الهجرة النبوية: رحلة إصلاح النفس قبل المكان

بقلم الشيخ: الشاذلي حجاج عبد الباسط العبادي
عضو الإدارة المركزية لشئون المساجد والقرآن الكريم بديوان عام وزارة الأوقاف

تتبعت مراحل الهجرة التي أمر بها سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم من حيث الترتيب في الأولوية في القرآن فتجلى لي من الدلالات اللطيفة أن سيدنا النبي-صلى الله عليه- وسلم قبل أن يؤذن له بهجرة البدن من مكة إلى المدينة، أُمر بهجرتين عظيمتين وكأن الله سبحانه أراد أن يهيئ قلبه وقلب أمته لمعنى الهجرة الحقيقي قبل الانتقال من مكان إلى مكان فكانت الهجرة الأولى في قوله تعالى:(والرجز فاهجر) وهي هجرة الباطل والمعصية وكل ما يقطع العبد عن ربه، فكانت أول هجرة في الإسلام هجرة قلبية وسلوكية، لأن القلب إذا لم يهاجر عن الذنب فلن تنفعه هجرة المكان.

وفي زماننا يدخل في ذلك هجر كل ما يفسد القلوب والعقول من الشبهات والشهوات، وهجر الظلم والغش وأكل الحقوق، وهجر الإدمان بمختلف صوره، وهجر المحتوى الفاسد الذي يقتحم البيوت عبر الشاشات والهواتف، فكم من إنسان غادر وطنا إلى وطن، ولم يغادر معصية إلى طاعة.

ثم تلمح أيها المحب ما أمر به الحبيب المصطفى من الهجرة الثانية في قوله تعالى:(فاصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا)

وهي هجرةالأذى والخصومات والاشتغال بالسفهاء، لا هجرة انتقام أو قطيعة، وإنما هجر جميل يصحبه الصبر والحلم وحسن الخلق.

وفي واقعنا المعاصر أحوج ما نكون إلى هذه الهجرة هجرة الجدل العقيم، والخصومات التي تستنزف الأعمار، والمعارك الوهمية على مواقع التواصل والتسرع في الحكم على الناس، والانشغال بكل ناعق ومثير للفتن فليس كل ما يقال يجاب عنه، وليس كل معركة تستحق أن نخوضها.

ومن هنا نفهم أن الهجرة النبوية لم تكن مجرد انتقال جغرافي، بل كانت ثمرة هجرات سبقتها:

(والرجز فاهجر): هجرة من الباطل إلى الحق.

(واهجرهم هجراجميلا): هجرة من الخصومات في العلاقات إلى الصبر.

ثم جاءت الهجرة إلى المدينة: هجرة من الاستضعاف إلى التمكين، ومن الضيق إلى السعة.

وكأن في ذلك رسالة خالدة لكل مؤمن: لا يفتح الله لك أبواب التغيير الكبرى حتى تحقق التغيير في نفسك أولا، فقبل أن تهاجر ببدنك من مكان إلى مكان لا بد أن تهاجر بقلبك من المعصية إلى الطاعة، ومن الغفلة إلى الذكر، ومن التعلق بالمظاهر إلى العناية بالجوهر، ومن الانشغال بأخبار الناس إلى إصلاح النفس والأهل والولد.

فما أحوجنا اليوم إلى هذه الهجرات الثلاث:

هجرة من الذنوب التي نألفها،وهجرة من الخصومات التي تفرقنا،وهجرة إلى معاني الإيمان والعمل والبناء والإصلاح.

هجرة من الذنب،ثم هجرة من الأذى،ثم هجرة إلى الله ورسوله.

وما بين هذه الهجرات الثلاث يتجلى فقه الهجرة في أسمى معانيه.