دور الوهابيين فى تمزيق العالم العربى

اعداد الاستاذ / سيد حسن

المقال الرابع والعشرون من سلسلة ( الوهابية فكراً وممارسة )

كتاب للدكتور محمد عوض الخطيب

وفي سنة ١٩١٧ أوفدت بريطانيا حسب ما ذكره ديكسون في كتابه “الكويت وجاراتها” كلا من الكولونيل هاملتون والكولونيل كاتليف أوين ممثلي المخابرات البريطانية في العراق من البصرة إلى نجد لدفع ابن سعود لاستئناف التحرشات بابن الرشيد ، وذلك لدى بدء الزحف على العراق . وقد تم الاتفاق مع ابن سعود على المباشرة بمهمته فور وصول الإمدادات اللازمة وقد تعهدت بريطانيا بتقديم الأموال والأسلحة والمشورة العسكرية . وبناء على الإتفاق حملت بعثة برئاسة جون فيلبي مبالغ طائلة من الجنيهات الذهبية وريالات ماريا تيريزا إلى ابن سعود وكانت موضوعة في صناديق متينة ، في الوقت الذي لم تكن فيه كل موارد ابن سعود تتجاوز المائة ألف ريال إضافة إلى المساعدة السنوية البريطانية البالغة ستين ألف ريال.

وقد سلّم فيلبي عبد العزيز مائة ألف ريال على الحساب للبدء بتجنيد القبائل على أساس أن الأسلحة ستصل لاحقاً.

وقد بدأت كميات الأسلحة تصل تباعاً وكانت دفعة منها وصلت وتبلغ خمسة آلاف بندقية ومائة صندوق ذخيرة . ولما نشبت المعركة ، كان الذي خطط لها فيلبي فلم يجرأ العميل البريطاني حسب ما ذكره خيري حماد في كتابه وعبد الله فيلبي على المشاركة الفعلية خوفاً من مصير شبيه بمصير النقيب شكسبیر ، بل هو اكتفى بمراقبتها من شرفة عالية في برج قريب.

أما عن دور عبد العزيز في إبرام الاتفاق بين الشريف حسين ومكماهون فقد تلخص بالضغط على الشريف مما أجبره على التساهل في شروطه خوفاً على جناحه الشرقي . فقد كتب ابن سعود إلى الشريف يطلب منه أن يقوم بطرد الأتراك من الحجاز وإذا لم يتمكن فسيسير هو بجنود كثيفة إلى الحجاز ويقوم بعمليات طردهم ، على أساس أن كل إنسان فيه دين وحمية عربية أنه يجتهد في جهاد الأتراك وحلفائهم، لأن اليوم والله ما أخبر عدو للإسلام والعرب غيرهم ـ وهو هنا يعبر بصدق عن عقيدته الوهابية.

ولما كشف الروس ما جرى من اتفاقات بخصوص منطقة الشرق الأوسط بين الإنكليز والفرنسيين والصهيونية، من وعد بلفور إلى اتفاقية سايكس – بيكو ، رفض الشريف حسين القبول بهذه الاتفاقات على الرغم من محاولات الرشوة والتهديد من البريطانيين ، الذين كانوا يسعون إلى عقد معاهدة مع الشريف تقدمت حكومة جلالة الملك بمشروعها إليه في ۲۱ تشرين الأول ۱۹۲۱ وقد هوّن مشروع المعاهدة المذكور ضرورة اعتراف الشريف بالانتدابات على العراق وسوريا بما فيها فلسطين التي سهل الانتداب الإنكليزي تسليمها إلى اليهود. كما هون المشروع المذكور اعتراف الشريف بمعاهدات الحماية البريطانية مع ابن سعود والشريف الادريسي وكذلك بحقوق وامتيازات بريطانيا في الحجاز نفسه.

وفي هذا الصدد يؤكد الدكتور صلاح العقاد في كتابه “جزيرة العرب في العصر الحديث ” : « والحق أن معارضته (الشريف) الوطن القومي اليهودي في فلسطين ، وما ترتب على ذلك من رفض توقيع معاهدة فرساي كان من أقوى الأسباب التي باعدت بين الشريف حسين وبين الحكومة البريطانية).

وفي الواقع فإن الإنكليز، رداً منهم على الشريف حسين ، هيأوا الجو لابن سعود للتحرك نحو الحجاز، ولم يكتفوا بالإمدادات العسكرية والمشورة ، بل هم أمنوا التغطية «الشرعية» لابن سعود عن طريق استصدار فتاوى من بعض رجال الدين في البلدان الإسلامية الخاضعة للاستعمار البريطاني .

وبدأ عبد العزيز زحفه في آب (اغسطس) سنة ١٩٢٤ ، وفي أواخر سنة ١٩٢٥ كان الاستسلام النهائي للملك علي ابن الشريف حسين في جدة بعد أن لعب الإنكليز الدور الأساسي في إسقاطه والذي تمثل إلى جانب المساعدة المقدمة لابن سعود ، بتخريب مقومات القوة العسكرية الشريفية ولا سيما الطائرات الحربية التي كانت بحوزتها والتي استطاع العملاء البريطانيون السريون تعطيلها.

وقد أوضح فيلبي أسباب دفع ابن سعود لاحتلال الحجاز وبرر مجازر الطائف بقوله: ( وبعد أن يئسنا من الحسين حركنا جنود الإخوان بقيادة خالد بن لؤي وفيصل الدرويش وسلطان بن بجاد لسفك دماء غزيرة في الطائف لتوقع الرعب في قلوب كافة الحجازيين البادية والحاضرة ، وتوفر بها على بقية المدن الحجازية دماء أخرى إن أمكن الأمر ، وإلا فإن دماء غزيرة لا بد من إراقتها لأن الإنكليز قرروا إسقاط حكم الشريف حسين بأي ثمن بعد أن رفض الأمر والطلبات بإعطاء فلسطين لليهود المشردين المساكين وبعد أن رفض الحسين ما عرضناه عليه بأن يكتفي بالحجاز وحده وأن يغير وجهة نظره في توحيد البلاد العربية كلها تحت حكمه.

 وبسقوط الشريف حسين وزوال ملكه في الحجاز زالت الجهة التي كانت بريطانيا تعهدت لها بإقامة دولة عربية كبرى في شرق البحر المتوسط ، فسقطت الالتزامات البريطانية تبعاً لذلك لأن ابن سعود ـ وهو الذي نفذ إسقاط حكم الشريف بيديه ـ لم يطالب بريطانيا على تنفيذ التزاماتها بحكم حلوله محل الجهة المتعاقدة معها.