المؤنسات الغاليات: هبة الرحمن.. وريحانة القلوب

بقلم : د/ مدحت عــلي أحمد وِربي
من علماء الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف المصرية.

كلمات في حق البنات المؤنسات الغاليات
الحمد لله الرحيم اللطيف بيده الأمر والتصريف أعرف المعارف لا يحتاج إلي تعريف والصلاة والسلام علي البشير النذير الحبيب الشريف .

كانت العرب تقول : “مِنْ يُمْنِ المرأة أن تلد الأنثى قبل الذكر؛ لأن الله تعالى بدأ بالإناث، ولعِظَم مكانة البنت، ومنزلتها السامية، وبَرَكتها المتعدية؛ ذَكَرها المولى – عزَّ وجلَّ – في معرِض الامتنان على عباده، ونَعَتها بالهِبة؛ فقال تعالى: { لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ ‌يَهَبُ ‌لِمَنْ ‌يَشاءُ ‌إِناثاً ‌وَيَهَبُ ‌لِمَنْ ‌يَشاءُ ‌الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (50)(الشوري : 49: 50).

قال ابن عبد البر المالكي : الْبنون نعم، والْبنات حسنات، واَللّه -عز وجل- يحاسب على النّعم، ويجازي على الحسنات ،فالبنت حسنة من حسنات والديها وهي ريحانة لهما وهي قرة العين .

قال رسول الله ﷺ لما بشر بفاطمة وهي أصغر بناته ﷺ: «ريحانة أشمها ورزقها على الله وكان يكنّيها بـ”أم أبيها ويقول أيضًا ﷺ: «فاطمة بضعة منى يسوؤني ما يسوؤها ويسرُّني ما يسرُّها.»
عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” لَا ‌تَكْرَهُوا ‌الْبَنَاتِ، ‌فَإِنَّهُنَّ ‌الْمُؤْنِسَاتُ ‌الْغَالِيَاتُ ” (أحمد/ 17373).

وكان معاوية ابن أبي سفيان يقول لإبنته عائشة : هذه تفاحة القلب!
وقيل: لو كان بين إخوة يوسف أخوات بنات لدافَعنَ عنه ووضَعنه في أعماق “القلب” لا في أعماق “الجُبّ” لكنها حكمة الله ..

لو أن بين إخوة يوسف أخت واحدة.. لمشت خلفه كما فعلت أخت موسى لتعيده لحضن أمه.
كما قال الله تعالي :” وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (11) وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ (12).(القصص/ 11:12)….

فالأخوات والبنات ..لا يَعرِفن أبداً طريق “الجُبّ”.. وإنما يعرفن فقط طريق “الحبّ” ونصيحتي لك من لدية (أم أو أخت أو بنت أزوجة ) أن يقيديها بالحب ويغار عليها بالإهتمام …

أمَّا أكرم الخَلْق، وخير الرسل – صلَّى الله عليه وسلَّم – فما عاش له مِن الولَد إلا البنات، فكان – عليه الصلاة والسلام – أبًا لأربع بنات، أما حالُه مع بناته، وإكرامه لهنَّ، وعطفه عليهنَّ، فما ظنُّكم بقلْب كان يتدفَّق رحمةً ومحبَّةً لأصحابه، فكيف بذريته وبنياته؟!

لقد حباهنَّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – مِن الرِّعاية أعظمَها، وكساهنَّ من العناية أكرمَها، فعِشْنَ بعدَ ذلك في بيت النبوَّة حيياتٍ هاديات، تائباتٍ عابداتٍ مهديات رضي الله عنهن جميعا .

تروي لنا أمُّ المؤمنين عائشة – رضي الله عنها -تقول : ما رأيتُ أحدًا كان أشبهَ سمتًا ودلاًّ وهديًا برسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – من فاطمة – رضي الله عنها – كان إذا دخلتْ عليه، قام إليها، فأخذ بيدها وقبَّلها، وأجْلسَها مجلسَه، وكان إذا دخل عليها قامتْ إليه، فأخذتْ بيده، فقبَّلتْه وأجلستْه في مجلسها.

وللبنات على آبائهن حقٌّ معلوم، وواجبٌ محتوم، مَن فرَّط في حقها، فقد ظلم البنت، وخان الأمانة، وفرَّط في الأجْر الكبير الوارد في فضْل رِعاية البِنت والإحسان إليها.

إنَّ أول ما يجب على الأب تُجاهَ بنته ؛أن يُربيَها على الصلاح، ويغرسَ في قلبها بذرةَ التقوى، وينمِّي في شعورها مخافةَ الله ومراقبته، ويُغذي في وجدانها محبَّةَ الله ومحبَّة رسوله – صلَّى الله عليه وسلَّم – والاستسلامَ لأوامرهما، مع تعليمها منذُ صغرها الواجبات الشرعيَّة، والآداب الإسلامية.

الحياء سرُّ أنوثة البنت، وأصْل في فِطرتها ، فإنْ مشتْ فعلى استحياء، وإن تكلَّمتْ فعلى حياء، وإن عَمِلت منعها الحياء عن مماسَّة مواطن الرِّجال، وصَدَق الحبيب – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((الحياءُ كلُّه خير، والحياءُ لا يأتي إلا بخير)).

أيها الأب المبارك: يا عائلاً للبنات، أبشِر بحِجاب من النار، واستبشر بالجَنَّة دارِ أهل الأبرار، وابتهج بصُحْبة المصطفى النبي المختار.

روى البخاريُّ في “الأدب المفرد”، عن عقبة بن عامر – رضي الله عنه -: أنَّ النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – قال: ((مَن كان له ثلاثُ بنات، فصبر عليهنَّ، وكساهنَّ من جِدَته، كُنَّ له حجابًا من النار)).

وروى مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك – رضي الله عنه -: أنَّ النبيَّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – قال: ((مَن عالَ جاريتين حتى تبلغَا، جاء يوم القيامة أنا وهو – وضمَّ بين أصابعه)).

وروى الشيخان عن أمِّ المؤمنين عائشة – رضي الله تعالى عنها -: أنَّ النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – قال: ((مَن ابتُلي مِن هذه البنات بشيءٍ فأَحْسن إليهنَّ، كُنَّ له سِترًا من النار))… قال القرطبي – رحمه الله -: قوله – صلَّى الله عليه وسلَّم – ((بشيءٍ من البنات)): يُفيد بعمومه، أنَّ السِّتْر من النار يحصل بالإحسان إلى واحدة مِن البنات.

أيها الأب المبارك: بنتك وفَلِذة كبدك أمانةٌ في عُنقك، وسعادتُها في الحياة، واستقرار عيْشها يكون بحُسْن اختيارك لزوجها، فاحرصْ – رعاك الله – على ألاَّ تُسلمَ صفيتك إلا لِمَن ترضى دِينَه وخُلُقَه، وأمانتَه وسيرتَه، وفي الحديث يقول المصطفى – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إذا أتاكم مَن ترضَوْن خُلُقَه ودِينَه، فأنكحوه، إلا تفعلوه تكن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ عريض))؛ رواه ابن ماجه وغيره وصححه الحاكم.

أيها الكرام : لو علمتم مقام البنتِ في قلبِ أبيها ما أُهينت امرأة في بيت زوجها، ولا نامتْ ليلةً دامعة العين، ولا مكسورة الخاطر ، فالبنتُ قطعةُ القلبِ بل هي كل القلب ، فالبنت غرس رقيقُ سُقيَ بماءِ القلب، والبنت الضلعُ الضعيفُ الذي حُرِسَ بأهدابِ العين، ولولا أنها سُنة الدين والفطرة التي فطرَ اللهُ تعالي الناسَ عليها ما فرَّطَ أبٌ بابنته لزوجٍ ولو كانَ أكرم الناس، فإنَّ فراق البنت غُربة، وبُعدها عن بيت أبيها عذاب وخُلو البيتِ منها ألم مُوحش، ولكنها سنة الدين ، وبهذا تستقيم الحياة ، وبعضُ الفراق لا بُد منه.!

فترفَّقوا يرحمُكُم الله بالبنات ، فما هُنَّ إلا كالأسيراتِ، فقيِّدوهُنَّ بالحُب، وكبِّلوهُنَّ بالمعروف، وضيِّقوا عليهنَّ بالعِناق، تتسعُ لكم وبكم ولهنَّ الحياة، فالأحضانُ أوسعُ الأماكنِ الضيقةِ على هذه الأرض!

والبناتُ لسنَ سلعاً للبيع يُقدَّمْنَ إلى من يدفع مهراً أكثر! بل البناتُ أماناتٌ، فأدُّوا الأماناتِ إلى أهلها، إلى من ارتضيتَ دينه وخلقه، إلى من رأيتَم أنه قادر على صونها وإسعادها، إلى من أخذها من أهلها ليكون أهلها .