الأكاديمية العسكرية في مواجهة الأفكار الهدامة
24 يونيو، 2026
الأزهر الوسطى

بقلم / الدكتور : محمود حسن محمود
ادارة التحرير والترجمة والنشر بالمجلس الاعلى للشئون الاسلامية
من الواضح أن كل من يتهكم على التدريب العسكري للأئمة هم أصحاب مصالح يخشون تحجيم وجودهم داخل أروقة الجهاز الدعوي في مصر؛ فهم يريدون أن يصولوا ويجولوا بأفكارهم فوق المنابر، غير مبالين بوقت، ولا ملتزمين بموضوع. وما زال وجودهم ظاهراً في المؤسسات الدعوية، يخفون في أنفسهم ما لا يريدون إبداءه في العلن، يتلونون بكل لون، ويظهرون الولاء للدولة والوزارة التي يعملون بها، وهم في الحقيقة يكرهون كل ما يتحدث عن مصر، وكل من يخالفهم من المحبين لآل البيت.
ولنلقِ الضوء على هذه الفكرة، وعلى دور الأكاديمية العسكرية في مجال الدعوة.
دور الأكاديمية العسكرية في إعداد وتأهيل الدعاة: رؤية استراتيجية للجمهورية الجديدة
تعد الأكاديمية العسكرية المصرية صرحاً وطنياً شاملاً؛ لا يقتصر دورها على تخريج القادة العسكريين فحسب، بل يمتد ليشمل صياغة الشخصية المصرية الوطنية المتكاملة. وفي ظل التحديات المعاصرة التي تواجه الدولة، برزت أهمية دمج الدعاة والأئمة ضمن منظومة التدريب والتأهيل التي تقدمها الأكاديمية؛ ليكونوا خط الدفاع الأول عن الوعي المجتمعي وقيم الوسطية والاعتدال.
أولاً: صقل الشخصية الانضباطية والقيادية :
يعد الانضباط جوهر العمل الدعوي؛ فالدعوة إلى الله تتطلب حكمة، وتنظيماً، وقدرة على إدارة الوقت والذات. ويوفر التدريب في الأكاديمية العسكرية للدعاة:
بناء العزيمة: غرس قيم الصبر والجلد وتحمل المسؤولية، وهي صفات جوهرية للمتصدر للخطابة والفتوى.
القيادة الواعية: التدريب على مهارات القيادة والعمل الجماعي، مما ينعكس إيجاباً على أداء الإمام في قيادة مجتمعه الصغير (المسجد وما حوله) وتوجيهه نحو البناء والتنمية.
ثانياً: تعزيز الولاء والانتماء ومواجهة الحروب الفكرية:
يعيش العالم اليوم حالة من “حروب الجيل الرابع” التي تستهدف تزييف الوعي وتفكيك الثوابت الوطنية. ويكتسب الداعية من خلال التدريب العسكري:
حس الأمن القومي: إدراكاً عميقاً لمفهوم الدولة الوطنية، ومؤسساتها، والمخاطر التي تهدد استقرارها.
التحصين الفكري: القدرة على تفكيك الأفكار المتطرفة والهدامة، ليس فقط من منظور شرعي، بل من منظور وطني شامل يدرك أن الحفاظ على الدولة هو الحفاظ على بيئة الدعوة ذاتها.
ثالثاً: الإعداد البدني والذهني :
الدعوة رسالة تتطلب طاقة وحيوية، والتواجد في بيئة الأكاديمية العسكرية يساهم في:
اللياقة البدنية: الارتقاء بصحة الداعية، مما يمنحه القدرة على القيام بمهامه الدعوية والاجتماعية بنشاط أكبر.
المرونة الذهنية: التدريب على سرعة البديهة وحسن التصرف في المواقف الحرجة، وهو ما يحتاجه الداعية في التعامل مع مختلف الشرائح الاجتماعية والأسئلة المعاصرة.
رابعاً: الداعية كنموذج للمواطنة الصالحة :
الهدف الأسمى من هذا التأهيل هو تقديم “داعية الجمهورية الجديدة” الذي يجمع بين أصالة التراث وحداثة الفكر. فالداعية الذي يتخرج من هذه الأكاديمية يدرك أن:
الدين وعمارة الأرض: علاقة تكاملية بين رسالته الدينية وبين جهود الدولة في البناء والتنمية.
القدوة العملية: يكون الداعية منضبطاً في مواعيده، مرتباً في فكره، ومؤمناً بقيم العمل والإنتاج، مما يجعله قدوة حقيقية لشباب الوطن.
خاتمة:
إن دمج الدعاة في برامج الأكاديمية العسكرية ليس مجرد إجراء إداري، بل هو استثمار استراتيجي في “القوة الناعمة” للدولة المصرية. إن هذا التأهيل النوعي يضمن لنا دعاةً لا يكتفون بنقل النصوص، بل يمتلكون أدوات العصر، ويدركون أبعاد الأمن القومي، ويقفون بصلابة في وجه أي محاولات لاستغلال المنابر في غير صالح استقرار الوطن وبناء الإنسان.
وختاماً، نقول إن الأكاديمية العسكرية ما جاءت إلا لإنقاذ الجهاز الدعوي من الانهيار، ومن سيطرة الأفكار الهدامة على الوعي الجمعي للمجتمع.