عودة التصوف تربك الحسابات.. لماذا يخشى الخطاب الوهابي استعادة الأزهر لدوره؟
10 أكتوبر، 2026
أخبار العالم الإسلامى

بقلم : أ . أحمد المهيدى
ليس الحبيب علي الجفري ولا أسامة الأزهري… الحقيقة أعمق من الأشخاص: إنها في رعب الوهابية من عودة التصوف.
منذ أن أعلن وزير الأوقاف توقيع بروتوكول تعاون مع مؤسسة طابة، ولا تزال أصوات الوهابية تتعالى بالسب والطعن والتكفير، في مشهد يدل على تخبط الخطاب السلفي وشعوره بالعجز أمام عودة التصوف مرة أخرى إلى الواجهة، بعد عقود طويلة من حملات التشويه ومحاولات إقصائه من المشهد الديني.
ويظهر هذا التخوف بوضوح منذ قدوم الدكتور أسامة الأزهري إلى وزارة الأوقاف فمنذ اللحظة الأولى لإعلان توليه الوزارة، توالت الاعتراضات والهجمات من بعض الأصوات السلفية على شخص الوزير، وكلما ظهر الوزير في مشهد عام أو اتخذ موقفًا، استمر الهجوم عليه؛ فتارة يهاجمون مسبحته، وتارة يهاجمون زيه، وتارة يهاجمون زياراته لأضرحة ومقامات أهل البيت.
وهذا الرعب والتخبط، من أتباع هذا التيار، لا ينفصل عن تراجع نفوذ المنهج الوهابي، وتراجع الدعم المالي والإعلامي الذي كان يحظى به في بلداننا العربية فضلًا عن تراجع الكثير من معتنقى هذا الفكر عن اعتناقه ، وانحسار حضوره مقارنة بمراحل سابقة.
ومن هنا يمكن فهم شدة الهجوم كلما ظهر خطاب أزهري صوفي في الواجهة فالقضية، في جوهرها، ليست مسبحة وزير ولا زيه ولا زيارة لمقام، وإنما صراع على حضور الخطاب الديني نفسه، وعلى أي صورة من صور التدين ستستعيد مكانتها في وجدان الأمة.
فبعد عقود من إنفاق أموال طائلة على نشر هذا المنهج، وما ترتب على ذلك من ترسيخ للفرقة بين المسلمين وتوسيع دائرة التكفير، بدأت هذه الأفكار تتراجع في كثير من البيئات، وبدأ كثير من المسلمين يعيدون النظر في بعض أطروحات هذا التيار، بحثًا عن منهج إسلامي أكثر اتزانًا واعتدالًا.
ولا شك أن العودة إلى التصوف لم تكن نتيجة هالة إعلامية ضخمة، ولا ثمرة إنفاق ملايين الدولارات لنشره، وإنما جاءت في جانب كبير منها استجابة لحاجة المسلم إلى خطاب ديني يجد فيه الرحمة والمحبة والتزكية وحسن الخلق، بعيدًا عن العنف والتكفير والإقصاء.
فالتصوف السني لم يدخل وجدان المسلمين اليوم من باب الدعاية السياسية أو الحملات الإعلامية، بل ظل حاضرًا في تاريخ الأمة وعلومها ومؤسساتها وأعلامها، حتى حين تعرض لحملات التشويه والإقصاء.
فنقول لهؤلاء بوضوح: إن معركتكم خاسرة، وإن الزمن الذي ظننتم فيه أنكم قادرون على إقصاء التصوف من وجدان الأمة قد ولّى.
فثمَّ شرع الله، وثمَّ تاريخ أمة لم يبدأ بكم ولن ينتهي عندكم، وثمَّ تراث أزهري وصوفي ضارب في أعماق هذه الأمة لا تمحوه حملات التشويه ولا تصرخات التبديع.
لقد امتلكتم المنابر طويلًا، وملأتم الفضاء الديني جدلًا وخصومة، وأنفقتم أموالًا طائلة في نشر خطابكم، ثم ها أنتم اليوم تواجهون السؤال الذي حاولتم طويلًا الهروب منه: ماذا بقي من مشروع الإقصاء بعد كل هذه العقود؟
كفاكم ما فعلتموه بالأمة طوال مائة عام من الفرقة والتنازع والتصنيف والتبديع. وكفاكم محاولة احتكار السنة، وكأن الإسلام لم يعرف علمًا ولا علماء ولا مدارس ولا تراثًا إلا ما توافق مع قراءتكم.
فكفاكم وصاية على الناس، واتركوا للأمة أن تستعيد وعيها بتراثها، وأن تميز بنفسها بين التدين الذي يبني الإنسان والتدين الذي يحوّل الدين إلى ساحة خصومة لا تنتهي.