
بقلم : أ . هالة أشرف
هناك طلبات تبدو منطقية لأنها تشبه حال أصحابها. فالمريض يطلب الشفاء، والفقير يطلب الرزق، والخائف يطلب الأمان. لكن بعض الطلبات في القرآن تبدو للوهلة الأولى غير متوقعة.
فبعد أن أخطأ سليمان عليه السلام، وبعد أن مر بابتلاء شديد، وبعد أن أناب إلى الله مستغفرًا، كان المنتظر أن يقف دعاؤه عند قوله: “رب اغفر لي”.
لكنه لم يفعل. لقد طلب شيئًا آخر. شيئًا أكبر بكثير.
﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾.
وهنا تتوقف النفس قليلًا أمام هذا الدعاء العجيب. فالمغفرة مفهومة، لأنها أول ما يخطر على البال بعد الذنب أو الابتلاء. أما المُلك فلا يبدو طلبًا متوقعًا في هذا الموضع. فكيف انتقل سليمان عليه السلام من الاستغفار إلى طلب أعظم مُلك عرفه التاريخ؟
ولعل السبب في غرابة المشهد أن الإنسان بطبيعته إذا أخطأ صغرت نفسه في عينيه. وإذا تعثر انخفض سقف أحلامه. وإذا شعر بالتقصير أصبح أقرب إلى الاكتفاء بالحد الأدنى من النجاة. وكأن الخطأ يقنع صاحبه بأنه لم يعد أهلًا للكثير.
ولهذا ينجح الشيطان مع كثير من الناس مرتين؛ مرة عندما يوقعهم في الخطأ، ومرة عندما يقنعهم أن الخطأ أصبح جزءًا من هويتهم. فيعيش الإنسان سنوات طويلة أسير لحظة ضعف واحدة، ويظل ينظر إلى نفسه بعين الذنب أكثر مما ينظر إليها بعين رحمة الله.
لكن سليمان عليه السلام يقدم صورة مختلفة تمامًا. فبعد الابتلاء لم يتوقف عند حدود النجاة. لقد توجه إلى الله بقلب يعلم أن خزائن الله لا تنقص بالعطاء، وأن الكريم إذا غفر لم يبقِ عبده واقفًا عند باب المغفرة فقط، لكنه يفتح له أبوابًا أخرى من الفضل والإكرام أيضًا إذا علم أن توبته حقيقية بقلب مؤمن معترف بالخطأ.
ومن هنا تبدو الآية وكأنها تصحح مفهومًا شائعًا عند كثير من الناس؛ وهو أن التوبة تعني الانكسار الدائم. بينما القرآن يقدم لنا توبة تعيد الإنسان إلى موضع القوة لا الضعف، وإلى الأمل لا اليأس، وإلى العمل لا التوقف.
إن سليمان لم يقل: اغفر لي فقط. ولم يقل: نجني من أثر ما حدث. لكنه رفع بصره إلى أفق أبعد؛ ذلك لأن قلبه كان ممتلئًا باليقين – كعهد الأنبياء المكرمين – أن الذي يمحو الذنب قادر على أن يمنح العبد من فضله ما لم يكن يتخيله.
ولعل الأجمل في الآية أن سليمان لم ينسب شيئًا إلى نفسه. فهو لم يطلب المُلك اعتمادًا على قوته أو مكانته أو نبوته، بل ختم دعاءه بقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾.
إن اسم الوهاب يحمل سر عظيم. فالوهاب لا يعطي لأننا نستحق لأن الكون كله بما فيه لا يساوى عند الله جناح بعوضة، إنما يعطي لأنه كريم. ويهب لأن خزائنه كثيرة ولأنه يحب العطاء.
وهنا يظهر الفرق بين من ينظر إلى نفسه ومن ينظر إلى ربه. فالذي ينظر إلى نفسه قد يرى ذنوبًا وأخطاء ونقائص تجعله يتردد في الطلب. أما الذي ينظر إلى الله فيرى ربًا غفورًا رحيمًا وهابًا كريمًا، فيطمع في فضله مهما عظمت حاجته.
ولذلك كان طلب سليمان للمُلك تعبيرًا عن ثقة كاملة في سعة العطاء الإلهي. لقد عرف أن الطريق إلى الله لا يبدأ من التوبة. وأن المغفرة بداية صفحة جديدة.
وربما لهذا السبب بقي هذا الدعاء خالدًا في القرآن. لأنه لا يتحدث عن النبي سليمان وحده، بل يتحدث عن كل إنسان يظن أن خطأه الماضي يمنعه من أن يحلم، أو أن يدعو، أو أن يطمع فيما عند الله. فتأتي الآية لتقول له إن باب الله إذا فُتح بالمغفرة، فلا يوجد سبب لإغلاقه أمام الرجاء. وإن التوبة الصادقة لا تجعل الإنسان أصغر، بل تجعله أقرب إلى الله، ومن كان أقرب إلى الله كان أحق بالأمل، وأوسع أفقًا في الدعاء، وأعظم ثقة في فضل ربه الوهاب.
مجلة روح الاسلام فيض المعارف