النّفاق توأم الفساد والضلال وانحلال المجتمعات

بقلم الاستاذ الدكتور: نعيم شرف
العميد السابق لكلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر

يعرف النفاق في الاصطلاح بأنه الخداع الذي يتناقض فيه السلوك الظاهري مع الاعتقاد القلبي؛ وذلك بأن يظهر المنافق خلاف ما يبطنه من اعتقاد أو قول أو فعل، فإذا ما أظهر المنافق الإسلام، وأبطن الكفر فهذا هو النفاق الاعتقادي الأكبر، وجزاؤه -كما قال الله تعالى-: ﴿في الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ ومرادنا في هذه المقالة هو النفاق العَمَلِيّ الأصغر، الذي امتلأت به الدنيا في عصرنا الراهن، وهو من أقبَحِ المحرَّماتِ، وأخبَثِها، والنبي ﷺ قد أخبر بخصال المنافق، وأشعرنا بخطره، فقال: ” أربَعٌ مَن كُنَّ فيه كان مُنافِقًا خالِصًا، ومَن كانَت فيه خَصلةٌ منهنَّ كانَت فيه خَصلةٌ مِنَ النِّفاقِ حتَّى يَدَعَها: إذا اؤتُمِنَ خانَ، وإذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا عاهَدَ غَدَرَ، وإذا خاصَمَ فجَرَ.” صدق رسول الله ﷺ.

إن النفاق آفة اجتماعية تخريبية، ورذيلة أخلاقية خطيرة، وسلوك مشين شاذ، سيئ السمعة، ومرض عضال ينشر الكذب، والتملق، والزيف، ومختلف الرذائل، ويزعزع الثقة بين الناس، ويفتك بالقيم، ويفكك روابط المجتمعات، وينحدر بها نحو الهاوية.

ولقد اعتنى القرآنُ الكريم بذكر أوصاف المنافقين، وسلوكياتهم، وحذر منهم، واتخذ موقفا حازما وصارما بشأنهم، ومن المعلوم أن الآيات القرآنية قد تنزل في شيء قد حدث في زمن نزول القرآن الكريم على نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- أو الأزمان التي سبقته، بيد أن هذا النزول -وهو الأهم- لا يقتصر في الحقيقة على مجرد أصل الحدث أو السبب، وإنما ينبغي أن يعمم على كل ما كان في معناه من أمور متشابهة، ثم يأتي دورنا لنطبق ما ورد في كتاب الله تعالى من حكايات أو قصص على ما نراه صالحا لمعناها، ومما نزل في المنافقين قول الله عز وجل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ* يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ* فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ صدق الله العظيم.

لقد هاجر النبي محمد -صلى الله عليه وسلم -من مكة إلى المدينة وكان بها الأنصار من الأوس والخزرج وأسلم من أسلم منهم، وقَلَّ من أسلم من اليهود، ولم يكن إذ ذاك نفاق لأنه لم يكن للمسلمين بعد شوكة تُخاف، فلما كانت وقعة بدر العظمى، وأظهر الله بها كلمته، وجمع الله لرسوله محمد -صلى الله عليه وسلم – أمره في دار هجرته، وفشا في دور أهلها الإسلام، وجد النفاق في بعض يهود المدينة، وعلى رأسهم عبد الله بن أبي سلول، وأظهروا الدخول في الإسلام؛ حذار القتل أو السَّبْي من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، فكانوا إذا لقوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو أصحابه، قالوا لهم: إنا مؤمنون بالله وبرسوله وبالبعث، وإذا لقوا إخوانهم من اليهود وأهل الشرك والتكذيب بمحمد -صلى الله عليه وسلم -وبما جاء به، فخَلَوْا بهم قالوا: إنا معكم إنما نحن مستهزئون، فإياهم عنى جَلَّ ذكره بالآيات المذكورة

ولا يخفى عليكم أنه مازال في كل عصر منافقون يتسترون بالإسلام لاسيما في هذا الزمان الذي نعيش فيه، والذي طغى فيه المال على كل مبدأ واعتقاد، ولا داعي لذكر مجالس أهل النفاق، والتهليب، والتصفيق، والتهليل؛ ذلك لأنهم أهل الحظوة والاحترام الذين صعدوا لمناصبهم عن طريق النفاق والمجاملات، وليس على أساس من الكفاءة والقدرة على الفكر والإنتاج، إنهم يتنفسون الكذب، ويكذبون بصدق؛ كأنهم مطبوعين عليه، ويبالغون في المدح والثناء، ويتميزون بجمال اللفظ، وحلاوة الكلمة، وسجعها، باطنهم خبيث، وطَويّتِهم سيئة شريرة فاسدة، دنيئة، يتملقون، ويداهنون، ويتتبعون عَوْرات الناس، ومثالبهم، وزلاتهم، وعثراتهم، ويدورون بآرائهم حسبما مالت مصالحهم؛ ويرتدون الأقنعة أينما ولَّتْ وجوههم شطر تحقيق ما لا يستحقون، وحسبي أن أذكر فيهم قول الشاعر

أَباحوا كُلَّ مَحذورٍ حَرامٍ .. وَرَدّوهُ لِأَنفُسِهِم حَلالا

وَما اِنتَسَبوا إِلى الإِسلامِ إِلّا .. لِصَونِ دِمائِهِم أَن لا تُسالا

فَيَأتونَ المُنكَرَاتِ في نَشاطٍ .. وَيَأتونَ الصَلاةَ وَهُم كُسالى

هذا هو عين النفاق الذي يجب علينا مجابهته ومواجهته ومكافحته ومحاربته بشتى الطرق؛ ومنها أن تكون الأولوية لأهل الخبرة والجدارة والكفاءة والعلم والإتقان، وأن نربي أولادنا على الصدق والأمانة والموضوعية والشجاعة.. ولله الأمر من قبل ومن بعد، وحسبنا الله ونعم الوكيل!.