الطلاق ليس حربًا.. والأبناء ليسوا أدوات انتقام

بقلم الشيخ/ أحمد عبد الباقي محمد أحمد.
من علماء الأزهر الشريف والأوقاف


قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾

حين يتحول الخلاف بين الزوجين إلى جدار يحجب الأبناء عن آبائهم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الرحمة المهداة، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه إلى يوم الدين أما بعد..

فقد تداولت وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي خبرًا مؤلمًا لأبٍ حُرم من رؤية ابنه في أيام العيد، حتى اضطر إلى تسلق سلمٍ خشبي ليطل على طفله من نافذة المنزل، ليروي ظمأ الشوق الذي أضناه، ويقتنص لحظات يسيرة من رؤية فلذة كبده الذي حال النزاع بين الأبوين دونه.

ولئن كان الخبر في ظاهره حادثة فردية، فإنه في حقيقته جرس إنذار يدق أبواب الضمائر؛ ليكشف عن أزمة أخلاقية واجتماعية تتكرر في كثير من البيوت بعد الطلاق، حين يتحول الخلاف بين الزوجين إلى ساحة انتقام متبادل، ويصبح الأبناء وقودًا لمعركة لا ذنب لهم فيها.

وقد جاءت الشريعة الإسلامية بمنهج رفيع يعلو فوق نوازع الغضب والانتقام، ويرتقي بالإنسان إلى أفق الإحسان والفضل، فقال الله تعالى في سياق الحديث عن العلاقات الزوجية بعد وقوع الفراق:

﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: 237].
وهذه الآية الكريمة تعد من أعظم الآيات المؤسسة للأخلاق الإنسانية في أوقات النزاع؛ إذ لم يأمر الله تعالى بالعدل فحسب، وإنما دعا إلى مرتبة أعلى وأسمى، هي مرتبة الفضل والإحسان.

وقد وقف الإمام فخر الدين الرازي عند هذه الآية مبينًا أن الله سبحانه لم يكتف بإقامة الحقوق القانونية بين الناس، بل أرشدهم إلى المحافظة على مكارم الأخلاق التي تجعل العلاقات الإنسانية أرقى من مجرد الحسابات المادية والخصومات القضائية؛ كما ذكر الإمام القرطبي أن الآية دعوة إلى عدم نسيان العشرة السابقة، وما كان بين الزوجين من مودة ورحمة وإحسان.

إن الطلاق في الإسلام ليس إعلان حرب، ولا إذنًا بإسقاط الحقوق المعنوية، ولا تصريحًا بتحويل الأبناء إلى أدوات ضغط وانتقام. بل إن القرآن الكريم نفسه وضع القاعدة الذهبية التي تضبط السلوك بعد الفراق فقال سبحانه:
﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229].

وقال جل شأنه:
 ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: 231].
فإذا كان الإسلام ينهى عن الإضرار بالطرف الآخر بعد انتهاء العلاقة الزوجية، فإن النهي عن الإضرار بالأطفال أولى وأشد.

حق الطفل قبل حق الأب والأم

إن القضية هنا لا تتعلق بحق الأب في رؤية ابنه فحسب، وإنما تتعلق قبل ذلك بحق الطفل نفسه في أن يعيش متصلًا بأبيه وأمه معًا، وأن ينشأ في بيئة نفسية متوازنة لا يشعر فيها أنه جزء من صراع مستمر.

وقد أثبتت الدراسات النفسية الحديثة أن حرمان الطفل من أحد والديه أو استخدامه أداةً للانتقام الأسري يترك آثارًا عميقة على تكوينه النفسي والعاطفي والاجتماعي، وقد تمتد هذه الآثار إلى مراحل عمرية متقدمة.

ومن هنا فإن الشريعة الإسلامية حين قررت الحضانة والرعاية والزيارة لم تجعلها امتيازات شخصية يتصرف فيها أحد الأبوين كيف شاء، وإنما جعلتها حقوقًا مرتبطة بمصلحة الطفل أولًا وأخيرًا.

وقد قرر الفقهاء أن جميع الأحكام المتعلقة بالحضانة تدور مع مصلحة الصغير وجودًا وعدمًا، وأن المقصود الأعظم هو حفظ نفس الطفل واستقراره وتنشئته تنشئة سوية.

العيد ورسالة الرحمة

وتزداد مرارة المشهد حين يقع الحرمان في أيام العيد؛ فالعيد في الإسلام مناسبة لصلة الأرحام، وتجديد المودة، وإحياء معاني الرحمة والتسامح.

ولذلك كان من المؤلم أن يقضي طفل يوم العيد بعيدًا عن أحد والديه بسبب خلافات الكبار، وأن يقف أبٌ تحت نافذة منزله متشبثًا بسلم خشبي يبحث عن لحظة رؤية، في الوقت الذي كان ينبغي أن تكون فيه أيام العيد جسرًا للمودة لا ساحة للخصومة.

إن الشريعة التي أمرت بصلة الرحم، وبر الوالدين، والإحسان إلى الأبناء، لا يمكن أن ترضى بتحويل الأطفال إلى رهائن في معارك الانتقام العاطفي.

بناء الإنسان قبل كسب المعركة

ومن أخطر ما يواجه مجتمعاتنا اليوم أن بعض الناس ينشغل بكسب الجولة القضائية أو الاجتماعية وينسى بناء الإنسان.

إن الطفل الذي يشاهد والديه يتنازعان عليه، أو يسمع أحدهما يسيء إلى الآخر، قد يخرج من هذه المعركة وهو الخاسر الأكبر مهما بدا أن أحد الطرفين قد انتصر.

ولهذا فإن بناء الإنسان الذي هو أحد المقاصد الكبرى للشريعة يقتضي أن يتسامى الأبوان فوق جراحهما الخاصة، وأن يدركا أن استمرار الكراهية بينهما يورث أبناءهما اضطرابًا نفسيًا وأخلاقيًا قد يمتد أثره إلى المجتمع كله.

خاتمة

إن الآية الكريمة: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ ليست توجيهًا عابرًا في سياق أحكام الطلاق، بل هي ميثاق أخلاقي خالد، يذكّر كل زوجين افترقت طرقهما بأن ما كان بينهما من مودة وعشرة لا ينبغي أن يُمحى من الذاكرة، وأن الأبناء أمانة عند الطرفين، لا يجوز أن يكونوا وقودًا للخلافات أو أدوات للانتقام.

فليتذكر كل أب وأم أن الله تعالى لم يأمرهما فقط بأداء الحقوق، بل دعا إلى ما هو أسمى من الحقوق، وهو الفضل والإحسان. وعندئذ فقط يمكن أن يتحول الطلاق من تجربة مؤلمة إلى موقف إنساني راقٍ، يحفظ الكرامة، ويرعى الأبناء، ويحقق مراد الله تعالى في قوله:

﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.