمل على تقويض صورة عثمان، لا لأنه فشل، بل لأنه نجح، ولا لأنه أضعف الدولة، بل لأنه كان جزءًا من مرحلة عظيمة في قوة الدولة وتماسكها. ومن هنا نفهم كيف تصنع الأهواء تاريخًا موازيًا، لا يقرأ الوقائع كما كانت، بل كما يحب أن يراها.