ابن تيمية بين الغلو والجفاء.. كلمة في الإنصاف العلمي
5 سبتمبر، 2026
الوهابية ومنهجهم الهدام

بقلم : أ. محمد عطية
رَحِمَ اللهُ الشيخَ الفقيهَ العلّامةَ ابنَ تيمية؛ فقد تباينت فيه المواقف، وتطرّف فيه بعض مخالفيه فمنهم من شنّ عليه هجومًا شديدًا، حتى رماه بعضهم وبعض علماء عصره بالتبديع والتكفير والضلال المبين، واتهموه بمخالفة إجماع الأمة، ونسبوا إليه أنه ابتدع من الأقوال والآراء الشاذه ما لم يُسبق إليه احد بل ما لم يقل به أحدٌ من العالمين، فجانب بعضهم بذلك جادّة الإنصاف، وفي المقابل غلا فيه بعض مريديه غلوًّا مفرطًا، حتى قدّموا آراءه واختياراته على ما استقرّ عليه قول جمهور السلف وأئمة المذاهب الأربعة، فلم يصيبوا هم أيضًا عين الحق فالإنصاف في ابن تيمية لا يكون بهدم منزلته كما فعل بعض خصومه، ولا برفعه فوق منزلته كما فعل بعض غلاته؛ فهو عالمٌ جليل وفقيهٌ مجتهد، صاحب سعة في العلم وقوة في النظر والتحقيق، وله تصانيف نافعة واجتهادات قوية، ولكنّه مع ذلك بشرٌ غير معصوم، يُؤخذ من قوله ويُردّ، ويُوافق فيما أصاب ويُخالف فيما أخطأ، إذ ليس بعد حضرة سيدنا رسول الله ﷺ أحدٌ معصوم من الخطأ والزلل
فمع جلالة قدر ابن تيمية وسعة علمه وقوة اجتهاده، فإن الإنصاف العلمي يأبى أن يُجعل إمامًا متصدرًا في جميع علوم الشريعة، أو أن تُنسب إليه الإمامة المطلقة في كل فن من فنونها فليس له صحيحٌ جامع في الحديث على طريقة الإمام البخاري والإمام مسلم، ولا تفسيرٌ كامل للقرآن على طريقة كبار أئمة التفسير، كالإمام الطبري وغيره ممن أفنوا أعمارهم في جمع أقوال السلف وتمحيصها وتحرير وجوه التفسير في مصنفات جامعة، ولا كتابٌ مستقل جامع في أصول الفقه على طريقة أئمة هذا الفن، ولا مصنفٌ متخصص في علم الرجال وعلل الحديث يضاهي مصنفات أئمة هذا الشأن، كما أنه لم يكن من أئمة العربية والبيان والشعر الذين استفرغوا وسعهم في هذه العلوم حتى صاروا مراجع فيها
وهذا ليس طعنًا في ابن تيمية ولا إنكارًا لسعة علمه، بل هو عين الإنصاف؛ إذ لا يلزم من بلوغ العالم رتبةً عالية في الفقه والجدل والمناظرة والتحقيق أن يكون إمامًا متقدمًا في كل علم من علوم الشريعة، فلكل فن أئمته، ولكل إمام ميدانه الذي برز فيه. ومن أراد أن يجعل ابن تيمية إمامًا مطلقًا في جميع العلوم فقد حمّله ما لم يحمله العلماء لأنفسهم، وجعل التعظيم العلمي قائمًا على المبالغة لا على ميزان التحقيق ولم يكن من المنهج العلمي أن يُجعل ابن تيمية مجدّدَ عصره؛ إذ لم يشتهر ذلك عن علماء عصره، ولم يكن هذا الوصف معروفًا عند أقرب تلاميذه وأهل مدرسته. ومع ذلك لم يقل واحدٌ منهم قط إن ابن تيمية مجدّد المائة السابعة أو الثامنة، ولا عَدَّه أحدٌ منهم أصلًا في جملة المجدّدين، بل إن هذا الوصف لم يكن موجودًا أصلًا في كلامهم، ولا عُرف عن أحدٍ منهم إطلاقه عليه.
وقد كان الحافظ الذهبي من أعرف الناس بابن تيمية وأشدهم عنايةً بتراثه، وكذلك ابن القيم وابن رجب الحنبلي وابن كثير وغيرهم وهم من أقرب الناس إلى مدرسته وأشدهم اتصالًا به وبأصحابه وتلامذته الذين تلقو منه ومع ذلك لم يُعرف عن واحدا منهم هذا اللقب وكذلك الحافظ ابن حجر العسقلاني والإمام السيوطي، مع تقدّمهما في العلم واشتهارهما بالتصنيف والتراجم ونقد الرجال واستيعاب أحوال العلماء، لم يثبت عنهما إطلاق هذا اللقب عليه. فلو كان تجديد ابن تيمية أمرًا مشهورًا مستفيضًا بين أهل العلم، أو وصفًا متقررًا عند أصحابه وتلاميذه ومن ترجموا له، لكان من أعجب الأمور أن يغيب هذا الوصف عن أقرب أصحابه إليه، ثم يغيب كذلك عن كبار من ترجموا له بعد ذلك بل إن المجدد هوا الإمام ابن دقيق العيد، وهو من كبار أئمة عصره ومن أقران ابن تيمية، قد ذُكر في سياق الكلام على مجددي المائة السابعة فلا يصح أن يُنسب لقب التجديد إلى ابن تيمية وكأنه حقيقة تاريخية مع أن هذا الوصف لم يكن معروفًا على هذا الوجه عند أهل العلم المتقدمين منسوب لابن تيمية
ومن أعجب ما ابتُلي به بعض المتأخرين أن تحوّل تعظيم ابن تيمية من الاعتراف بفضله وعلمه إلى رفعه فوق منزلته التي وضعه فيها أهل العلم، حتى كأن أقواله أصبحت عندهم معيار الحق المطلق، واختياراته ميزانًا تُوزن به أقوال الأئمة، ومن خالفه فكأنما خالف الدليل نفسه. وهذه ليست محبةً للعالم، وإنما هي غلوٌّ في العالم يفضي إلى تعطيل ميزان النقد الذي قامت عليه علوم الأمة فكأن ابن تيمية عند بعض غلاته معصومٌ من الخطأ، لا يُراجع له قول، ولا يُنقد له اجتهاد، ولا يُتصوّر أن يزلّ في مسألة، مع أن له مسائل وأقوالًا شديدة الإشكال، عدّها مخالفوه من الطامات والكوارث العلمية، وصُنّفت في نقد آرائه ومناقشة اختياراته رسائل جامعية كثيرة في الماجستير والدكتوراه، مما يدل على أن تراثه لم يكن بمنأى عن البحث والنقد والمراجعة
وكأن لسان حال بعض غلاتهم يقول: «كلٌّ يُؤخذ من قوله ويُردّ إلا ابن تيمية»؛ فجعلوا قوله في منزلة لا تليق إلا بالمعصوم، مع أن العصمة إنما هي لحضرة سيدنا رسول الله ﷺ. وكأنهم قد اقتربوا من أن يجعلوا له من التعظيم ما لا يليق إلا بالله، وكأن شعارهم: «إيّاك نعبد وإيّاك نستعين» لابن تيمية! وهذا هو عين الغلو الذي يُخرج العالم من منزلته البشرية إلى منزلة لم يضعه فيها أئمة الإسلام أنفسهم إن ابن تيمية لا يحتاج إلى هذا الغلو أصلًا؛ ففضله العلمي ثابت بما تركه من علم واجتهاد وتصنيف، ومن أراد نصرته بالحق فليضعه في موضعه، لا أن يرفعه فوق أئمة الإسلام، ولا أن يجعله أعلم أهل عصره في كل علم، ولا أن يدّعي له تجديدًا لم يكن معروفًا عند أئمة عصره وأهل العلم الذين ترجموا له
فالإنصاف ليس أن نهدم ابن تيمية كما فعل بعض خصومه، ولا أن نصنع منه إمامًا فوق النقد كما فعل بعض غلاته؛ وإنما الإنصاف أن نقول فيه كما نقول في سائر أئمة الإسلام: أصاب وأخطأ، وأجاد وأشكل، وله تحقيقات عظيمة ومسائل خالف فيها غيره، يُؤخذ منه ما وافق الدليل ويُترك ما ظهر خطؤه، ولا يُجعل أحدٌ بعد حضرة سيدنا رسول الله ﷺ فوق ميزان النقد والبحث ومن جعل ابن تيمية فوق منزلته فقد ظلمه من حيث أراد نصرته؛ لأن العالم يُكرم بعلمه، ولا يُكرم بتحويل اجتهاداته إلى ثوابت، ولا بجعل أقواله حاكمةً على الأمة، ولا بادعاء ما لم يدّعه له أئمة عصره. فمن أراد أن يعرف قدر ابن تيمية حقًّا، فليضعه في صف العلماء لا فوق العلماء، وليقرأه بعين المحقق لا بعين المقلد، وليعظّم علمه دون أن يجعل قوله في منزلة العصمة
والله تعالى اعلي وأعلم وأكرم