الهجرة النبوية.. حدث عظيم وشبهات مردودة
23 يونيو، 2026
قضايا وأحكام

بقلم أ.د طلعت عبد الله أبو حلوة أستاذ البلاغة والنقد
ووكيل كلية الدراسات الإسلامية والعربية جامعة الأزهر
تعد الهجرة النبوية من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة من أبرز أحداث التاريخ الإسلامي، حيث كانت نقطة تحول لمسار الدعوة الإسلامية من دار التعذيب والاضطهاد إلى دار التكريم والاحتفاء، ومن دار الرفض والخِذْلان إلى دار الإيواء والنصرة، كما تعد أيضًا نقطة انطلاق في مسار التشريع، فبعد أن كان التركيز في مكة على الدعوة إلى التوحيد وإقامة الصلاة والتعريف باليوم الآخر والتذكير به، توسع الأمر في المدينة، حيث فرض الجهاد والزكاة والصيام والحج وغير ذلك من التكاليف الشرعية كأحكام الميراث والزواج والطلاق والبيع وسائر الفرائض والمعاملات والحدود، كما تعتبر نقطة تنوع في الأسلوب القرآني المعجز من القرآن المكي الذي يغلب عليه الشدة، والإيجاز، وقِصَر الآيات، والنداء بـ “يا أيها الناس”، إلى القرآن المدني الذي يغلب عليه اللين، والبسط، والتفصيل، والنداء بـ “يا أيها المؤمنون”، أو “يا أيها الذين آمنوا”.
وقد وجدنا بعض الناس من المستشرقين أو ممن جندوهم من بني جِلْدتنا ممن ضعفت أفهامهم، وتقاصرت عقولهم، وكَلَّتْ أذهانهم، وسقمت نفوسهم، ومرضت قلوبهم، وعميت بصائرهم، قد أخذوا ينسجون الشبهات والأضاليل، ويحوكون الأكاذيب والأباطيل حول هذا الحدث العظيم الجَلَل الذي غَيَّرَ مجرى التاريخ.
فمنهم من يقول متسائلًا: كيف يثبت ويسند القرآن الكريم إخراج َالنبيِّ إلى الكفار في قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾، والظاهر أن كفار مكة كانوا حريصين على ألا يخرج من بينهم، ورجحوا القرار بقتله كما جاء في اجتماع زعمائهم في دار الندوة؟ والجواب على ذلك سهل وميسور، وهو أن ذلك من باب إسناد الفعل إلى سببه؛ لأن كفار مكة لما رفضوا قبول دعوة النبي -ﷺ- وآذوه هو وأصحابه، وضَيَّقوا عليه، اضطروه هو وأصحابه إلى الهجرة إلى غيرهم وهم الأنصار الذين استقبلوه هو وأصحابه المهاجرين، وآووهم، ونصروهم، وقَبِلوا دعوته، وآمنوا برسالته، فكان كفار مكة بهذا التضييق والرفض والاضطهاد والإيذاء سببًا في إخراجه وهجرته إلى غيرهم، ومعلوم أن المُكْرِه والمُتَسَبِّب كالفاعل المباشر، وكلٌّ منهما ضامن وغارم.
ومنهم من يزعم -وزعمه باطل مردود- بأن النبي محمدًا -ﷺ- هاجر من مكة هاربًا من الواقع، وكان الأولى به أن يبقى فيها ويواجه الواقع. ونقول له: إن النبي -ﷺ- لم يهاجر هَرَبًا من مواجهة الواقع، وإنما هاجر طلبًا لبيئة أخرى تصلح لاستقبال دعوته ونشر رسالته، وكأن الله -عز وجل- أوحي إليه بأن أهل مكة قد وقف بهم الأمر عند هذا الحد من الرفض والتَّأَبّي في استقبال الدعوة، كما أوحى إلى نوح -عليه السلام- بأنه لم يؤمن من قومه إلا من قد آمن، فاقتضى الأمر الانتقال إلى بيئة أخرى تصلح لاستقبال دعوة الإسلام، ونشر رسالته.
ومنهم من يدعي -وادعاؤه فاسد- بأن بَيات الإمام عليّ -كرم الله وجهه ورضي عنه- مكان النبي في بيته وعلى سريره يعد إلقاءً بنفسه إلى التهلكة. ونقول له: إن بَيات الإمام عليّ مكان النبي لم يكن كذلك؛ لأن بذل النفس فداء للنبي أمر مشروع، هذا بالإضافة إلى أن النبي حينما طلب منه أن يبيت مكانه أخبره وبَشَّرَه بأنه لن يخلص إليه أحد منهم بسوء، حيث قال النبي له: «نَمْ على فراشي، وتَسَجَّ ببردي هذا الحضرمي الأخضر، فنَمْ فيه؛ فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم)».
ومنهم من يتساءل منكرًا قائلًا: لماذا لم ينقل الله -سبحانه وتعالى- نبيه -ﷺ- من مكة إلى المدينة بطريق المعجزة كما حدث في الإسراء والمعراج؟ ونقول له: يا هذا إن الله -عز وجل- له طلاقة القدرة، يفعل ما يشاء كيف شاء ومتى شاء، ولكن لما كان أمر الإسراء والمعراج فوق طاقة البشر أجراه الله -عز وجل- على نبيه بطريق المعجزة الإلهية، ولما كان أمر الهجرة في مقدور البشر أجراه الله على يد نبيه بطريق الأخذ بالأسباب والتخطيط الإنساني والسنن البشرية مع حسن التوكل على الله -سبحانه وتعالى- الذي يحوط نبيه بالعناية الإلهية والرعاية الربانية حينما تعجز الأسباب البشرية، حيث أخرجه الله من بيته سالمًا وجُنْد الأعداء يحوطون به ابتغاء قتله والتخلص منه، ونجاه هو وصاحبه من الأعداء الذين لاحقوهما حتى وصلوا إلى الغار، وقال الصِّدِّيق أبو بكر له: «لو أنَّ أحَدَهم نَظَرَ تَحتَ قدَمَيه لَأبصَرَنا»، فطمأنه النبي بكل ثبات وإيمان ويقين بقوله: «ما ظَنُّكَ يا أبا بَكرٍ باثنَينِ اللهُ ثالِثُهما؟!»، كما نجاه هو صاحبه أيضًا من إيذاء سُراقة بن مالك لهما حيث أدركهما بالطريق وقد وُعِدَ بالجائزة الكبرى السخيّة السنيّة، فسقط وهوى من على فرسه، وغارت أقدامها وساخت في التراب، فتحول من عدو لدود جاهِدٍ عليهما في أول النهار إلى جندي حارس لهما في المساء!!! ولله در القائل:
وإذا العِنايةُ لاحَظَتْكُ عُيُونُها *** نَمْ فالمَخَاوِفُ كُلُّهُنَّ أَمانُ