الأزهر الشريف… حصن الأمة لا يُهدم بالتشنيع

بقلم الشيخ : عبدالله قدري سعد الكتاني

من أعجب ما نراه في زماننا أن هناك من إذا سمع اسم الأزهر الشريف تأفف، وإذا نُقل له قولٌ لعالم أزهري رده قبل أن ينظر في دليله، وكأن المشكلة ليست في القول، وإنما في الجهة التي صدر عنها. وهذا ليس من الإنصاف الذي أمرنا الله به، ولا من المنهج العلمي الذي سار عليه أئمة الإسلام.

لقد بقي الأزهر الشريف أكثر من ألف عام منارةً للعلم، ومقصدًا لطلاب الشريعة من شتى بقاع الأرض، وحصنًا حافظًا للعلوم الإسلامية في أوقاتٍ عصفت فيها بالأمة الفتن والاحتلالات والتحديات. ومن بين أروقته تخرج آلاف العلماء الذين حملوا القرآن الكريم والسنة النبوية إلى مشارق الأرض ومغاربها، وأسهموا في نشر العقيدة الصحيحة والفقه والحديث والتفسير واللغة.

ولا يعني هذا أن الأزهر أو علماءه معصومون من الخطأ؛ فالعصمة ليست إلا لرسول الله ﷺ، وكل أحد يؤخذ من قوله ويُرد إلا صاحب هذا المقام الشريف. لكن الخطأ يُناقش بالدليل، ويُرد بالحجة، لا بالصياح، ولا بالتشهير، ولا بإسقاط مؤسسة علمية عريقة بسبب اجتهاد عالم أو زلة فرد.

ومن المؤسف أن بعض النابتة في هذا الزمان لا يقرؤون ما يُكتب، ولا يتأملون الأدلة، وإنما يكتفون بإطلاق الأحكام والاتهامات، فإذا رأوا اسم الأزهر ثارت في نفوسهم الخصومة قبل أن يفهموا الكلام. وهذا مسلك لا يمت إلى طلب العلم بصلة، لأن طالب الحق يبحث عن الدليل، لا عن الأشخاص.

لقد اختلف العلماء عبر القرون، وكان بينهم نقاش وردود، لكنهم حافظوا على الأدب، وعرفوا لأهل العلم قدرهم، فلم يكن الخلاف سببًا للطعن في المؤسسات العلمية، ولا ذريعةً لإسقاط تاريخٍ كامل من خدمة الإسلام.

إن احترام الأزهر ليس تعصبًا لمؤسسة، وإنما هو احترام لتاريخ طويل من خدمة الدين، ولجهود آلاف العلماء الذين أفنوا أعمارهم في تعليم الناس كتاب الله وسنة رسوله ﷺ. ومن كان عنده اعتراض على قولٍ أو فتوى، فليأت بالدليل، وليتكلم بأدب العلماء، فإن الحق لا يخشى البحث، وإنما يخشى التعصب وسوء الأدب.

وسيظل الأزهر الشريف، بإذن الله، منارةً للعلم، وحصنًا من حصون الوسطية والاعتدال، مهما حاول المشككون النيل من مكانته. فالمؤسسات العريقة لا تهزها حملات التشنيع، وإنما تثبتها أعمالها، ويشهد لها تاريخها، ويكفيها أن الله قد سخّر لها رجالًا حملوا العلم وأدوه للأمة جيلاً بعد جيل.