السيدة العارفة بالله تعالى العابدة أم البنين بنت عبد العزيز
11 أكتوبر، 2026
أولياء أمة محمد

من سلسلة العارفات بالله ( 54 )
اسمها: هى السيدة ام البنين بنت عبد العزيز بن مروان الأموى.
وامها ليلى بنت سهيل بن حنلة بن الطفيل.
وهى أخت الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز.
وكانت زوجة الوليد بن عبد الملك ـ الخليفة الجائر ـ ولم يكن متقللاً من المعيشة الا انها رحمها كانت بخلافه، ولعلها كانت تطبخ لأخيها عمر.
وكانت رضى الله عنها من كبار العابدات الزاهدات فى القرن الاول الهجرى، وكانت رضى الله عنها موسرة، انفقت اموالها فى سبيل الله تعالى وعلى المساكين وطلاب العلم.
وصفها ابن الجوزى فى تواريخ الاعيان بأنها من العفائف العابدات، وذكرها ابن أبي الدنيا في كتاب “العوائد”، والموفَّق في “التوابين”.
ومن كلامها: “أفٍ للبخل، لو كان قميصاً ما لبسته، ولو كان طريقاً ما سلكته”.
وقال سعيد بن مسلمة بن هشام الأموي: “كانت أم البنين ابنة عبد العزيز بن مروان تبعث إلى نسائها، فيجتمعن ويتحدثن عندها وهي قائمة تصلي، ثم تنصرف إليهن فتقول: “أحب حديثكم، فإذا قمت في صلاتي لهوت عنكن ونسيتكن”. قال: وكانت تكسوهن الثياب الحسنة وتعطيهن الدنانير وتقول: الكسوة لكن والدنانير اقسمنها بين فقرائكن”.
وكانت تقول: “جعل لكل قوم نهمة في شيء، وجعلت نهمتي في البذل والإعطاء، واالله للصلة والمواساة أحب إلي من الطعام الطيب على الجوع، ومن الشراب البارد على الظمأ”.
وكانت تقول: “وهل ينال الخير إلا باصطناعه!”.
وكانت تقول: “ما حسدت أحداً قط على شيء، إلا أن يكون ذا معروف فإني كنت أحب أن أشركه في ذلك”.
وقيل: “كانت أم البنين تعتق في كل جمعة رقبة، وتحمل على فرس في سبيل االله عز وجل”.
قال سعيد بن مسلمة: حدثتني امرأة من أهلي قالت: سمعت أم البنين تقول: “ما تحلى المتحلون بشيء أحسن عليهم من عظم مهابة الله في صدورهم”.
ومن خبرها مع الحجاج الثقفى : ما حكاه زهير بن حسن مولى الربيع بن يونس، قال: ” قدم الحجاج على الوليد بن عبد الملك، فصلى عنده ركعتين، ثم وثب وركب الوليد، فمشى الحجاج بين يديه، وعليه درع وترس، فقال الوليد: اركب يا أبا محمد، فقال: يا أمير المؤمنين، دعني أستكثر من الجهاد، فإن ابن الزبير وابن الأشعث شغلاني عن الجهاد، زمنا طويلا، فعزم عليه الوليد فركب، ودخل مع الوليد فبينا هو يتحدث، وهو يقول: فعلت بأهل العراق، وفعلت، أقبلت جارية فسارت الوليد، ثم انصرفت، فقال الوليد: يا أبا محمد، أتدري ما قالت الجارية؟ قال: لا.
قال: أرسلت إلي أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان: إن مجالستك هذا الأعرابي، وهو في سلاحه، وأنت في غلالة غرر، فأرسلت إليها: إنه الحجاج بن يوسف، فراعها ذلك، وقالت: والله لأن يخلو بك ملك الموت أحب إلي من أن يخلو بك الحجاج بن يوسف، وقد قتل أحباء الله، وأهل طاعته ظلما وعدوانا.
فقال الحجاج: يا أمير المؤمنين، إنما المرأة ريحانة، وليست بقهرمانة، لا تطلعهن على أمرك، ولا تطمعهن في سرك، ولا تستعملهن بأكثر من زينتهن، ولا تكونن لمجالستهن بلزوم، فإن مجالستهن صغار وذلة.
ثم نهض وخرج، فدخل الوليد على أم البنين، فأخبرها بمقالته.
فقالت: فإني أحب أن يأمره أمير المؤمنين بالتسليم علي، فسيبلغك الذي يكون بيني وبينه، فغدا الحجاج على الوليد، فقال: ائت أم البنين.
قال: اعفني يا أمير المؤمنين.
قال: لتفعلن.
فأتاها فحجبته طويلا.
ثم قالت: يا حجاج، أأنت الممتن على أمير المؤمنين بقتل ابن الزبير، وابن الأشعث؟ وكنت المولى غير المستعلى، أما والله لولا أن الله علم أنك أهون خلقه عليه، ما ابتلاك برمي الكعبة، وبقتل ابن ذات النطاقين، ابن حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما ابن الأشعث فلعمري لقد استعلى عليك حتى عجعجت، ووالى عليك الهزائم، حتى غوثت فلولا أن أمير المؤمنين نادى في أهل اليمن، وأنت في أضيق من القرن فأظلتك رماحهم، وعلاك كفاحهم لكنت مأسورا فيهم، قد أخذ الذي فيه عيناك، ومع هذا فإن نساء أمير المؤمنين قد نفضن العطر عن غدائرهن وبعنه في أعطية أوليائه، وأما ما أشرت به على أمير المؤمنين من قطع لذاته، وبلوغ أوطاره من نسائه، فإن يكن إنما ينفرجن عن مثل أمير المؤمنين فغير مجيبك إلى ذلك، وإن كن إنما ينفرجن عن مثل ما انفرجت به أمك البظراء، من ضعف الغريزة، وقبح المنظر، في الخلق والخلق يا لكع، فما أحقه أن يقتدي بقولك، قاتل الله الذي يقول، وسنان غزالة الحرورية بين كتفيك:
أسد علي وفي الحرب نعامة … ربداء تنفر من صفير الصافر
هلا برزت إلى غزالة في الوغى؟ … أم كان قلبك في جناحي طائر
صدعت غزالة قلبه بفوارس … تركت نواظره كأمس الدابر
ثم أمرت جارية لها فأخرجته، فلما دخل على الوليد، قال: ما كنت فيه يا أبا محمد؟ قال: والله يا أمير المؤمنين ما سكتت حتى كان بطن الأرض أحب إلي من ظهرها” . ذكره الزبير بن بكار فى الأخبار الموفقيات.
وفاتها : توفت رضى الله عنها فى سنة 117 هـ فى خلافة هشام بن عبد الملك الأموى.
بقلم الشيخ/ سيد حسن الأزهرى.