بين صخب الحياة وسكينة الروح

بقلم د. تاليا عراوي كاتبة وأخصائية في الأخلاقيات وعضو المجلس
العالمي للأخلاقيات الطبية الإسلامية وناشطة في مجال حقوق الإنسان

لكل منا تلك اللحظة الحميمة من يومه، حين يجد نفسه فجأة وجهاً لوجه أمام أفكاره المتسسلة من كل زاوية؛ أفكار تباغتنا هادئة حين نتأمل وردة جورية تتنفس على شرفتنا، بألوانها المذهلة التي تتأرجح بين الأصفر الهادئ والوردي الصارخ ، نستنشق عطرها الفواض فنلقاها تنطق بجمال لا يُحَدّ، وتفوح بعبير خلاب يغوص في الروح فيقيم فيها طويلاً، متجاوزاً ببهائه أي عطر اصطناعي مهما بلغت فخامته، لتنقاد جوارح القلب بعدها خاشعة متفكرة في عظمة الخالق وبديع صنعه.

وبعد أن نرتشف قهوة الصباح ونمضي في زحام طريقنا إلى العمل، قد نجد أنفسنا فجأة نزيح إلى جانب الطريق حين تعبرنا سيارة إسعاف بصفيرها المنذر، فنلهج بقلوب مرتجفة بالدعاء للمريض بالشفاء ولأهله بالسكينة والصبر. وتتوالى المشاهد: تلتقط أعيننا طائراً يسبح في رحابة الفضاء، أو طائرة تعبر الأفق بصخب محركاتها، فتتداعى إلى أذهاننا فوراً آيات سورة الملك الواصفة: “أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شيء بصير”. هكذا نمضي جل أيامنا متأرجحين على حبال هذه الثنائيات الحادة، بين طعام وجوع، وألم وفرح، ويسار ويمين، ووصول وضياع، تتقاذفنا أمواج الحياة بين التفكير والتململ، إلى الحد الذي يفوتنا معه أحياناً أن نبصر تلك الوجهة الحقّة التي تتوازن فيها أواصر الروح والجسد.

بعضنا يُمعن في التفكر إلى حد الألم، وحاسداً أولئك الذين نامت أفكارهم في سُبات الغفلة أو الطمأنينة؛ فالروح المتفكرة، تحمل كل ثانية في هذا العالم سيلاً عارماً من التساؤلات. هل أولئك الضاحكون في تجمعات صاخبة يغرقون في البهجة هم بالضرورة فارغون أو غافلون عن حقيقة الوجود؟ أم أنهم أدركوا كنه الحياة بأسرها، لكنهم تعقلوا كفاية ليمزجوا أيامهم بنسيم الضحكات والفرح كي يستطيعوا مواصلة المسير نحو مهامهم الأخرى، عالمين بيقين أن الإنسان مفطور على وصل الدين بالدنيا؟

غير أن هذا التوازن الهش كثيراً ما يتداعى. فمن منا حقاً في هذا العالم الصاخب استطاع أن يتذوق طعم السكينة الحقيقية وسط زحام المطالب واللهاث المستمر خلف السراب؟ وقليلون هم من يمنحون أنفسهم فرصة التوقف الحقيقي لنيل هذه السكينة المنشودة، في عالم يتعطش للسلطة، حيث لا تُقاس قيمة الإنسان بفضائله وخيره، بل بما يملكه من نفوذ ومال؛ عالم لا تستطيع فيه الحصول على عمل تليق به كفاءتك العالية إلا إذا ساندتك “واسطة” أو شخصية نافذة، فإن لم تكن، ظفر الجاهل غير الكفؤ بالفرصة وبقيت أنت رهين البطالة والحسرة.

ولكن، ربما لم تكن هذه الاختناقات المعاصرة سوى صدىً لأزمة إنسانية ممتدة جذورها في عمق الزمن؛ فقبل عصرنا الحاضر المغمور بطوفان التشتت والبيانات الصاخبة بوقت طويل، دعا الحكماء والأقدمون الفكر الإنساني إلى التحرر من أسر الوهم السطحي للفوضى، وإعادة النظر في الوجود بوصفه سفراً إلهياً حياً يكتب آياته في صميم الحركة والديناميكية. ولعل النموذج الأعظم في هذا الارتقاء الروحي يتجلى في رحلة إبراهيم عليه السلام، حين غرق بكليته في ملكوت السماوات والأرض، متأملاً ترحال النجوم وتألق الكواكب، ثم هلال القمر وبهاء الشمس، فكانت فطرته الصافية وبصيرته النافذة ترتقي من ظاهر المشهد إلى جوهر الحقيقة، معلناً بتجرد العارف: “هذا ربي”، ثم متسامياً إلى نور الأزلية والتعالي حين أفل كل متغير، لتغدو ملاحقة حركة الآفاق طريقاً أصيلاً لا ينضب لمعرفة الخالق.

هذا التأمل الوجودي الحي وجد صداه الفلسفي والأدبي الأعمق في تحفة ابن طفيل “حي بن يقظان”، حيث يقدم لنا الفيلسوف لوحة تأملية لفتى نشأ بمعزل عن صخب البشر على جزيرة نائية، لكنه استطاع ببصيرته الخالصة ومراقبته الدقيقة لنبض الحياة في الكائنات وتناغم الأفلاك من حوله أن يعبر الجسر الصعب؛ من مجرد المراقبة الحسية المباشرة إلى إدراك الصانع الحكيم ووحدانية المطلق.

فالكون برمته يظل ذلك السفر العظيم الذي خطه الإله بالحركة، حيث تتشابك المجرات الضخمة والفصول المتعاقبة والدقائق المجهرية لتصوغ معاً جمل مرادٍ إلهي لا يخطئه إلا قلب غفل. ومع أن هذا النداء الخالد يستحث الوعي دوماً، إلا أن القرآن الكريم يصارحنا بحقيقة وافرة الأسف: أن القليلين هم من يمنحون أنفسهم حتى دقائق معدودة من التأمل الصادق في هذا الملكوت. وإن ذروة هذه الدعوة إلى التدبر لتتخلد أبد الدهر في الخواتيم لآيات سورة آل عمران، حيث يتجلى جوهر العقل المستيقظ في أرقى درجات الخشوع والمعرفة: “إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب. الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار”.

الأمس، وقبيل أذان العصر بقليل، كان المسجد المقابل يصدح بتلاوة عطرة من آيات الذكر الحكيم، فوقع سمعي وقلبي على قول الحق جل وعلا: “المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملاً”. طالما تلقينا التوجيه بأن “الباقيات الصالحات” هي التسبيحات الأربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. ورغم عِظم أثرها وبركتها، إلا أن شيئاً في أعماقي استوقفني ) مع كامل التسليم بقصور معرفتي ( متسائلةً: أيمكن للباقيات الصالحات أن تقتصر على الألفاظ والكلمات وحدها؟ أم لعلها أفعالنا، ومواقفنا الإنسانية، وأثرنا الخالد، وصدقاتنا الجارية، وكل بذرة خير نغرسها في تربة هذه الحياة لتبقى حين نرحل؟

وحين نتأمل كيف لهذه الباقيات من الأفعال والأثر أن تصقل الإنسان وتسمو بكيانه، ندرك أن هذه الرحلة الباطنية لا تحدث عشوائياً، بل تحكمها نواميس دقيقة ومحطات معرفية واضحة خطها عمالقة الفكر والتصوف الإسلامي.

ولتخطيط هذا التحول الباطني ورسم خريطة ارتقاء الوعي البشري، فصّل العارف الأندلسي الكبير محيي الدين ابن عربي) الملقب بشيخ العارفين ( في سفره الخالد “الفتوحات المكية” وفي إشاراته العميقة في “الفصوص” تفاصيل مراتب الروح، مبيناً كيف أن النفس تتبدل من طور إلى طور. وإلى جانبه، أبدع الإمام الغزالي في “إحياء علوم الدين” في تشخيص أمراض القلوب وأدواء النفوس، متأملاً مع غيره من الحكماء الإسلاميين الذين سبروا أغوار النفس كابن سينا في رسائله الرمزية والرازي في كتاباته الروحية، مؤكدين جميعاً أن النفس ليست كتلةً جامدة، بل تتطور عبر طبقات تطورية واضحة.

فهي تبدأ في مرتبة النفس الأمارة بالسوء، حيث يهيمن الإغواء على النزوات البدائية والرغبات الانفعالية والأنانية الجامحة. ومن خلال الاحتكاك ودروس المعاناة، ترتقي إلى النفس اللوامة، وهي الضمير المستيقظ حيث تشعر الروح بالذنب بعد الزلل، منبهةً لنقائصها ومسائلةً مسارها. ومع تعمق الرحلة، تبلغ النفس الملهمة، وهي مرتبة تستيقظ فيها البصيرة وتتلقى الروح ومضات الإلهام الإلهي، موازنةً بين كبح الجموح والفهم الأرقى. وأبعد من ذلك تكمن النفس المطمئنة، حالة الانسجام العميق حيث يذوب الصراع الداخلي وتجد الروح السلام المطلق في ذكر أصلها. وخلف هذه تستقر المحطات الأسمى للتسليم التام؛ الحالات المنيرة والمكتملة التي ترضى فيها النفس عن الله وترضى عنه، لتتوج في الإنسان الكامل المُحقق.

فَهِمَ العارفون هذا التدرّج الباطني بمدلولاته العميقة، فتجلّت آيات القرآن الكريم كمرآةٍ صادقة لهذا المخاض الروحي. فمن طغيان الهوى والجموح إلى يقظة الضمير، تتجسد مسيرة الإنسان في قوله تعالى:

وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى

لتؤكد هذه الآيات الكريمة أن جوهر الارتقاء الإنساني وعنوان تمام النفس يكمنان في جهاد الهوى وكبح جماح الأنانية، صعوداً بالروح من عتمة الغفلة إلى فضاء السكينة والرضا، ووصولاً بها إلى غايتها القصوى في جوار ربها مطمئنةً مرضية.

وهكذا يكتمل المعنى القرآني لرحلة النفس وارتقائها في سورة الشمس، حيث يربط الحق سبحانه وتعالى فلاح الإنسان وزكاة نفسه بجهادها وصعودها من درك الغفلة إلى معارج النور، فيقول جلّ شأنه:

وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مِنْ دَسَّاهَا

لتأتي هذه الآيات الكريمة كإطار إلهي جامع لمراتب الروح وتطورها؛ فالتسوية الإلهية منحت النفس الاستعداد والقدرة على الاختيار بين طريق الفجور وطريق التقوى. والفلاح كل الفلاح محجوز لمن سعى في تطهير نفسه وتزكيتها بالارتقاء بها من منازل الانكسار والغفلة إلى مراتب السكينة والتمام، بينما الخسران لمن أطفا نورها وأهمل جوهرها في أسر التراب والأهواء.

وما إن ترتقي النفس في هذه المراتب وتتطهر من أدران الغفلة، حتى يتحول الكون من مجرد مسرح عبثي أو فراغ أصم لا مبالٍ إلى كائن حيّ ناطق بالمعنى، تتنفس أسراره في كل ذرة وحركة. ففي الفلسفة والعرفان الصوفي، لا تُعدّ الأسماء الإلهية الحسنى مجرد ألقاب لاهوتية أو صفات جلال وجمال مسطورة في الأوراق، بل هي النواميس الحية والفاعلة التي يُدار بها الوجود لحظةً بلحظة. وكل ذرة في هذا الكون الفسيح تصبح مرآة صقيلة تعكس وجهاً من تلك الأسماء، فتكشف عن تجليات إلهية لا تنقطع.

فاسم “الرحمن” و”الرحيم” لا يقتصران على المعاني المجردة، بل تراهما مجسدتين في أقوى صورهما الحية في ذلك العطاء الفطري الخالص، كحب الأم وعمق حنانها وهي تحتضن وليدها بلا شروط ولا حساب، أو في المطر الذي يُحيي الأرض الميتة المقفرة. وحين يتأمل العقل “الحكيم”، يلمس هندسة الكون ودقته المذهلة في تناغم الأنظمة البيئية، حيث تتقاطع سلاسل الحياة بانتظام مدهش لا يعتليه الخلل، ويؤدي كل كائن – مهما صغر – دوره المرسوم في سيمفونية البقاء. أما اسم “الودود”، فيتكشف في خيوط الخفاء التي تربط القلوب بالألفة والتعاطف، لتنتشل الإنسان من وحشة العزلة وتهب روحه الدفء والرَّاحَة.

ويظهر اسم “اللطيف” في تدبير الأمور الخفي، حيث تساق الأقدار عبر مسارات دقيقة لا يدركها العقل إلا بعد حين، لتقي الإنسان شروراً كادت تحيق به. ويتجلى اسم “الخالق البارئ المصور” في بديع الصنعة في تفاصيل الطبيعة وتمازج الألوان في الوجود. بل حتى اسم “الجبار”، الذي قد يتبادر للذهن في معناه القهري، يظهر في ألطف صوره حين يتدخل ليجبر القلوب المنكسرة ويسكب عليها السكينة، بينما يتجلى اسم “القهار” في هيبة القوانين الكونية الكبرى ونفاذ القدر الأزلي الذي يخضع له كل متكبر وجبار في الأرض، مذعناً لعظمة المطلق وحتمية النظام الأبدي. وحين يتبدى اسم “القهار” في وجدان العارف، فإنه لا يراه عنفاً، بل قهرًا لكل نوازع الهوى والغرور في النفس البشرية، لكي تخضع لحقيقة الكمال الإلهي وتحرر من أسر العبودية للمخلوقات. وفي الوقت ذاته، تلتئم جراح التاريخ وتوازن العدالة الإلهية كفة العالم عندما يغرق في الفوضى والظلم. وحين ينظر العارف إلى اتساع الملكوت وما فيه من أرزاق لا تنقطع وعطاءات لا تتوقف، يتجلى اسم “الرزاق” و”الكريم” في كل نبضة حياة، بينما يتألق اسم “البصير والسميع” في إحاطة الإله المطلقة بكل خفايا النفوس وأنين الدعوات الصامتة في ظلمات الليل.

ويتجلى الاسم الإلهي الجليل “المُميت” في أعظم معانيه بعيداً عن مفاهيم الفناء المطلق أو العدم البحت، لنراه ماثلاً في حكمة الفناء المؤقت والتحول الضروري لاستمرار الحياة وبقائها؛ فالموت في السنن الكونية ليس إلا بوابة للبعث والانبثاق، تماماً كما تتجسد تجلياته في ذبول الأوراق الخريفية وسقوطها لتتحلل وتغذي التربة، فتمنح الحياة من جديد لبراعم الربيع وأزاهير الجوري. وعلى مستوى النفس البشرية والجهاد الباطني، يظهر اسم “المُميت” في أعلى درجاته حين يميت الإنسان بداخل نفسه نزوات الغرور، وحظوظ النفس العابرة، والأنانية الجامحة، ليحيي قلبه باليقين والتسليم، فكل موت لصغيرة من صغائر الهوى هو ميلاد جديد لروح مطمئنة تدرك أن زوال الفاني هو الشرط الأزلي لتجلي الباقي المطلق.

مكابدة النفس في محراب المعنى:

ولكن، ليس الأمر بهذه السهولة؛ فالوصول إلى هذه المنزلة يتطلب مكابدةً مريرة وجهاداً داخلياً لا ينقطع، لا سيما حين تكون “النفس اللوامة” قاسيةً على صاحبها، تحاسبه على كل هفوة، وتؤنب ضميره عند كل التفاتة، وتجعله معلقاً بين الأمل والشعور الدائم بالتقصير. إنها معركة لا هوادة فيها بين العقل المتمرد والقلب المتعطش للطمأنينة، حيث يخوض المرء حروبه الصامتة في خلوات الروح وبين جدران الذات، مصارعاً أشباح الشك واليأس تارةً، ووطأة الأسئلة وثقل الأوزار تارةً أخرى. وحين تستبد هذه النفس بلومها العنيف، يكاد الباحث عن الحقيقة أن يترنح تحت وطأة الحيرة، لولا ومضات الرجاء التي تتسرب خلسةً لتضيء عتمة الصدر.

حين تتعلم الروح المتفكرة، بعد كل هذه المعاناة والنزاعات الباطنية، أن تنظر إلى الوجود عبر هذه النافذة، تبدأ فوضى أيامنا المعاصرة في الاستواء والتجلي، وتتحول كل محنة إلى محراب طاهر يتعلم فيه القلب لغة الحق المطلق.

غير أننا، وأثناء هذا التأمل العميق، لا نملك إلا أن نصطدم بحقيقةٍ عميقة: إن بلوغ مرتبة “النفس المطمئنة” أو “الراضية المرضية” ليس بنزهةً يسيرة، بل هو جهاد دائم وشاق وسط زحام هذه الحياة المادية الصاخبة، حيث نغرق كل يوم في تفاصيلها المشتتة ونكاد نفقد البوصلة؛ فحين تتقاذفنا أمواج الصخب اليومي، وتتجاذبنا رغبات العصر ومغرياته، تصبح العودة إلى الذات والتحكم ببوصلة الروح معركةً خفية لا تنتهي، نحتاج فيها مراراً وتكراراً إلى بتر تعلقاتنا الفانية، ومجاهدة أهوائنا الكامنة، لكي نتمكن وسط هذا الضجيج الهائل من سماع صدى الطمأنينة الحقيقية والثبات على طريق النور.

وهنا تحديداً تكمن المفارقة العميقة التي تعيد ترتيب أرواحنا؛ فعلى عكس أسطورة “سيزيف” المحكوم بأن يطارد صخرته الملعونة لتتفتت أو تتدحرج هاربة إلى أسفل في كل مرة (لا لكي تكون السقطة غايةً بل ليتضاعف العذاب في عبثية التكرار الأبدي)، فإن مجاهدتنا الباطنية نحن ليس فيها من العبث شيء. وكما أدرك المفكر الفرنسي الجزائري ألبير كامو، إن “المكابدة نحو الأعالي وحدها تكفي لملء قلب الإنسان، بل ويجب أن نتخيل سيزيف سعيداً”. إن مجرد هذه المحاولة الصادقة للوصول إلى النور وسط عتمة المادة تجعل الرحلة بأسرها جديرةً بأن تُعاش. لندرك أخيرًا أن السلام الحقيقي لا يُلتمس بالهروب من هذا العالم، بل بقراءته بعين القلب قراءةً صحيحة نابضة بالحياة، وكما يذكرنا مولانا جلال الدين الرومي بصدق النَفْس ومرآتها:

إن كنت تبحث عن النور، فاحفر في داخلك لا في الخارج؛ فالنفس مرآة صافية، متى صفت رأت وجه الله في كل شيء.