
بقلم: أ . مصطفى أحمد مصطفى
نرى في هذه الحقبة الزمنية التي كثرت فيها المعاصي والذنوب، وانتشرت فيها الأفعال الفاسدة، وارتُكبت فيها المحرمات والكبائر، حتى أصبحت هذه المنكرات ظاهرةً يشاهدها الناس في كثير من المجتمعات.
فاليوم لا يتردد بعض الشباب في ارتكاب المعاصي والذنوب، بل قد يقع بعضهم في الكبائر؛ كالزنا، والقتل، وتعاطي المخدرات بمختلف أنواعها، وغيرها من المحرمات. وكذلك قد تقع بعض الفتيات في مثل هذه المعاصي، فليست الفتنة مقتصرة على الرجال، بل قد تصيب الجميع.
ومع كثرة هذه الذنوب، هناك ذنب عظيم عدَّه كثير من أهل العلم من نواقض الإسلام إذا كان على وجه سبِّ الدين والاستهزاء به، وهو سبُّ الدين.فنرى في هذه الأيام بعض الآباء والأمهات يتلفظون بسبِّ الدين أمام أبنائهم، فينشأ الأبناء على سماع هذه الألفاظ، ثم يرددونها دون إدراك لخطورتها. وقد بين العلماء أن سبَّ الدين إذا كان موجَّهًا إلى دين الإسلام استهزاءً أو ازدراءً فهو من أعظم الذنوب، بل قد يصل بصاحبه إلى الكفر؛ لأنه طعنٌ في دين الله الذي ارتضاه لعباده، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾.
وقد ذهب جمهور أهل العلم من المذاهب الأربعة إلى أن سبَّ الدين أو الاستهزاء به كفرٌ أكبر مخرجٌ من الملة إذا صدر من صاحبه قاصدًا مختارًا، مستدلين بقوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: 65-66]. وقد نصَّ على ذلك أئمة الإسلام؛ وغيرهم من أهل العلم، مع التأكيد على أن الحكم على شخصٍ بعينه بالكفر له ضوابطه وشروطه التي يقررها أهل العلم والقضاء الشرعي .
وللأسف، أصبح سبُّ الدين عند بعض الناس مجرد شتيمة تقال عند الغضب، أو مزاحًا بين الأصدقاء، أو حتى كلمة يرددها الأطفال في البيوت والشوارع والمدارس. بل إن بعض الآباء يفرح إذا نطق طفله بهذه الألفاظ بحجة أنه بدأ يتكلم، ولا يعلم أنه يغرس في قلبه ولسانه أمرًا في غاية الخطورة.
فينبغي للمسلم أن يعلم أن هذه الألفاظ ليست بالأمر الهيِّن، وأن من وقع فيها فعليه أن يبادر بالتوبة النصوح، والندم الصادق، والإقلاع عن هذا الذنب، وأن يجدد إيمانه بالنطق بالشهادتين إن كان قد تلفظ بما يقتضي الردة عند أهل العلم،مع الإكثار من الاستغفار والعمل الصالح.
وكيف يجرؤ إنسان على سبِّ دينٍ ضحى من أجله الأنبياء والصالحون؟! إنه الدين الذي أوذي رسول الله ﷺ في سبيل تبليغه، وشُجَّ رأسه، وكُسرت رباعيته، وأُخرج من وطنه، وهاجر وترك أهله وبلده من أجل أن يبلغ رسالة ربه.
وهو الدين الذي قال فيه النبي ﷺ حين عرضت عليه قريش أن يترك دعوته: «والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يُظهره الله أو أهلك دونه».
فكيف بعد ذلك يرضى مسلم أن يتلفظ بكلمة تطعن في هذا الدين العظيم؟!
وهناك ظاهرة أخرى ينبغي التنبيه إليها، وهي سبُّ الديك؛ فقد نهى النبي ﷺ عن ذلك بقوله: «لا تسبوا الديك؛ فإنه يوقظ للصلاة»، لما فيه من التذكير بطاعة الله وإيقاظ الناس لصلاة الفجر.
وكذلك من الأخطاء التي يقع فيها بعض الناس سبُّ أصحاب الديانات الأخرى بطريقة تؤدي إلى أن يقابلوا ذلك بسبِّ دين الإسلام، وقد نهى الله سبحانه وتعالى عن هذا فقال: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾.
ومن أخطر آثار سبِّ الدين أن الإنسان إذا وقع في الكفر -والعياذ بالله- ثم لم يتب، بطلت أعماله حتى يعود إلى الإسلام بالتوبة الصادقة، ولذلك فإن الأمر عظيم وليس بالهين.
فينبغي لنا أن نربي أنفسنا وأبناءنا على تعظيم دين الله، وحفظ ألسنتنا من الألفاظ المحرمة، وأن نحذر من التساهل في مثل هذه الكلمات، فإنها قد تهوي بصاحبها في المهالك، وتجلب عليه سخط الله، وتحرمه بركة الطاعة، وتكون سببًا في انتشار الفساد بين الناس.فلنتق الله في ألسنتنا، ولنحفظها من كل ما يغضبه، ولنبادر إلى التوبة والاستغفار، ولننهَ عن هذه الظاهرة الخطيرة بالحكمة والموعظة الحسنة، حتى يسلم المجتمع من شرها، ويحفظ الناس دينهم وإيمانهم.
والله تعالى أعلى وأعلم.
مجلة روح الاسلام فيض المعارف