حجية حديث الآحاد في القرآن والسنة والإجماع

بقلم  الشيخ  : محمد حمدى الواعظ بالأزهر الشريف

سلسلة علم السنّة مايجب على كل مسلم العلم به المقال الرابع :

ثالثًا: حديث الآحاد:

وهو ما رواه عن رسول الله ﷺ شخص أو اثنان أو عدد لم يبلغ حد التواتر، ثم رواه عن هؤلاء مثلهم وهكذا حتى وصل الحديث إلى عصر التدوين فاشتهر، ويمثل هذا القسم الغالبية العظمى من السنة، ويسمى خبر الآحاد. وخبر الآحاد يفيد غالبية الظن من حيث وروده عن رسول الله متى توافرت فيه شروط الراوي التي وضعها علماء الحديث كالثقة والعدالة والضبط..

حجية خبر الآحاد:

هذه الأقسام الثلاثة من السنة المتواترة والمشهورة والآحاد حجة يجب العمل بها واتباع ما ورد فيها, ولكن لا يؤخذ بحديث الآحاد في الاعتقاد؛ لأن الأمور الاعتقادية تبنى على الجزم واليقين، ولا تبنى على الظن، ولو كان راجحًا؛ لأن الظن في الاعتقاد لا يغني عن الحق شيئًا . واتفق العلماء على الاحتجاج بخبر الواحد، ولكنهم اختلفوا في طريق إثبات خبر الواحد، فاشترط بعضهم شروطًا معينة للاحتجاج بخبر الآحاد، بينما اشترط آخرون شروطًا غيرها، وسنعرض لدراسة هذا الموضوع فنبين أدلة الاحتجاج بخبر الواحد، ثم نذكر شروط قبوله

أدلة الاحتجاج بخبر الواحد :

استدل العلماء على وجوب العلم بخبر الآحاد بالقرآن والسنة والإجماع والقياس والمعقول.

أولًا: القرآن الكريم:

ونقتصر على آيتين:

1- قال الله تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122) } [التوبة: 122] . فالفرقة ثلاثة، والطائفة واحد أو اثنان، والترجي من الله تعالى يعتبر طلبًا لازمًا، فالآية أوجبت الحذر وعدم الإقدام على ما يوجب العقاب بقول الطائفة المتعلمة، وهي واحد أو اثنان، مما يدل على أن خبر الواحد يجب قبوله

2 – قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6] ، فالآية أمرت بالتثبت من خبر الواحد إذا كان فاسقًا؛ لأن العلة في عدم قبول خبر الفاسق هي فسقه، لتعليق الحكم فيها بالفسق، أما خبر الواحد العدل فيجب قبوله والعمل به

ثانيًا: السنة:

ويستدل من السنة على حجية خبر الواحد وصحة الاعتماد عليه بأدلة كثيرة منها:

1 – قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم: “نَضّر الله عبدًا سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها، فرب حاملِ فقهٍ غيرِ فقيه، وربَّ حاملِ فقه إلى من هو أفقه منه … الحديث” فالرسول – صلى الله عليه وسلم – حبَّبَ ودعا إلى الاستماع إلى أقواله وحفظها ووعيها وأدائها من كل المسلمين، سواء كانوا أفرادًا أم جماعات، ولذا فإن نَقَلَ الحديث واحد أو اثنان أو ثلاثة فيجب قبول الخبر والعمل به

2 – قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم: “بلِّغوا عني ولو آية” فالحديث يأمر المخاطب بالتبليغ لإرشاد الناس ونصحهم إلى الخير، ولو كان خبر الواحد لا يجدي لكان الحديث عبثًا، والرسول منزه عن العبث.

3 – إن النبي – صلى الله عليه وسلم – بعث في وقت أحد اثني عشر رسولًا إلى اثني عشر ملكًا يبلغون رسالته، ويدعونهم إلى الإِسلام، وكان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يرسل الكتب إلى الولاة المسلمين بوساطة أحد الصحابة، وهذا يدل على أن الخبر الذي ينقله هذا المبعوث يجب قبوله والعمل به، وإلا لما فعله رسول الله – صلى الله عليه وسلم

4 – كان الصحابة ينقلون الأحكام الشرعية بأخبار الآحاد ويبلغونها إلى أهلهم وذويهم وإخوانهم، وقد أقرهم رسول الله على ذلك، فهذا من السنة التقريرية على قبول خبر الواحد، ووجوب العمل به.

ومثل ذلك حالة تحويل القبلة في مسجد قُباء بخبر أحد الصحابة، ومثل تحريم الخمر الذي نقله أحد الصحابة إلى بعض المسلمين الذين كانوا يتناولونه فامتنعوا عنه، وأراقوا الخمر، وكسروا الدنان

. ثالثًا: الإجماع:

أجمع الصحابة على العمل بخبر الواحد الذي يرويه واحد أو اثنان، والأمثلة على ذلك كثيرة لا تحصى، فقد عمل أبو بكر بخبر المغيرة بن شعبة في إعطاء الجدة السدس في الميراث، وعمل عمر بخبر عبد الرحمن بن عوف في أخذ الجزية من المجوس، لقوله – صلى الله عليه وسلم: “سُنُّوا بهم سنةَ أهل الكتاب” ، وعمل عثمان بخبر فُرَيْعة بنت مالك في اعتداد المتوفى عنها زوجها في بيت الزوجية، وعمل علي وابن عباس وغيرهما في وقائع مختلفة وأزمان متباينة دون أن ينكر عليهم أحد من الصحابة ذلك، فكان هذا إجماعًا على وجوب العمل بخبر الواحد

وإن أكثر السنة وردت إلينا آحادًا، فلو لم نعمل بها، ونحتج بما ورد فيها , لضاع قسم كبير من الشريعة، ووقع الناس في حرج، ولو لم يكن خبر الآحاد مقبولًا لوجب على الصحابة أن يلزموا رسول الله، ويعطلوا أعمالهم، وهذا لم يحدث قطعًا…

وقد اشترط العلماء شروطا لقبول حديث الآحاد والعمل به نذكرها إن شاء الله في الحلقة القادمة..

#يتبع