الاستقامة علي طريق التدين بين الثبات وتحديات الحياة
1 أكتوبر، 2026
منبر الدعاة

بقلم الشيخ : يوسف عزت الشافعى
إمام وخطيب بوزارة الأوقاف
كثير من الناس يبدأون طريق التدين بقلوب مفعمة بالحماس، وعزائم قوية، ورغبة صادقة في التغيير؛ فيقبلون على الصلاة، ويحرصون على الطاعة، ويشعرون بلذة القرب من الله، ثم تمضي الأيام، وتتغير الأحوال، وتتعاقب المسؤوليات، وتظهر المغريات، فيجد بعضهم أن الحماس الذي بدأ به الطريق قد خفَّ، وأن النفس التي كانت مقبلة على العبادة أصبحت تحتاج إلى مجاهدة وصبر. وهنا يبرز السؤال الذي يرافق كل من أراد أن يسير إلى الله: كيف أثبت على الطريق؟ وكيف أحافظ على إيماني وسط تقلبات الحياة؟ وكيف أعود إذا ضعفت، وأستمر إذا أصابني الفتور؟
إن الاستقامة ليست لحظة حماس عابرة، ولا شعورًا إيمانيًا يملأ القلب ثم ينتهي، وإنما هي طريق طويل يحتاج إلى صدق ومجاهدة ومصابرة. وليست الاستقامة أن يعيش الإنسان بلا خطأ، أو ألا تضعف نفسه يومًا، أو ألا تعترضه فتنة، بل أن يجعل وجهته إلى الله، وأن يحرص على طاعته، فإذا زلَّت قدمه لم يستسلم للبعد، وإذا غلبته نفسه لم يغلق باب التوبة، وإذا فترت عزيمته جدد عهده مع الله وعاد إلى الطريق. فالاستقامة ليست ادعاء الكمال، وإنما هي صدق السير إلى الله، مع الاعتراف بالتقصير، والسعي الدائم إلى الإصلاح.
وقد أمر الله نبيه ﷺ والمؤمنين بالاستقامة فقال سبحانه: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود: 112]. والاستقامة هنا ليست وفق أهوائنا أو تصوراتنا الخاصة، وإنما كما أمر الله؛ أي أن يكون ميزان الإنسان في اختياراته وأفعاله هو ما يرضي الله، لا ما تمليه عليه شهوته أو تضغط به عليه البيئة المحيطة. وقد جمع النبي ﷺ معنى هذا الطريق في وصية عظيمة حين قال لسفيان بن عبد الله الثقفي: «قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ» رواه مسلم. فكأن الاستقامة هي الامتداد العملي للإيمان؛ أن يتحول ما يعلنه اللسان إلى سلوك يظهر في الحياة، وأن يصبح الإيمان حاضرًا في القرارات والعلاقات والأعمال، لا مجرد كلمات تقال أو مشاعر عابرة.
وطريق الاستقامة لا يخلو من التحديات؛ فالدنيا بما فيها من متاع ومغريات قد تشغل القلب عن غايته، وتدفع الإنسان إلى تقديم العاجل على الآجل، واللذة العابرة على المصلحة الباقية. وقد أخبر الله سبحانه أن حب الشهوات زُيّن للناس، فقال: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ [آل عمران: 14]. وليس معنى ذلك أن يكره الإنسان الدنيا أو يترك أسباب الحياة، فالإسلام لا يدعو إلى إهمال العمل أو تعطيل الطموح، وإنما يدعوه إلى أن يأخذ من الدنيا ما أحل الله، وألا يجعلها تستولي على قلبه حتى تنسيه غايته. فالمال قد يكون نعمة إذا اكتُسب من حلال وأُنفق في خير، والعمل قد يكون عبادة إذا صاحبه الإخلاص والأمانة، والنجاح قد يكون بابًا لنفع الناس؛ لكن الخطر أن تتحول هذه الأشياء من وسائل إلى غايات، فيضحي الإنسان بدينه وأخلاقه من أجلها.
ومن التحديات التي تواجه الاستقامة كذلك ضغط البيئة المحيطة؛ فقد يجد الإنسان نفسه بين أصدقاء لا يعينونه على الخير، أو في مجتمع يسخر من التزامه، أو في مواقف يشعر فيها أنه غريب لأنه اختار طريقًا لا يوافق أهواء الآخرين. وربما يتعرض للوم أو الاستهزاء حين يحافظ على صلاته، أو يرفض أمرًا محرمًا، أو يلتزم الصدق في موقف يظن غيره أن الكذب فيه أسهل. وفي هذه اللحظات يحتاج إلى أن يتذكر أن رضا الناس غاية لا تُدرك إذا جعلها الإنسان فوق رضا الله، وأن الثبات لا يعني احتقار الآخرين أو التكبر عليهم، بل أن يحسن معاملتهم ويحفظ حقهم، مع التمسك بما يعتقد أنه حق.
وقد أرشدنا الله إلى أهمية الصحبة التي تعين على الخير، فقال سبحانه: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ [الكهف: 28]. فالإنسان يتأثر بمن يصاحب، ويألف ما يراه ويسمعه، وقد تضعف عزيمته حين يطيل مجالسة من يستهينون بالمعصية أو يسخرون من الطاعة. ولهذا قال النبي ﷺ: «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ» رواه أبو داود والترمذي. والصحبة الصالحة ليست مجرد لقاءات أو كلمات طيبة، بل هي صحبة تذكّر الإنسان إذا غفل، وتعينه إذا ضعف، وتفرح بخيره، وتنصحه إذا أخطأ، ولا تدفعه إلى معصية أو تزين له طريقًا يضره.
ومن أشد ما يحتاج الإنسان إلى فهمه في طريق الاستقامة أن الفتور قد يعرض له، وأن قوة الإقبال ليست على حال واحدة في كل الأيام. فقد يمر الإنسان بأوقات يجد فيها لذة في العبادة، ثم تأتي أيام يشعر فيها بثقل أو انشغال أو ضعف في العزيمة. وليس العلاج أن يترك الطاعة حتى يعود إليه الحماس، بل أن يحافظ على ما يستطيع من الخير، وألا يجعل الفتور سببًا للانقطاع الكامل. فالثبات لا يتحقق بكثرة الأعمال في يوم واحد ثم تركها، وإنما بالمداومة على الطاعة بحسب الاستطاعة. وقد قال النبي ﷺ: «أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ» متفق عليه. فالقليل المستمر يبني في النفس عادة صالحة، ويجعل الصلة بالله حاضرة في تفاصيل الحياة، أما العمل الكثير الذي يعقبه انقطاع فقد يرهق صاحبه ويجعله يظن أن الطريق لا يُسلك إلا بطاقة لا يملكها دائمًا.
ولذلك فإن من وسائل الثبات أن يبدأ الإنسان بما يقدر عليه، ويحافظ على الفرائض، ويجعل لنفسه وردًا من القرآن والذكر، ولو كان قليلًا، ويحرص على صلاة الجماعة ما استطاع، ويجدد نيته قبل أعماله، ويترك لنفسه وقتًا يراجع فيه حاله. وليس المقصود أن يحمّل نفسه ما لا تطيق، أو أن يقيس إيمانه بلحظة عاطفية، وإنما أن يبني طريقه على عمل واقعي ثابت. وقد قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]. فليجتهد الإنسان في الطاعة، وليأخذ من الأسباب ما يعينه، وليعلم أن الطريق إلى الله لا يقوم على الاندفاع وحده، بل على الصبر وحسن التدبير ومداومة الرجوع.
ومن أعظم أسباب الثبات الاستعانة بالله، فالقلب بين يدي الله، والهداية بفضله، ولا يملك الإنسان لنفسه ثباتًا مستقلًا عن توفيق ربه. ولهذا كان النبي ﷺ يكثر من الدعاء: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» رواه الترمذي. وفي هذا الدعاء معنى عظيم؛ فالمؤمن لا يغتر بما وصل إليه من طاعة، ولا يظن أن صلاحه مضمون بمجرد بدايته، بل يسأل الله الثبات، ويستعيذ به من تقلب القلب، ويعلم أن حاجته إلى الهداية لا تنتهي ما دام حيًا. ومن صدق الاستعانة بالله أن يجمع الإنسان بين الدعاء والعمل؛ يسأل ربه الثبات، ثم يأخذ بالأسباب التي تحفظ إيمانه، ويبتعد عما يضعفه، ويختار لنفسه ما يعينه على الاستقامة.
ولا بد في هذا الطريق من الحذر من الذنوب، لا لأن الإنسان معصوم من الوقوع فيها، بل لأن الإصرار عليها قد يضعف القلب ويجعل المعصية مألوفة، حتى يفقد المرء إحساسه بخطئها. وقد يبدأ الأمر بنظرة لا يغض بصره عنها، أو كلمة لا يضبط لسانه بها، أو صحبة يتساهل في أثرها، ثم تتسع المسافة بينه وبين الطاعة إذا لم ينتبه. لكن الخطر الأكبر ليس مجرد الوقوع في الذنب، وإنما أن يظن الإنسان أن ذنبه أغلق باب العودة، أو أن يقول لنفسه: لقد ابتعدت كثيرًا، فلا فائدة من الرجوع. وهذا من اليأس الذي يقطع الطريق على التوبة، وقد نهى الله عنه فقال: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53].
فالذنب ليس نهاية الطريق، والتقصير لا يعني أن الإنسان لا يصلح للطاعة، بل قد يكون بابًا إلى توبة صادقة، إذا اعترف بخطئه وندم عليه وعزم على ألا يعود إليه، ورد الحقوق إلى أصحابها إذا تعلق الذنب بحقوق العباد. والاستقامة لا تعني ألا يسقط الإنسان أبدًا، وإنما أن يرفض أن يجعل من سقوطه إقامة دائمة، وأن ينهض بالتوبة والإصلاح، وأن يتعلم من خطئه، ويغلق الأبواب التي قادته إليه. فكم من إنسان كانت زلته سببًا في انكسار قلبه بين يدي الله، فصار بعدها أكثر تواضعًا، وأشد حرصًا على الطاعة، وأبعد عن الغرور بالنفس.
وفي زماننا، أصبحت تحديات الاستقامة قريبة من الإنسان في كل لحظة؛ فالشاشات تحمل إليه ما يوافق الحق وما يخالفه، ووسائل التواصل قد تستهلك وقته وتشتت قلبه، والمقارنة المستمرة بالآخرين قد تزرع في نفسه السخط على حياته، كما أن كثرة الأصوات قد تجعل بعض الناس يتعاملون مع الدين على أنه رأي عابر بين آراء كثيرة. وهنا يحتاج الإنسان إلى وعي يحمي وقته وقلبه، فيختار ما يشاهده ويسمعه، ويعرف متى يبتعد عن محتوى يضعف إيمانه أو يثير شهوته أو يجرحه من الداخل، ويجعل للتواصل حدودًا لا تطغى على عبادته ومسؤولياته وعلاقاته الحقيقية.
ولا تعني الاستقامة أن ينعزل الإنسان عن الحياة، أو أن يترك دراسته وعمله وأهله، أو أن ينظر إلى الناس بريبة واحتقار، بل تعني أن يعيش بينهم بقلب يعرف غايته، ولسان يحفظ حقوقهم، ويد تسعى في الخير. أن يكون مستقيمًا في بيته، فيحسن إلى أهله، وفي عمله، فيؤدي الأمانة، وفي معاملاته، فيصدق ولا يغش، وفي اختلافه مع الآخرين، فيعدل ولا يظلم. فالاستقامة ليست صورة يراها الناس في المسجد فقط، بل أثر يظهر في كل موضع يكون فيه الإنسان، وهي ليست قسوة في التعامل أو تضييقًا على الخلق، وإنما التزام بالحق مع رحمة وحكمة وحسن خلق.
ومن المهم كذلك ألا يقارن الإنسان طريقه بطريق غيره؛ فلكل نفس ظروفها، ولكل إنسان ابتلاءاته ومراحل نموه، وما يقدر عليه شخص قد لا يقدر عليه آخر في الوقت نفسه. والمطلوب أن ينظر المرء إلى نفسه بصدق: هل يحافظ اليوم على ما كان يضيعه بالأمس؟ هل صار أحرص على الصلاة؟ هل أصبح أصدق في كلامه؟ هل قلّ أذاه للناس؟ هل إذا أخطأ أسرع إلى التوبة؟ إن هذه الخطوات الصغيرة قد تكون علامات تقدم حقيقي، حتى لو لم يشعر الإنسان أنه بلغ ما يطمح إليه. فالمهم ألا يتوقف عن السعي، وألا يجعل بطء التغيير ذريعة لتركه.
إن طريق الاستقامة يحتاج إلى صبر؛ لأن النفس قد تطلب الراحة العاجلة، والبيئة قد تدفع إلى التنازل، والذنوب قد تثقل القلب، والظروف قد تضعف العزيمة. لكنه طريق يستحق أن يبذل الإنسان فيه جهده، لأنه الطريق الذي يحفظ عليه دينه وكرامته، ويمنحه معنى لعمله، ويجعله يرجو رحمة الله ورضاه. وقد وعد الله أهل التقوى بالمخرج والرزق من حيث لا يحتسبون، فقال سبحانه: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 2-3]. وهذا الوعد لا يعني أن حياة المستقيم تخلو من المشقة، بل يعني أن التقوى والتوكل يفتحان له أبوابًا من الهداية والعون، ويجعلان قلبه متعلقًا بربه في السراء والضراء.
فإذا بدأت الطريق فلا تغتر بحماسة البداية، وإذا ضعفت فلا تيأس من رحمة الله، وإذا أخطأت فلا تجعل الخطأ حجابًا بينك وبين التوبة، وإذا شعرت بالفتور فحافظ على الفرائض، وخذ من الطاعة ما تقدر عليه، وجدد نيتك، واستعن بالله، واصحب من يعينك على الخير. وتذكّر أن الاستقامة ليست أن تصل إلى مرحلة لا تحتاج فيها إلى مجاهدة، بل أن تظل مجاهدًا لنفسك، طالبًا للهداية، راجعًا إلى ربك كلما ابتعدت.
وقد بشّر الله أهل الاستقامة فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأحقاف: 13]. فاجعل شعارك أن تمضي إلى الله مهما تعثرت، وأن تجدد عهدك معه كلما احتجت إلى بداية جديدة، وأن تجعل إيمانك حاضرًا في عبادتك وأخلاقك وقراراتك. فالسعيد ليس من بدأ الطريق فحسب، وإنما من صدق في السير، وصبر على المجاهدة، ولم يقطع رجاءه من رحمة الله؛ نسأل الله أن يثبت قلوبنا على دينه، وأن يجعلنا من الذين آمنوا ثم استقاموا، وأن يحسن عاقبتنا في الأمور كلها.