سلسلة مقالات “الفتنة الكبرى وأثرها في الوعي الجمعي الإسلامي “
(اللقاء السادس)
بقلم / د. بدر الفيومي
دكتوراه فى الفلسفة والفكر العربى والاسلامى المعاصر
حريٌ بنا ونحن نستقري صفحات التاريخ الإسلامي، وتحديداً في هذا اللقاء السادس من سلسلة “الفتنة الكبرى”، أن نتوسل بأدوات التحقيق العلمي الرصين، نائين بأنفسنا عن عواصف العاطفة الجوفاء والتدليس التاريخي الذي روجت له منصات الفتنة قديماً وحديثاً.
الأمر الذي يدفعنا لزاماً إلى التمحيص المعمق في تلك الأراجيف التي نسجتها خيوط التآمر ضد ذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه، والوقوف بمتانة على أسباب تلك النقمة المصطنعة التي قادتها غوغاء السبئية.
والسبئية هي فرقة غالية تنسب إلى عبد الله بن سبأ (المعروف تاريخيا بابن السوداء) -الذي تناولناه في لقائنا الماضي-، وهو رجل يهودي من أهل صنعاء أظهر الإسلام في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه. وحقيقة السبئية باختصار أنهم يمثلون أول حركة سرية منظمة طعنت في جدار الوعي الجمعي للأمة، وقامت على نهج التدمير الداخلي عبر زرع الأفكار الدخيلة والمناهضة للخلافة الراشدة.
أولاً: خيوط المؤامرة السبئية.. الرسائل الملفقة وصناعة الزيف:
إذا ما حاولنا رصد الجذور الأولى للفتنة، نجد أن كثرة الرسائل الملفقة وتزوير الكتب كانت بمثابة الشرارة التدميرية والأداة الإعلامية الأخطر في خلخلة الوعي الجمعي للأمة. حيث اعتمد حركيو الفتنة على أسلوب التزوير الممنهج على ألسنة كبار الصحابة لتأليب الولايات؛ فقد روي عن مسروق أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت بعد مقتل عثمان: “تركتموه كالثوب النقي من الدنس، ثم قربتموه تذبحونه كما يذبح الكبش”، فقال لها مسروق: “هذا عملك، كتبت إلى الناس تأمرينهم بالخروج عليه”، فقالت عائشة مقسمة: “والذي آمن به المؤمنون وكفر به الكافرون، ما كتبت لهم سواداً في بياض حتى جلست مجلسي هذا”. ويعلق الإمام الأعمش على هذه الحادثة كاشفاً آلية التزوير بقوله: “فكانوا يرون أنه كُتب على لسانها”.
وقد كان لعبد الله بن سبأ أتباع وخلايا في شتى الولايات (كالكوفة والبصرة ومصر)، وكانوا يرسلون إليه ويرسل إليهم عبر نسق تضليلي خبيث؛ حيث يكتبون ملاحق وتقارير مفبركة يتبادلونها بين الأمصار: (أن فعل بنا الوالي كذا بأمر عثمان، وذهبنا إلى المدينة ففعل عثمان بنا كذا، وعثمان فعل بأصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- كذا”.
ولم يتوقف هذا التجديف عند هذا الحد، بل اصطنعوا رسائل منسوبة لرموز الأمة، فكانوا يقولون للأعراب: (جاءتنا رسالة من الزبير بن العوام ينكر على عثمان، وجاءنا خطاب من علي بن أبي طالب، وجاءنا كتاب من أم المؤمنين عائشة). أمام هذا الضخ الإشهاري الزائف، تأثر الأعراب والجهلاء الذين لا يفقهون من دين الله إلا الشيء اليسير بهاتيك المفتريات، وغلّت القلوب على الخليفة الراشد.
ثانياً: طبيعة المجتمع في عهد عثمان وظهور نزعات التمرد:
وإذا ما انتقلنا إلى المحور الاقتصادي والاجتماعي وفهم طبيعة الحاضرة في الوقت المعيش لعهد عثمان، نرى أن الرخاء المادي الذي أصاب الأمة مع تتابع الفتوحات وكثرة الغنائم كان عاملاً حاسماً في إيقاظ طبائع الدنيا وتنافس أهل الأهواء عليها. وقد كان الجهاد في أوجه، والرخاء من عادته أن يورث مثل هذه الأشياء عند البعض لبطرهم وعدم شكرهم. وفي وصف هذا الثراء التاريخي، يقول الإمام الحسن البصري رحمه الله: (قلما يأتي على الناس يوم إلا ويقتسمون فيه خيراً، حتى إنه ينادى: تعالوا عباد الله، خذوا نصيبكم من العسل، تعالوا عباد الله، خذوا نصيبكم من المال).
بيد أن هذا النعيم قوبل بعدم قبول وتذمر من قِبل أفراد وشرائح لم تنل من الغنائم والمناصب ما يوافق شهواتها. أضف إلى ذلك، ملمحاً اجتماعياً بالغ الخطورة تمثل في القبائل العربية التي ارتد بعض رجالها في خلافة أبي بكر، ثم عادوا إلى الإسلام بعد أن قوتلوا؛ فبعضهم رجع عن قناعة وتوبة، وبعضهم رجع وفي القلب شيء من نفاق وضغن، حيث استثقلت نفوسهم أن تكون الريادة السياسية والدينية دائماً في قريش.
وقد صاغ ابن خلدون هذه الظاهرة العصبية في نهج تحليله التاريخي قائلاً:(وجَدَت بعض القبائل العربية الرئاسة لقريش، وأنفت نفوسهم، فكانوا يظهرون الطعن في الولاة، ووجدوا في لين عثمان فرصة لذلك).
وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه شديداً مهاباً تفر منه النفوس الجامحة، وكان عثمان رضي الله عنه حليماً رءوفاً يميل إلى العفو والمسامحة. لدرجة كبيرة تبدو لقصار النظر أن هذا اللين كان ضعفاً، لكنه كان حلم الوالد الشفيق؛ ولهذا قال عثمان رضي الله عنه متحدثاً عن قادة الفتنة وعصابة الغوغاء حين حاصروه في داره: (أتدرون ما جرأكم علي؟، ما جرأكم علي إلا حلمي). ويؤكد عبد الله بن عمر رضي الله عنهما هذه المفارقة النفسية في المجتمع بقوله حاسماً: (والله لقد نقموا على عثمان أشياء، لو فعلها عمر ما تكلم منهم أحد)، ناهيك عن أن عثمان كان يترك ويعفو عن هناتهم فاستغلوا كرم شمائله ليتجرؤوا على مقامه.
وعلى الرغم من المقامات الثابتة لعثمان بنص الوحي؛ كبشارة النبي -صلى الله عليه وسلم- له بالجنة (على بلوى تكون) كما في حديث أبي موسى الأشعري، وقوله -صلى الله عليه وسلم- وهو يقلب دنانير عثمان في جيش العسرة: (ما ضرّ ابن عفان ما عمل بعد اليوم)، وشهادة جبل أُحد له بالشهادة حين رجف وبصحبته النبي وأبو بكر وعمر؛ إلا أن المشككين والمتأولين من السبئية أشاعوا فرية (تولية الأقارب) كمطعن سياسي لخلعه.
وإذا ما حاولنا إمرار هذه الدعوى عبر غرابيل النقد العلمي الحصيف، يتكشف لنا تهافتها من عدة أوجه تاريخية قطعية: إذا كانت تولية الأقارب مطعناً، للزم أن تكون مطعناً في الإمام علي رضي الله عنه وفي صنيع النبي -صلى الله عليه وسلم- من قبل، وهذا باطل قطعاً. بل إن شيخ الإسلام ابن تيمية يقرر في هذا الصدد: (لا نعرف قبيلة من قبائل قريش فيها عمال لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- أكثر من بني أمية؛ لأنهم كانوا كثيرين، وفيهم شرف وسؤدد).
ثم إن عثمان لم يعين أقاربه في زمن واحد؛ فقد ولى الوليد بن عقبة على الكوفة ثم عزله بحد الشرع لما ثبت عليه شرب الخمر، وولى مكانه سعيد بن العاص، ولم يتوف عثمان إلا وقد عزل سعيداً أيضاً بناءً على رغبة أهل الكوفة. وعند استشهاده، لم يكن يحكم من بني أمية إلا ثلاثة فقط في دولة ترامت أطرافها من السند إلى إفريقية. أما اضطراب أهل الكوفة وتمردهم على الولاة (كعزلهم لأبي موسى والوليد)، فليس عائداً لضعف عثمان، بل لطبيعة تلك الحاضرة المعيشة؛ فالكوفة حاضرة عُرفت بالتمرد عبر التاريخ، وهي التي دعا عليها علي بن أبي طالب سأماً منهم، وغدر أهلها بالحسن بن علي، ونقضوا العهد مع مسلم بن عقيل، وقتلوا الحسين بن علي رضي الله عنهما.
ولذلك، فإن عزل عثمان لبعض الولاة هناك لا يعتبر مطعناً في كفاءة الولاة، بل هو دليل على سعة صدر عثمان ومداراته لشقاق أهل المدن المتمردة. ناهيك عن أن هؤلاء الولاة حققوا إنجازات استراتيجية؛ فعبد الله بن سعد بن أبي السرح هو بطل الفتوحات الإفريقية وصاحب معركة ذات الصواري، وقد قال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء: (لم يتعد، ولا فعل ما ينقم عليه بعد أن أسلم عام الفتح، وكان أحد عقلاء الرجال وأجوادهم).
ثالثا: حقيقة المآخذ المزعومة.. ودحض فرية نفي أبي ذر وهبة خُمس إفريقية:
انبرى المجتزئون والمجترئون على مقام الخلافة لإشاعة فرية نفي الصحابي الزاهد أبي ذر الغفاري رضي الله عنه طرداً وإهانة إلى الربذة. وهنا يتوجب التفريق بين روايات الكذابين وروايات الأثبات:
-
الرواية الساقطة: هي ما رواه سيف بن عمر الضبي (وهو متروك متهم بالوضع والتشيع عند أهل الحديث)، وزعم فيها أن معاوية وقع بينه وبين أبي ذر كلام بالشام، فأرسله إلى عثمان مهاناً فطرده عثمان إلى الربذة.
-
الرواية الصحيحة العادلة: هي ما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه عن زيد بن وهب قال: مررت بالربذة، فإذا أنا بأبي ذر رضي الله عنه فقلت له: ما أنزلك هذا المنزل؟ فقال بكل وضوح:(كنت بالشام، فاختلفت أنا ومعاوية في الذين يكنزون الذهب والفضة (آية الكنز)، فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب، وقلت أنا: نزلت فينا وفيهم، فكتب معاوية إلى عثمان يشكوني. فكتب إلي عثمان أن أقدم المدينة فقدمتها، فكثر على الناس حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك، فذكرت ذلك لعثمان، فقال لي عثمان: إن شئت تنحيت فكنت قريباً، فذاك الذي أنزلني هذا المنزل، ولو أمروا علي حبشياً لسمعت وأطعت).
مجلة روح الاسلام فيض المعارف