رحمة الله الواسعة وظاهرة الانتحار .. الأسباب والعلاج
20 أبريل، 2026
منبر الدعاة

بقلم الدكتور : محمد جاد قحيف
الحمدُ للهِ الرحيم الرحمن ، عظيم الشان ، قوي البرهان ، صاحب العزة والجبروت ، والملك والملكوت ، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له ، إِلهٌ رحيمٌ كثيرُ الإِنعَام، ورب قدير شديد الانتقام ،بحكمته ورحمته تتعاقب الليالِي والأيَّام،
(وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ)[الشُّورَى: 28]..
وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبدُه ورسولُه صلوات الله وسلامه عليه الرحمة المهداة ، والنعمة المزداة والسِّراج المُنير ، وعلى صاحبه أبي بكرٍ السابق إلى الإِسلام، وعلى عمَرَ الَّذِي إذا رآه الشيطانُ هَام، وعلى عثمانَ الَّذِي جهَّزَ بمالِه جيشَ العُسْرةِ وأقام، وعلى عليٍّ الْبَحْرِ الخِضَمِّ والأسَدِ الضِّرْغَام، وعلى سائر آلِهِ وأصحابِه والتابعين لهم بإِحسانٍ على الدوام، وسلَّم تسليماً.
وبعد : فلقد ابتليت الأمة بنكبات كثيرة علي مر الأزمان والدهور إلي يومنا هذا ، وأشد أنواع النكبات التي تبتلي بها الأمة أن يتسرب اليأس والقنوط إلي القلوب ، وتفرغ القلوب من الأمل والرضا واليقين ، فيتخلص الشخص من حياته عن طريق الانتحار وإزهاق النفس ..
وتعد جريمة الانتحار من أبشع الجرائم علي الإطلاق ..
وتشير منظمة الصحة العالمية أن كل نصف دقيقة تقريباً حالة انتحار في العالم ( حالة انتحار كل ثلاثين ثانية فقط )، وأن نحو مليون شخص يموتون في العالم من جراء الانتحار سنويا بين الأفراد الذين تتراوح أعمارهم مابين 15 و 44 عاما..
كما تشير التقارير المختصة إلى تزايد نسب الانتحار في دول العالم العربي والإسلامي خلال السنوات الأخيرة بشكل يدعو إلى القلق، بعدما كانت هذه الظاهرة متفشية أكثر في الدول الغربية، انتقلت هذه الظاهرة للاسف الشديد في مجتمعاتنا العربية والإسلامية وبحسب دراسة أجريت من طرف أطباء نفسانيين، فإن نسب الانتحار ارتفعت بشكل هائل ..
وفي بلدنا مصر حفظها الله، أصبح الوضع خطيرا، منذ أيام قليلة نشرت وسائل الإعلام المختلفة ما حدث لرجل شنق نفسه على سور الكومسيون الطبي في دمياط..
وآخر شنق نفسه فى شقته في نفس المدينة..
وسائق شنق نفسه على كوبرى شبرا المظلات..
وامرأة انفصلت عن زوجها ألقت نفسها من الدور الثالث عشر فى اسكندرية بالصوت والصورة وغيرها من الحالات ..
والانتحار: هو قتل الإنسان نفسه ، بأي شكل من الأشكال مثل الشنق ،أوالحرق، أوتناول السموم ، أو تناول جرعة كبيرة من المخدرات ، أو إلقاء نفسه من فوق عمارة ، أو في النيل، أو قتل نفسه بمأكول أو مشروب، وذلك لأسباب يعتقد صاحبها معها بأن مماته أصبح أفضل من حياته ..
العنصر الأول :سعة رحمة الرحمن
لقد وصف الله نفسه بصفة الرحمة في آيات كثيرة في القرآن الكريم ، فهو سبحانه أرحم الراحمين، و خير الراحمين وذو رحمة واسعة …
ويكفي الرحمة شرفا وقدرا أنها صفة من صفات الله -عز وجل-، يتضمنها اسمه سبحانه: الرحمان، واسمه: الرحيم. فهو رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما..
قال ابن الأثير -رحمه الله تعالى-: في أسماء الله -تعالى-: “الرّحمن الرّحيم” وهما اسمان مشتقّان من الرّحمة… وهما من أبنية المبالغة ورحمن أبلغ من رحيم. والرّحمن خاصّ بالله لا يسمّى به غيره، ولا يوصف. والرّحيم يوصف به غير الله -تعالى-، فيقال: رجل رحيم، ولا يقال: رحمن. والرّحمة من صفات الذّات لله -تعالى- والرّحمن وصف، وصف الله -تعالى- به نفسه وهو متضمّن لمعنى الرّحمة.
ومما جاء في القرآن الكريم عن سعة رحمة الرحمن الرحيم..
قوله تعالى:
{قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُل لِلّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ..} الأنعام /١٢.
وقوله جل شأنه :{ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ } الأعراف/١٥٦..
وقوله جل وعلا :{وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ}الأنعام /١٣٣.
وقوله سبحانه:{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ }.الزمر/٥٣..
وقال تعالى: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ) [غافر:7]..
و في السنة النبوية الشريفة كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كثيراً ما يحدث أصحابه عن رحمة ربه وعن مظاهرها التي تتجلى في هذا الكون الفسيح، وذلك حتى يهذب نفوسهم ويزكيها، ويدعوهم إلى الأمل والتفاؤل وحسن الظن بخالقهم -سبحانه وتعالى- وحتى يحسنوا العمل ويتراحموا فيما بينهم، وكان يستغل الأحداث والمواقف ليذكرهم بها، فقد قدِم على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بسبْيٍ ، فإذا امرأةٌ من السَّبيِ تسعَى ، إذ وجدت صبيًّا في السَّبيِ فأخذته وألصقته ببطنِها وأرضعته ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ” أترون هذه طارحةً ولدَها في النَّارِ ؟ قلنا : لا واللهِ ، وهي تقدرُ أن لا تطرحَه ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : اللهُ أرحمُ بعبادِه من المرأةِ بولدِها”. أخرجه الإمام البخاري..
وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( جعل اللهُ الرحمةَ مائةَ جُزءٍ ، فأمسك عنده تسعةً وتسعين جزءًا ، وأنزل في الأرضِ جزءًا واحدًا ، فمن ذلك الجزءِ تتراحمُ الخلقُ حتى ترفعَ الفرسُ حافرَها عن ولدِها خشيةَ أن تُصيبَه ) (متفق عليه)..
وفي عصرنا بالنظر إلى واقع أمتنا تسلسل اليأس إلى القلوب ، وتحزب الأحزاب على بلاد الإسلام والمسلمين ؛ بسبب بعدهم عن تعاليم دينهم وتفرقهم وضعفهم ، ومع هذا الواقع الأليم بشَّرَنا النبيُّ صلى الله عليه وسلم بانتصارِ الإسلامِ وظُهورِهِ مَهْما تكالبَتْ عليهِ الأعداءُ وتألَّبَتْ عليهِ الخُصومُ؛ فعن تَمِيمِ الدَّارِيِّ رضي الله عنه، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: ((لَيَبْلُغَنَّ هَذا الأمرُ ما بَلَغَ الليلُ والنَّهارُ، ولا يَتْركُ اللهُ بَيْتَ مَدَرٍ ولا وَبَرٍ إلاَّ أدخَلَهُ اللهُ هذا الدِّينَ بِعِزِّ عَزِيزٍ أوْ بِذُلِّ ذَليلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللهُ بهِ الإسلامَ، وذُلًا يُذِلُّ اللهُ بهِ الكفرَ))؛ أخرجَه الإمام أحمدُ وسنده صحيح.
وعن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿تكونُ النُّبُوَّةُ فيكم ما شاء اللهُ أن تكونَ، ثم يَرْفَعُها اللهُ – تعالى -، ثم تكونُ خلافةٌ على مِنهاجِ النُّبُوَّةِ ما شاء اللهُ أن تكونَ، ثم يَرْفَعُها اللهُ – تعالى -، ثم تكونُ مُلْكًا عاضًّا، فتكونُ ما شاء اللهُ أن تكونَ، ثم يَرْفَعُها اللهُ – تعالى -، ثم تكونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً فيكونُ ما شاء اللهُ أن يكونَ، ثم يَرْفَعُها اللهُ – تعالى -، ثم تكونُ خلافةً على مِنهاجِ نُبُوَّةٍ . ثم سكت﴾ . . . يعني اتحاد إسلامي على منهاج النبوة في آخر الزمان .. والحديث أورده صاحب هداية الرواة ، وسنده حسن..
العنصر الثاني : تحريم الإسلام للانتحار:
إن الإسلام يحترم حياة الإنسان، ولا يجعلها ملكًا لصاحبها، ومن هنا لا يملك الإنسان -أيّ إنسان-، ومهما كانت الأسباب، أن يتخلص منها بالانتحار. بل ولا يملك حتى إهمالها، قال -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه البيهقي في السنن: “إن لنفسك عليك حقًّا”. ولا أن يعرّضها للخطر والهلاك..
إننا جميعًا عبيد لله -عز وجل-، لا نملك من أمرنا شيئًا، خُلقنا لما أرادنا الله أن نُخلق، وسنموت حين يريدنا الله أن نموت؛ فقد كُتبت آجالنا قبل أن نخلق ، ولن نموت إلا في الأجل الذي كتبه لنا الله -عز وجل-: (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ)..
ومن هنا فمن يستعجل الموت بقتل نفسه يعد هذا العمل كبيرة من كبائر الذنوب ، وقتل النفس ليس حلاً للخروج من المشاكل التي يبثها الشيطان ، والوساوس التي يلقيها في النفوس ، ولو لم يكن بعد الموت بعث ولا حساب لهانت كثير من النفوس على أصحابها ، ولكن بعد الموت حساب وعقاب ، وقبر وتراب ، وحشر ونشر ، وصراط ، وميزان ، وفي نهاية المطاف إما إلى جنة ، وإما إلى نار وبئس القرار ..
ولهذا جاء تحريم الانتحار بكل وسائله من قتل الإنسان نفسه ، أو إتلاف عضو من أعضائه، أو إفساده، أو إضعافه بأي شكل من الأشكال ، أو قتل الإنسان نفسه بمأكول أو مشروب ..
قال الله -تعالى-: (وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرًا)[النساء : 29-30].
جاء في تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان لابن السعدي رحمه الله: “(وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ) أي لا يقتل بعضكم بعضًا، ولا يقتل الإنسان نفسه. ويدخل في ذلك الإلقاء بالنفس إلى التهلكة، وفعل الأخطار المفضية إلى التلف والهلاك”..
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي (ﷺ)}الذي يخنق نفسه يخنقها في النار والذي يطعنها يطعنها في النار..
رواه الإمام البخاري..
يا من تفكر في أن تتوجه إلى نفسك بقتلها، فتسقط من فوق عمارة، أو من فوق شجرة، أو من فوق جبل، ألم تسمع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من تردى من جبل فقتل نفسه، فهو في نار جهنم يتردى فيه خالدًا مخلدًا فيها أبدًا))؟ يا من تتحسَّى السُّمَّ، وتشرب الأدوية الكثيرة؛ لتتخلص من هذه الحياة التي هي خير لك إذا أطعتَ الله فيها ، خيرٌ لك من الموت ، فالفرج قريب، والفرج قد جاء إن شاء الله، والكرب يزول بأمر الله سبحانه وتعالى – ألم تتذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ومن تحسَّى سُمًّا فقتل نفسه، فسُمُّهُ في يده يتحساه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا))؟ ..يا من توجهت إلى حديدة أو إلى مسمار أو شفرة صغيرة، فقطعت بها وريدك، أو وجأتَ بها في بطنك، ألم تعلم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ومن قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا))..
(متفق عليه)..
وفي الحديث الصحيح الذي جاء في مسند الإمام أحمد، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ خَيْبَرَ فَقَالَ، يَعْنِي لِرَجُلٍ يَدَّعِي بِالْإِسْلَامِ: (هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ)، فَلَمَّا حَضَرْنَا الْقِتَالَ قَاتَلَ الرَّجُلُ قِتَالًا شَدِيدًا، فَأَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، الرَّجُلُ الَّذِي قُلْتَ لَهُ: إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَإِنَّهُ قَاتَلَ الْيَوْمَ قِتَالًا شَدِيدًا، وَقَدْ مَاتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِلَى النَّارِ)، فَكَادَ بَعْضُ النَّاسِ أَنْ يَرْتَابَ، فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ إِذْ قِيلَ: فَإِنَّهُ لَمْ يَمُتْ، وَلَكِنْ بِهِ جِرَاحٌ شَدِيدٌ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ اللَّيْلِ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى الْجِرَاحِ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ، فَقَالَ: (اللهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنِّي عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ)، وفي رواية للبخاري: (حَتَّى جُرِحَ فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَجَعَلَ ذُبَابَةَ سَيْفِهِ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ حَتَّى خَرَجَ مِنْ بَيْنِ كَتِفَيْهِ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ: إِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ ، وَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ).
فاستمع معي بقلبك وعقلك إلى هذا الحديث العجيب المخيف، في صحيح البخاري، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( مَنَ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِى يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِى بَطْنِهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ شَرِبَ سمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِى نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِى نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا)(متفق عليه)..
وَمَعْنَى (يَتَحَسَّاهُ) يَشْرَبهُ فِي تَمَهُّل وَيَتَجَرَّعُهُ، وفي صحيح البخاري، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الَّذِي يَخْنُقُ نَفْسَهُ يَخْنُقُهَا فِي النَّارِ، وَالَّذِي يَطْعُنُهَا يَطْعُنُهَا فِي النَّارِ)..
وعن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه أن رسول الله (ﷺ) قال :﴿ مَن قتل نفسه بشيء في الدنيا عذب به يوم القيامة ﴾ (متفق عليه)..
وخلاصة ما عليه العلماء الثقات أن: من قتل نفسه يأسًا وقنوطًا من رحمة الله سبحانه وتعالى، واستحلالًا للانتحار، وعدم إيمان برحمة الله – فقد كَفَرَ، وخرج من الملة، إلى جهنم أبدا خالدًا مخلدًا فيها أبدًا..
أما من قتل نفسه لما ضاق عليه الحال واضطرته الظروف ، فقصر ولم يستطع أن يمنع نفسه، مات مسلمًا، ويفوض أمره إلى الله سبحانه وتعالى، فقد يعذب في النار، لكن لا يخلد فيها ؛ لأن جهنم لا يخلد فيها إلا من عاش ومات على الشرك بالله ..
قال تعالى: ﴿ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾..
بل إن شريعة الإسلام حذرت من مجرد تمنى الموت
ففي صيح ابن حبان: (لا يتمنينَّ أحدُكم الموتَ لضرٍّ نزل به، فإن كان محسِنًا فإنه يزدَاد خيرًا، وإن كان مسيئًا فيستَعتِب)..
واعلموا أن ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم، ويعفو عن كثير، وأن هذه الشدة واللأواء لا بد أن يفرجها من هو على كل شيء قدير، ولا بد أن يبدّل الشدّة بضدّها، والعسر بالتيسير، بذلك وعد، وهو الصادق السميع البصير، اتقوا الله واطووا مرحلة الحياة بخطى ثابتة، لا يحوّلها عن الإيمان وتعاليم الدين عواصف الفتن، ولا يزحزحها عن الرضاء بقضاء الله وقدره الشدائد والمحن، ولا يخرجها عن الرشاد والفساد استفزازات الشيطان وتسويلاته..
كما حذرنا الله -تبارك وتعالى- من مكائد الشيطان والوقوع فيها ،إذ يزين الشيطان لابن آدم الأفعال القبيحة والتي تنكرها العقول قبل الشرائع، لكن لا يزال الشيطان بالإنسان حتى يورده المهالك (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * )..
[الحشر: ١٧/١٦..هذا في الدنيا وأما في الآخرة فإنه يتبرأ من أتباعه في النار (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ) [إبراهيم: 22]..
لذلك أمرنا الله تعالى أن نحذر منه ونتخذه عدواً، فالعدو لا يُرجى منه خير (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ ) [فاطر: 6] وقال الله محذرا من اتباعه (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ) [النور: 21]..
العنصر الثالث :أسباب انتشار ظاهرة الانتحار..
إن من الأسباب التي تؤدي إلي انتشار ظاهرة الانتحار ما يلي:
١-ضعف الإيمان :
إن من أهم أسباب انتشار ظاهرة الانتحار ضعف الإيمان ؛ لأن الإيمان الكامل الصحيح يفرض على الإنسان الثقة واليقين في الله تعالي، والرضا بقضاء الله تعالى وقدره ، وعدم الاعتراض على ذلك القدر مهما بدا للإنسان من ظروف وأحوال..
ولا شك أن الانتحار لا يخرج عن كونه اعتراضاً على واقع الحال ودليلاً على عدم الرضا به .
وغلبة الظن الخاطئ عند المنتحر أنه سيضع بانتحاره وإزهاقه لنفسه حداً لما يعيشه أو يُعانيه من مشكلاتٍ أو ضغوطٍ أو ظروف سيئة ، وهذا مفهومٌ خاطئٌ ومغلوطٌ وبعيدٌ كل البُعد عن الحقيقة ..
وينتج عن ضعف الإيمان الجزع وعدم الصبر ، والاستسلام لليأس والقنوط وما يؤدي إلى ذلك من الهواجس والأفكار والوساوس.
٢ـ المشاكل الاقتصادية:
أغلب حالات الانتحار سببها المشاكل الاقتصادية كالفقر، والبطالة وعدم الحصول على المهن اللازمة على الرغم من الشهادات والمؤهلات، أو فقدان المهنة أو المنزل، وقد أعربت منظمة الصحة العالمية عن خشيتها من أن تؤدي الأزمة الاقتصادية العالمية إلى ارتفاع حالات الانتحار خاصة بعد إقدام بعض رجال الأعمال على الانتحار..
كثيرٌ من الناس قد يقع في ضائقة، وتتكالب عليه الهموم، وتتكاثر عليه الديون، ويفكر في مخرج، ولكن البعض بدل أن يتوجه إلى السماء بالدعاء إلى من يملك مفاتح الفرج والرزق؛ ﴿ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ﴾ [الذاريات: 22، 23] – يفكر في أمور أخرى، فيسد ديونه بالغش والسرقة، أو بالربا، يريد أن يتخلص من الهموم بالانتحار، والتخلص من هذه الدنيا بأكملها، لا يفكر في التوجه إلى العزيز الغفار، غفار الذنوب، وكافي الهموم، الذي يرفع عنك ما لا تتصوره لو توجهت إليه صادقًا، لو توجهت إليه خالصًا..
نَجَمَ ذلك من ضعف في الإيمان، وضعف في التوجه إلى الرحمن، نتج ذلك من جهل في أن الدعاء كالماء للعطشان، وكالدواء للمريض، الدعاء وذكر الله والاستغفار والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم الإكثار منها يكفي الهموم ويغفر الذنوب..
٣ـ الانفتاح الإعلامي:ـ
الانفتاح الإعلامي والثقافي غير المنضبط الذي نعيشه في مجتمعنا المعاصر الأمر الذي دعا إلى تقليد الآخرين والتأثر بهم في كل شأنٍ من شؤونهم ، وهو أمرٌ غيرُ محمودٍ لما فيه من ضياع الهوية واستلابها .
٤ـ المشاكل الأسرية :
قد تؤدي الصراعات الأسرية المتكررة أو الشديدة بين أفراد الأسرة خصوصا في حالات الانفصال ، أو عدم التوافق ، وكذلك عيش الطفل ، أو المراهق مع زوجة أب قاسية ، أو زوج أمّ قاسٍ، أو تعرض الطفل للضرب والإيذاء، أوالحرمان العاطفي بشكل متكرر، أوالإهمال للطفل ، وحاجته النفسية والجسدية، أو تعرّض المراهق للنقد المستمر أوالاستهزاء، وعدم احترام ذاته ومشاعره، وتعليم الوالدين المتدني، وحالات الاغتصاب للنساء ، قد تؤدي جميعها إلى الوصول إلى حالة اكتئاب شديدة، ومن ثم التفكير في الانتحار ، والتخلّص من الحياة.
٥ـ الفشل بكل أنواعه :
يعد الفشل في الحياة من أهم أسباب انتشار هذه الظاهرة ومن ذلك الفشل المالي كالفشل في سداد الالتزامات المالية ،أوالتعرض للخسائر، أوالفشل العاطفي، أو الفشل الدراسي، أوالفشل الاجتماعيّ، أوالفشل المهني كتأمين وظيفة كريمة والمحافظة عليها، أحد الأسباب الرئيسيّة المؤدية للانتحار، وقد أظهرت الدراسات الدولية أن 60 % من حالات الانتحار كانت بسبب الفشل.
الحالة الصحية لها علاقة مباشرة بالاكتئاب، والانتحار، فالمرضى المصابون بأمراض مستعصية الشفاء كالإيدز، والسرطان، أكثر إقبالا على الانتحار، وتتراوح نسبتهم بين 15- 18% من بين المنتحرين، أما المدمنون على الكحول والمخدرات فتصل نسبة انتحارهم إلى 15% وفق آخر الإحصائيات ..
والاكتئاب: يعني (الشعور بالحزن الشديد والتعاسة، والإحباط، والعجز وعدم القيمة، واليأس من الحياة ومن تغيّر الواقع).
حوالي 35% من حالات الانتحار ترجع إلى أمراض نفسية وعقلية كالاكتئاب، والفصام
والإدمان. و65% يرجع إلى عوامل متعددة مثل التربية وثقافة المجتمع والمشاكل الأسرية أو العاطفية والفشل الدراسي والآلام والأمراض الجسمية أو تجنب العار ..
ولكن السؤال المهم هل الانتحار يحل المشاكل الزوجية والاجتماعية أو مشكلة البطالة، أو الفقر، أو السكن..؟ الإجابة بالقطع لا بل ضياع في الدنيا والآخرة..
ألا لعنة الله على أولئك الذين يدفعون الشباب اليائس إلى هذه الجريمة الشنعاء دفعًا؟ لقد جعلوا الانتحار متعةً ونوعًا من اللذّة، وكأنهم يوحون إلى الشباب بالإقدام على هذه الطريقة لتحقيق مطالبهم..
العنصر الرابع : علاج ظاهرة الانتحار:
١ـ التربية الإسلامية والعودة إلى الدين :
إن العودة إلى الدين أوالتدين هي أفضل ، وسيلة للحماية من كل الأمراض النفسية التي تعاني منها البشرية جمعاء ، كما أن العودة للدين الإسلامي الحنيف هي العلاج الأفضل للحماية من هذه الأخطار التي تتهدد مجتمعاتنا وقيمنا. والتربية الإسلامية الشاملة تتلخص في يقظة القلب الدائمة ، فلا نريد يقظة لحظية، بل نريدها يقظة حقيقية تتمكن من القلب لتبدأ معها الحياة تدب في جنباته .
ولقد أجمل آثارها رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما سُئل عن علامات دخول النور القلب فقال ﴿الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل النزول ﴾الطبري ..
وحياة القلب : أي تحرره من أَسر الهوى وانفصاله عنه..
أوبمعنى آخر : انقطاع الحبل الذي يجمع العلائق التي كان القلب مُتعلقًا بها من دون الله كالمال، والجاه ، والناس، التي تحول بينه وبين التعلق التام بالله عز وجل، والالتزام به، والتوجه الدائم نحوه .
هذه الولادة تتم عندما يعلو النور في القلب على الظلمة بصورة كبيرة.
ومن علامات حدوثها:
رقة القلب وسرعة تأثره بالمواعظ، وهبوطه وخشوعه وسجوده لله، وسهولة استدعائه إذا أراد صاحبه استحضاره ..
ومن آثارها كذلك : تحسن ملحوظ في علاقات المرء المختلفة، فيزداد قربه من ربه، وتعلقه به ، وتنقص رغبته في الدنيا بصورة ملحوظة، ويقل طمعه في الناس، ويزداد تشميره نحو الجنة …
ومن آثارها كذلك : راحة البال ، والشعور بالسكينة والطمأنينة ، والسلام الداخلي ..
الحضور القلبي الدائم مع الله، والتعلق الشديد به سبحانه أو بمعنى آخر :
تحقيق قوله صلى الله عليه وسلم عندما سُئل عن الإحسان فقال أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك {متفق عليه ﴾..
وهذا يحدث إذا ما استمر الإمداد الإيماني للقلب، فيزداد فيه النور، حتى يصير قلبًا سليمًا أبيضًا.
والشعور الدائم برقابة الله تعالى ..
وقال (ﷺ) : ﴿لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه ﴾حديث صحيح : أخرجه الطبراني كما في مجمع الزوائد
ومن آثارها كذلك:
التعامل مع أحداث الحياة وتقلباتها المختلفة تعاملًا إيمانيًّا كما قال (ﷺ) :”عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير ، ولا يكون هذا إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له “. رواه الإمام مسلم..
قال جل جلاله:﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ (216){ ]البقرة[؟!
وقال تعالي : وعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا(19).النساء..
والقلب في هذه المرحلة العظيمة يعيش في سعادة عظيمة وعلاقة متينة مع ربه ..
فهو شاكرٌ لأنعمه، صابرٌ على بلائه، راضٍ بقضائه، مطمئنٌ بذكره، في شوق دائم إليه وتوجه مستمر نحوه ..
ألا فليعلم المربون أن غياب الإيمان هو سبب الشقاء والنكد الذي نعيشه اليوم ، ليس أبدا قلة ذات اليد والضعف والظلم هم السبب الأول في كل هذه المشاكل ؛ لذلك وصف لنا النبي صلي الله عليه وسلم هذه النفسية المعذبة قال(ﷺ) :﴿من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله ، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له﴾رواه الترمذي ..
جاء رجل إلى يونس بن عبيد –العابد الزاهد- يشكو فقره وحاجته، فسأله يونس:
أيسرك أن يذهب بصرك، وتُعطى ألف دينار؟ فيجيب الرجل: لا.
أيسرك أن يذهب سمعك، وتُعطى ألف دينار؟ فيجيب الرجل: لا.
أيسرك أن تذهب يداك ورجلاك، وتُعطى ألف دينار؟ فيجيب الرجل: لا.أيسرك أن يذهب عقلك ولسانك، وتعطى ألف دينار؟ فيجيب الرجل: لا. وهناك ضحك يونس، وقال: انظر -إذن- كم معك من عشرات الألوف، من الذهب وأنت تشكو الحاجة؟!
إن نعم الله على الناس أجل من أن تحصى وتعدّ، ولكن الحمق والطمع والجهل، يستر تلك النعم عن كثير من الناس، وصدق الله إذ يقول: (إِنَّ اللهَ لذُو فَضْلٍ عَلىَ النَّاسِ وَلَكَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ)[البقرة:243]..
نري ونسمع من قديم أن أكثر البلاد انتحاراً هي البلاد التي ارتفع فيها مستوى المعيشة، وتيسرت فيها لأبنائها مطالب الحياة المادية، من مأكل ومشرب، وملبس ومسكن ومركب، مع كماليات كثيرة. في إحدى الدول الكبرى كان المواطن فيها يعيش في مستوي من الرفاهية يشبه الأحلام ، ومع هذا المستوي من المعيشة العالي من ناطحات السحاب، ومراكب الفضاء، وتدفق الذهب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ….
كان الناس يحيون حياة قلقة مضطربة، كلها ضيق وتوتر، وشكوى وسخط، وتبرم ويأس. ونتيجة هذا أن يهرب الناس من هذه الحياة الشقية النكدة، عن طريق «الانتحار» الذي يلجا إليه الألوف من الناس، تخلصاً مما يعانونه من عذاب نفسي أليم ..
وانتهى الباحثون والمحللون إلى أن السر وراء هذا الشقاء يرجع إلى أمر واحد هو فقدان «الإيمان»
إن أغنى بلاد العالم تعاني من التعاسة والشقاء وانتشار الانتحار، لم يحقق الغنى لأبنائهم السعادة رأينا من كتابهم ومفكريهم من يقول: “إن الحياة في نيويورك غطاء جميل لحالة من التعاسة والشقاء!”.
٢ـ إعلاء منظومة القيم الإسلامية :
قيام المؤسسات الدينية والتربوية بدورها من أجل إعلاء منظومة القيم الإسلامية العالية؛ لأنها تشمل جميع مظاهر النشاط الحيوي للفرد والمجتمع ، فهي تضبط الفرد وتوجه فكره وسلوكه إلي ما يعود عليه بالخير وتحفزه إلي الارتقاء بنفسه وتحقيق إنسانيته ، وهي التي تعطي المجتمع ملامحه الحقيقية ، وتضبط حركته وترسم له وجهته وغايته ، فيأخذ بيد غيره إلى خالقه ، ويكون قدوة بسلوكه وأخلاقه قبل بيانه ..
لقد عاب النبي (ﷺ) على الذين ينفّرون الناس، ويضعون الناس في موقع الدونية والهزيمة النفسية..
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله (ﷺ) } إذا قال الرجل هلك الناس فهو أهلكهم رواه الإمام مسلم..
فإذا تجردت الحياة البشرية منها لم تعد حياة انسانية أبدا فأي كرامة لحياة لا تصان بالتقوي والأمانة ، وأي قيمة لاجتماع بشري لا تسوده الرحمة والتكافل أو نظام سياسي لا يقوم علي أساس العدل والشوري .
٣ـ إحياء الروح المعنوية عن طريق بث الأمل في النفوس:
الأمل هو روح الحياة..
الأمل : انشراح في الصدر،
و توقع حدوث شيء طيب في المستقبل ربما يستبعد حصوله .
والأمل للأمة كالروح للجسد ، بل روح الحياة بأسرها ، فلولا الأمل ما بني بان بعمد ، ولا غرس غارس ولا حصد ، وما ذاكر طالب ولا اجتهد ..
ولولا الأمل لما تحققت كل الإنجازات التي وصلت إليها البشرية ..
إن الذي يُحبِّبُ إلى المريضِ الدواءَ المُرَّ: أملُهُ في الشِّفاءِ والطُّهْرِ، والذي يدعو المؤمنَ أنْ يُخالِفَ هَواهُ ويُطيعَ مَوْلاهُ: أملُه في الفوزِ بجنَّتِهِ ورِضاهُ، فهوَ يُلاقِي شدائِدَها بقلبٍ مُطْمَئِنٍ، ووجْهٍ مُسْتبشرٍ، وثَغْرٍ باسمٍ، وأمَلٍ عَريضٍ، فإذا حارَبَ كانَ واثِقًا بالنصرِ، وإذا أعْسَرَ لم يَنقطِعْ أملُهُ في تبدُّلِ العُسْرِ إلى يُسْرٍ، وإذا اقترفَ ذنبًا لم يَيْئَسْ مِنْ رحمةِ اللهِ ومغفرَتِهِ أملًا في عفو الله ورحمته..
يا أخي الكريم: “إذا فقدت مالك فقد ضاع منك شيء له قيمة، وإذا فقدت شرفك فقد ضاع منك شيء لا يقدر بقيمة، وإذا فقدت الأمل فقد ضاع منك كل شيء”..
فالأمل إذًا هو إكسير الحياة، ودافع نشاطها، ومُخفف وَيْلاتها، وباعث البهجة والسرور فيها..
ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل! والأمل – قبل ذلك كله – شيء حلو المذاق، جميل المحيَّا في ذاته، تحقق أو لم يتحقق..
يقول الإمام الشافعي رضي الله عنه:
يا صاحبَ الهمِّ إنَّ الهمَّ مُنْفَرِجٌ
أَبْشِرْ بخيرٍ فإنَّ الفارجَ اللهُ
اليأسُ يَقْطَعُ أحيانًا بصاحِبِهِ
لا تَيْأسَنَّ فإنَّ الكافيَ اللهُ
اللهُ يُحْدِثُ بعدَ العُسرِ مَيْسَرَةً
لا تَجْزَعَنَّ فإنَّ القاسمَ اللهُ
إذا بُلِيتَ فثقْ باللهِ، وارْضَ بهِ
إنَّ الذي يَكْشِفُ البَلْوَى هو اللهُ
واللهِ مَا لَكَ غيرُ اللهِ مِن أحدٍ
فحَسْبُك اللهُ في كلٍّ لكَ اللهُ ..
لقد حرم الله تعالي اليأس المؤدي إلي الانتحار ، وندد باليائسين ، واعتبره قرين الكفر ، فقال تعالي قال -تعالى-: (وَلاَ تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَ القَوْمُ الْكَافِرِونَ)[يوسف:87]
وندد بالقنوط واعتبره قرين الضلال فقال تعالي }قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ) الحجر/٥٦.
وأجمع العلماء أنهما من الكبائر بل أشد تحريما، وجعلهما القرطبي في الكبائر بعد الشرك بالله من حيث الترتيب .
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: الكبائر أربع: الإشراك بالله، والقنوط من رحمة الله، واليأْس من روح الله، والأمن من مكر الله.
قال تعالى:﴿وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَؤُوسًا ﴾(83)الإسراء..
واليأس سبب لفساد القلب.
والأمل توأم الإيمان ، قال تعالي : ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾(53)الزمر..
لقد فتح ربك جميع الأبواب أمامك واسمع إليه سبحانه وتعالي في الحديث القدسي الجليل فقد روى الترمذي وغيره عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله (ﷺ) يقول: قال الله: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيك بقرابها مغفرة..
هذا خطاب الله لعباده فإذا كنت عبدا من عباد الله فهذا النداء يخصك ، فلا يتسرب اليأس إلي قلبك ، فيدخل معه الكفر والعياذ بالله ..
صورة مضيئة على طريق الأمل:ـ
هذا سيدنا موسى عليه السلام يخرج ومعه بنو إسرائيل من مصر، ويتبعه فرعون وجنوده، ثم يعترضه البحر أمامه، وفرعون بجيوشه وسيوفه وحرابه من ورائه، فإذا ببعض بني إسرائيل ممن لم يعمر الإيمان قلبه ولم تعظم ثقتهم بالله عز وجل} قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ(61)الشعراء .
لا أمل لنا في النجاة مطلقاً، وجاء رد موسى عليه السلام بقدر ما كان على عظيم الأمل وكماله: قال تعالى :} قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ(62)الشعراء..
وختاماً:ما أحوج مجتمعاتنا اليوم إلى تحصين عقول شبابنا وبناتنا من الأمراض الفكرية التي تستهدفهم، أشد من حاجتنا إلى تحصين أطفالنا ضد الأمراض الوبائية، فصغار السن ومحدودي الثقافة يتأثرون بما تبثه القنوات الفضائية ، ومواقع النت من أفكارٍ وأطروحاتٍ وموضوعاتٍ ، تحث بصورةٍ مباشرةٍ أو غير مباشرة على الانتحار، وتجعل منه حلاً عاجلاً وسريعاً لكثيرٍ من المشكلات النفسية والاجتماعية التي يعاني منها بعض الناس..
ما أحوجنا إلى التربية على الإيمان فإن غياب الإيمان هي حياة الضنك التي يعيشها الكافر (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) [طه: 124] ومن المعيشة الضنكة حياة الاضطراب والقلق والضيق والاكتئاب والأمراض النفسية المختلفة..
إن الله تعالى يقول: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا ) [النساء: 29 – 31]
فعلينا أن نحسن الظن بربنا، ونتوكل عليه ونفوض أمرنا إليه، فهو -والله- أرحم بنا من أنفسنا، ولنحذر الغفلة والبعد عن الطاعة فإنها سببٌ للشقاء والتعاسة، وما كثر القلق والهم والغم إلا لكثرة الذنوب وقلة الطاعات، والبعد عن بيوت الرحمن ، والوقوف بين يديه وقد كان نبيكم إذا حزبه أمرٌ نادى بلالاً: ” أرحنا بها يا بلال” أي بالصلاة..
ما أحوجَنا ونحن في زمن الفتن والغموض إلى عبادة الأمل..
مهما ضاقت بك الاحوال ، وأغلقت امامك الأبواب ثق دائما بفرح الرحمن الرحيم..
وَلَرُبَّ نازِلَةٍ يَضيقُ لَها الفَتى ذَرعاً وَعِندَ اللَهِ مِنها المَخرَجُ · ضاقَت فَلَمّا اِستَحكَمَت حَلَقاتُها · فُرِجَت وَكُنتُ أَظُنُّها لا تُفرَجُ.
ديوان الإمام الشافعي ..
إن أجمل ما في فرج الله أنه يأتي بعد أن تنقطع ڪل الوسائل والأسباب ..
ولا يبقى في قلب العبد إلا الله! فلنلجأ إلى الله الفرد الصمد ، إليه المستند ، وعليه المعتمد ..
ﻻ ﺗﻘﻠﻖ ﻛﺜﻴﺮًﺍ ﻓﺎﻟﺬﻱ ﻛﻔﺎﻙ ﻫﻢ الأﻣﺲ ﺳﻴﻜﻔﻴﻚ ﻫﻢ ﺍﻟﻴﻮﻡ ﻭﻏﺪﺍً، ﻭﺍﻟﺬﻱ ﺭﻋﺎﻙ ﺻﻐﻴﺮًﺍ ، ﻟﻦ ﺗﻌﺠﺰﻩ ﻛﺒﻴﺮًﺍ
قال تعالى: ﴿ ﻭَﻛَﻔﻰ ﺑِﺎﻟﻠَّﻪِ ﻭَﻛﻴﻠًﺎ ﴾.
توكل على الله وفوض أمرك إليه ، وتمسك بحبل الله المتين ،يفتح لك أبواب الخير والسعادة والرضا ..
اللهم يا رحمنَ الدنيا والآخرة ورحيمَهما ارحمنا وارحم إخواننا المستضعفين رحمة تُغنينا بها عن رحمة مَن سواك، وارحمنا بترك المعاصي أبدًا ما أبقيتنا..
ارحمنا فإنك بنا راحم ولا تعذبنا فأنت علينا قادر ولا تعذبنا فأنت علينا قادر وألطف بنا فيما جرت به المقادير يا رب العالمين..
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر..
واللهم اقضِ الدين عن المدينين، ونفِّس كرب المكروبين برحمتك يا أرحم الراحمين..
وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، ودمر أعدائك أعداء الدين ، من الصهاينة المعتدين ، ومن وقف بجانبهم يا رب العالمين ، واحفظ بلدنا مصر وسائر بلاد المسلمين..