شدة اخلاص الوهابية للانجليز

اعداد الاستاذ / سيد حسن الأزهرى

المقال الخامس والعشرين من سلسلة ( الوهابية فكراً وممارسة )

كتاب للدكتور محمد عوض الخطيب

إن دور ابن سعود في خدمة السياسة البريطانية بعد الحرب كما أثناءها لم يقتصر على الجزيرة العربية، بل هو تجاوزها إلى الدول العربية والعالم الإسلامي ، وهي السنة التي سيسير عليها أولاده في خدمة المصالح الأميركية في أنحاء مختلفة من العالم.

ففي سنة ١٩٢٢ كما ذكر السيد عبد الرزاق الحسني [ في كتابه و تاريخ الوزارات العراقية ] وعندما عجزت بريطانيا عن إكراه العراقيين على قبول الانتداب البريطاني ، حركت ابن سعود للإغارة على أطراف عشائر المنتفك ليلة ۱۱ آذار وذلك بقصد دفع العراقيين إلى الارتماء في أحضان بريطانيا كي تحميهم من ابن سعود.

وفي سنة ١٩٢٥ كان الإنكليز هم المخططين للهجوم الوهابى على شرقي الأردن كما يقول فيلبي نفسه . فقد جاء في كتاب وتاریخ آل سعود ، لمؤلفه ناصر السعيد عن لسان فيلبي قوله : “كنت بالأردن قبل مجيء جلوب إليها ، وكان عبد الله بن الحسين صعب المراس نسبياً بعد أن أخرجناه وعائلته من الحجاز وجئنا بصديقنا عبد العزيز آل سعود، ونفينا والده الشريف (حسين) وإخوته”.

“وقد أثرت هذه العوامل على نفسيته إلا أنه كان معزولاً ولم يزل يعتبر نفسه أعلى مني ومن عبد العزيز طبقة ووظيفة ومقاماً وأنه لا يزال أميراً وحاكماً … ولما رأيت منه مثل هذه البوادر أردت أن يكون ترويضه على يدي ، فأمرت عبد العزيز آل سعود بإرسال مجموعة من «الإخوان» البدو من ناحية قريات الملح لمطاردة عبد الله بن الحسين وقتله . كما طلبنا من ابن عدوان أن يثور من داخل الأردن على عبد الله بن الحسين … فقتلوا بأسلحتهم الحديثة بضعة آلاف من قبائل البلقاء وقبائل الحويطات وبني صخر ومن بينهم العديد من الأطفال والنساء ، وما علمت بعد ذلك إلا وعبد الله بن الحسين يربط حقائبه استعداداً للهرب من الأردن . ولما سألته إلى أين وجهته قال: سأذهب إلى جهنم ، أبعدوني إلى المنفى مع والدي ما دمتم لا تريدون حمايتي … فقلت لعبد الله : لقد عارضتني عندما قلت لك : عليك أن لا تساعد الثوار اللاجئين الحجازيين ضد آل سعود وعارضتني حينما قلت لك إن لليهود كل الحق في أن يحكموا فلسطين …. ولما اعترف عبد الله بأن سوء تفاهم قد حصل ، ولما تمادى السعوديون وقبيلة ابن عدوان، أمرت بإرسال قواتنا لتسحق جنود الإخوان السعوديين”.

وفي سنة ١٩٣٣ ، وعندما عارض الإمام يحيى حميد الدين إمام اليمن فصل عدن وطالب بإلغاء الانتداب الإنكليزي عليها تحرك ابن سعود فهاجم اليمن ليشاغله فمرت المخططات البريطانية بسهولة ويسر.

ولم يتغير موقف عبد العزيز المعلن من بريطانيا على الرغم من دخول الولايات المتحدة الأمريكية على الخط حتى أواخر أيامه .

ففي سنة ١٩٤١ وإبان ثورة رشيد عالي الكيلاني ضد الإنكليز وإنزالهم في البصرة ، قابل ناجي السويدي وزير الخارجية حينذاك عبد العزيز وطلب منه باسم الحكومة العراقية الوقوف إلى جانب الثورة ولكن عبد العزيز رفض رفضاً قاطعاً ، بل هو ندد بالثورة واعتذر بأنه صديق لبريطانيا وأنه ورث هذه الصداقة عن جده فيصل بن تركي.

هذا وقد بلغ نشاط عبد العزيز في الحرب الثانية مسلمي الهند . فقد ذكر الدكتور صلاح العقاد أن ابن سعود أرسل أحد أبنائه ليشجعهم على القتال داخل صفوف الجيش الإنكليزي في العلمين. وعلى مذبح العلاقات مع بريطانيا ضحى ابن سعود بالجيش الذي حقق له الإنتصارات والذي على أكتافه أقام سلطته أي جيش «الإخوان». فقد ثار هذا الجيش على ابن سعود بسبب ارتباطه ببريطانيا بشكل أساسي .

فقد جاء في إنذار وجهه فيصل الدويش ـ القائد الأساسي لجيش الإخوان ـ إلى الحكم السعودي بواسطة الشريف لؤي بن غالب ، حاكم مكة من قبل ابن سعود ، قوله : “لم نأت إلى مكة إلا بعد أن أفهمنا أن في مكة حكماً للشريف كافراً بالدين يركن إلى الإنكليز . وجئنا لإزالة المنكرات والبدع والشرك والحكم الملكي وتحكم الإنكليز في بلد الله الحرام . ولكنا اليوم رأينا قادتنا وكبراءنا أصبحوا يرتكبون البدع والمنكرات والشرك ويركنون إلى الإنكليز”.

وقد حاول فيلبي أن يدفع عبد العزيز إلى التروي في معالجة مسألة «الإخوان» لئلا يدفعهم إلى الثورة المسلحة، ولكن عبد العزيز الذي أبدى عناداً شديداً ، اقتنع بضرورة الإنحناء مؤقتاً للعاصفة.

ثم عقد «الإخوان» مؤتمر الأرطاوية في ٣ رجب ١٣٤٥ (١٩٢٨) . وجاء في المقررات التي اتخذها المؤتمرون :

أولاً : ينكر الإخوان على عبد العزيز بن سعود ركونه للإنكليز وإدخالهم إلى البلاد المقدمة وادعاءه أنهم دخلوا في دين الإسلام، كما ينكر «الإخوان» تنصيب عبد العزيز ملكاً ، فالإسلام يحرم الملكية.

ثانياً : يتكره “الإخوان” إرسال عبد العزيز ولده سعود إلى مصر لعقد اتفاق مع الإنكليز .

ثالثاً : ينكر «الإخوان» على عبد العزيز إرسال ولده فيصل مع فيلبي إلى بلد الشرك لندن لرهن بلاده للإنكليز وتدريبه في دوائرهم .

رابعاً : يقرر الإخوان أنه لا عهد ولا طاعة لعبد العزيز لأنه خان العهد وأخلف الوعد وعمل للمشركين.

وقد رأينا سابقاً نهاية الإخوان وما قام به الإنكليز من أسر قادتهم وتسليمهم إلى عبد العزيز حيث لقوا حتفهم على يديه .

وقد أصبح عبد العزيز أكثر جرأة فيما بعد ولم يعد يخفي ارتباطه بالإنكليز وتقديمه مصالحهم على مصالحه، واستمر على هذا النهج بعد الخلاص من الإخوان، حتى أواخر حياته .