لماذا يصر السلفيين على التجسيم؟ الجزء الثانى

المقال الثامن عشر من سلسلة ( الوهابية مقدمة الدجال )

بقلم الدكتور/ احمد عبد الرحيم

الباحث فى التاريخ الإسلامى

ولنرجع الى الفرقة الوهابية ، ولنحاول جمع ما فرقوه من مسائل كَفَّروا بهم عموم المسلمين:

اذا أمعنا النظر نجد على رأس ما اعتنقوه مذهباً وديناً وعقيدة هو (تجسيم الله عز وجل وتشبيهه بصفات المخلوقين).

فلقد عمدوا الى آيات القرآن الكريم ، فلم يأخذوا منها إلا متشابهها التى نهى الله عن تتبعها والخوض فيها ، قال تعالى “فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ” آل عمران : 7 ، فبعد أن أخمد الله سبحانه وتعالى فتن فرق الخوارج والفرق الباطنية وغلاة المعتزلة تجد الفرقة الوهابية السلفية تعمد الى متشابه القرآن الكريم ، فيتأولون منه ما ينسبونه لله سبحانه وتعالى من تجسيم وجوارح ، ثم يعمدون الى كتب السنة النبوية فيعمدون الى متشابه السنة النبوية والى احاديث الآحاد والأحاديث الضعيفة والمنكرة والموضوعة والاسرائيليات فيستخرجون منها ما يتأولونه فى سبيل اثبات تجسيمهم لله عز وجل.

وترى أن كل نقيصة هى مذهبهم ـ تعالى الله سبحانه عما يقولون علواً كبيراً.

وتراهم يضعون اقوال العلماء فى غير مواضعها ، ويتمسكون بمعناه البعيد الذى لا يقصده قائله فى سبيل اثبات معتقدهم.

وتراهم ذهبوا كل مذهب فى التلفيق والترقيع بين اقوال العلماء فى كل مذهب حتى أخرجوا مذهباً مشوهاً ، فتراهم يتتبعون زلات العلماء وسقطاتهم فيتخذونها مذهباً ينافحون عنه ويتهمون من لا يقول به بالكفر.

فتراهم يتتبعون سقطات العلماء كأبو يعلى محمد بن الحسين الفراء الحنبلى، وأبو على الحسن بن على الأهوازى، وعثمان بن سعيد الدارمى ، ومحمود بن ابى القاسم الدشتى الإربلى الحنبلى، وابو العباس احمد ابن تيمية الحنبلى، وابن عساكر ، وابن ابى العز الحنفى ، وأبو إسماعيل عبد الله بن محمد الهروي ، وأبو الحسن علي بن عبيد الله بن الزاغوني ، وابن خزيمة وغيرهم.

فقد نسب الى هؤلاء العلماء التجسيم أو ما يقتضى التجسيم على تفاوتهم فى ذلك منهم من نقل العبارات تقطع بالتجسيم او تقتضيه او توهم به ، فما كان من الوهابيين واشياعهم من السلفيين الا أن اقتطفوا هذه السقطات دون غيرها من كتبهم واتخذوها دستوراً ومرجعاً يحاجون به المسلمون.

ولك ان تتخيل أن عدد علماء المسلمين الذين يدينون “بتنزيه الله سبحانه وتعالى عن صفات المخلوقين وعن اتصافه بالجوارح وتنزيهه على التجسيم والأبعاض والمكان والانتقال والأحوال” وهم العلماء الثقات الذين لا يحصون كثرة على مدى التاريخ الاسلامى وعلى اتساع رقعة الاسلام من الصين والهند وسهوب الترك وبلاد ما وراء النهر وبلاد خراسان والقوقاز وفارس والجزيرة العربية والعراق والشام والاناضول ومصر والمغرب والسودان وافريقيا والأندلس وجزائر البحر المحيط.

فجميع هؤلاء العلماء شكلوا مادة المسلمين وقوامهم وهم أهل السنة وجماعة المسلمين المقصودين بسبيل المؤمنين بالآية الكريمة “وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا” النساء : ١١٥.

وفى الحديث الشريف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” عَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ”.

وللأمانة العلمية فان بعض من حُسب على التجسيم قد رجع عنه كابن خزيمة مصنف كتاب “التوحيد” الذى سماه الفخر الرازى كتاب “الشرك” ، وقد ندم ابن خزيمة على تصنيفه ورجع عنه كما جاء عنه باسنادين فى كتاب الاسماء والصفات للحافظ البيهقى ص 267 .

والعالم الجليل ابو القاسم على ابن عساكر الذى قال فى مدح الامام ابو الحسن الاشعرى تنزيهه لله سبحانه وتعالى: “هل من الفقهاء الحنفية والمالكية والشافعية إلا موافق للأشعري ومنتسب إليه وراضٍ بحميد سعيه في دين الله ومثن بكثرة العلم عليه، غير شرذمة قليلة تضمر التشبيه وتعادي كل موحد يعتقد التنـزيه” اهـ.

ولا ننكر ان هؤلاء العلماء كانت لهم جوانب مشرقة اخرى وانهم خدموا العلم وكانت لهم مصنفات اخرى فى علوم عدة كالحديث والتاريخ والفقه وغيرها ، الا انهم كانت لهم زلات احياها خوارج هذا الزمان لاثبات ان الله سبحانه وتعالى جسماً وان لم يصرحوا بذلك بل يذكرون ما يقتضيه ويذكرون اللازم العقلى للتجسيم حتى تألفه النفوس ويحكم المخاطب بالملزوم العقلى وهو تجسيم الله تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.

وعلى عادة الفرق الباطنية فان الوهابيين يلعنون اسلافهم ممن ورثوا عنهم راية الطعن فى الدين وتشكيك الناس فى الشرع والعقيدة الاسلامية وقمع المسلمين وايذائهم واحياناً قتلهم اذا لزم الأمر ، فتراهم يتبرأون ممن حذوا حذوهم فى التجسيم من أسلافهم اذا انكشف امرهم للعوام بعد ان تصدى لهم العلماء وجادلوهم حتى ابطلوا مفترياتهم:

كعبد الله بن سبأ رأس الفرقة السبئية

ومحمد بن كرام رأس فرقة الكرامية.

والمغيرة بن سعيد العجلى رأس فرقة المغيرية.

وهشام بن الحكم رأس فرقة الهشامية.

وبيان بن سمعان رأس فرقة البيانية .

وداود الجواربي رأس فرقة الجواربية.

ومقاتل بن سليمان رأس فرقة المقاتلية .

هشام بن سالم الجواليقي رأس فرقة الجواليقية.

ومحمد بن النعمان ابي جعفر الأحول الملقب بشيطان الطاق رأس فرقة الشيطانية أو النعمانية.

ويونس بن عبدالرحمن القمي رأس فرقة اليونسية.

لقد أخذت الوهابية والتيارات السلفية عن جميع هذه الفرق معتقداتٍ لفقوها من كل ما شذَّ وخالف المعهود عند أهل السنة وجماعة المسلمين ، حتى اجتمعت عندهم جميع البدع والشرور ، وحقت عليهم مقولة الإمام سليمان التيمي: “لو أخذت برخصة كل عالم، أو زلة كل عالم، اجتمع فيك الشر كله”.