أين الله مما يحدث في العالم؟ (قراءة في قِصر النظر البشري وامتداد الحكمة الربانية)
19 أبريل، 2026
منبر الدعاة

بقلم الدكتور : محمد القاسم
إمام وخطيب بوزارة الأوقاف
دكتوراه في الدعوة الإسلامية
في لحظاتٍ يشتدّ فيها الألم، وتتكاثر فيها صور الظلم والدمار، يندفع السؤال على ألسنة كثيرين: أين الله مما يحدث؟
•• وهذا السؤال ليس مجرد استفسار، بل هو مؤشر على خللٍ في زاوية النظر؛ إذ إن كثيرًا من الناس يقيسون تدبير الله بتدبير البشر، فيحكمون على الأحداث بظاهرها العاجل، وينتظرون من الأقدار استجاباتٍ فورية على قدر تصوراتهم المحدودة، بينما تدبير الله سبحانه قائمٌ على إحاطةٍ لا تُحد، وحكمةٍ تمتد آثارها عبر الزمن، لا عبر لحظةٍ عابرة.
تصحيح زاوية النظر
•• إن الله سبحانه لا يُقاس حضوره بمدى إدراك الإنسان، ولا يُحكم على فعله بظاهر اللحظة.
يقول تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: 103]
فالآية لا تنفي الإدراك البشري فحسب، بل تؤسس لحقيقةٍ أعمق: أن خفاء التدبير لا يعني غيابه، بل يدل على دقته؛ فهو سبحانه يدبّر بلطفٍ، ويجري أقداره في خفاءٍ لا تُحيط به العقول.
إحاطة لا تغيب
•• ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلاۤ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [يونس: 61]
فلا غفلة، ولا انفصال، ولا لحظة تخرج عن إحاطة الله؛ بل كل ما يجري داخل علمٍ محيط، وشهودٍ دائم.
من السؤال إلى الفهم
•• عند هذه النقطة يتحول السؤال من: أين الله؟
إلى سؤالٍ أدق: كيف نفهم ما يجري وفق سنن الله؟
فالقرآن لا يقدّم العالم على أنه عبث وفوضى، بل على أنه مجال امتحان، تُدار أحداثه وفق إرادةٍ نافذة وحكمةٍ ممتدة. قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: 253]
فما يقع ليس خارجًا عن مشيئته، لكنه ليس خاليًا من الغاية.
سنة الابتلاء
•• ومن أعظم هذه الغايات: الابتلاء والتمييز
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: 2-3]
فالفتنة ليست خللًا في النظام، بل هي جزء من بنائه؛ بها يظهر الصادق من المدّعي، ويتمايز الناس على قدر ثباتهم.
الناس أدوات ابتلاء
•• ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ [الفرقان: 20]
فيتحول الظالم – من حيث لا يشعر – إلى أداة اختبار، لا إلى قوةٍ خارجة عن سلطان الله.
الألم لا يضيع
•• ومع ذلك؛ لا يضيع شئ من معاناة المؤمن، ولا تذهب آلامه هدرا، بل تُحفظ بدقة بالغة.
يقول تعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: 120]
إنه ميزان مختلف تمامًا؛ تُحوَّل فيه الخسارة الظاهرة إلى رصيدٍ باقٍ.
تأخير العدل ليس غفلة
.. فلا يترك الظلم بلا حساب، لكن الحساب لا يأتي دائماً في التوقيت الذي يتعجله البشر. يقول تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: 42]
وتتجاوز الحكمة الربانية حدود العمر البشري القصير؛ فاستيفاء الحقوق قد لا يقع في زمن الشاهد، لكنه لا يسقط في ميزان الشهيد. يقول تعالى: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: 46]. فقد يمضي العمر كله دون أن يرى الإنسان تمام الحكمة، ومع ذلك فهي واقعة لا محالة؛ فليس كل ما يقع يُرى، وليس كل ما يُرى هو كل ما يقع.
فالتأخير ليس إهمالًا، بل استيفاءٌ كاملٌ للعدل في مشهدٍ أوسع. وقد بين النبي ﷺ دقة هذا العدل في بيان لا يترك مجالا للريبة، حيث قال: «لَتُؤَدُّنَّ الحقوقَ إلى أهلها يوم القيامة، حتى يُقادَ للشاةِ الجلحاءِ من الشاةِ القرناء». مسلم (2582)، الترمذي (2420)
فإذا كان هذا هو عدل الله في الحيوان البهيم، فكيف عدله في الإنسان الجليل المكرم؟!
نموذج قرآني
•• وأبرز نموذجٍ قرآنيٍّ يجلي هذا المعنى: قصة يوسف عليه السلام.
تتابعت عليه صورٌ من الألم لو نُظر إلى كل واحدةٍ منها منفصلة لبدت ظلمًا خالصًا: إلقاءٌ في الجب، وبيعٌ بثمنٍ بخس، وفتنةٌ في بيت العزيز، ثم سجنٌ بغير جرم.
ولو توقفت القصة عند أي مرحلةٍ من هذه المراحل لبقي السؤال بلا جواب.
لكن اكتمال المشهد يكشف أن كل تلك الأحداث لم تكن فوضى، بل كانت حلقاتٍ في تدبيرٍ محكم ساقه الله بلطفٍ خفيٍّ نحو غايةٍ عظيمة.
حتى إذا انكشف المعنى جاء التقرير الجامع: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: 100]
فاللطف هنا ليس مجرد رحمةٍ ظاهرة، بل تدبيرٌ خفيٌّ يُدار به مسار الأحداث لتلتقي في نهاية واحدة يريدها الله جل جلاله.
والعلم والحكمة هما الإطار الذي يجعل ما يبدو اضطرابًا وتناقضا في نظر البشر نظامًا دقيقًا في ميزان القدر.
حجب الغيب جزء من الامتحان
.. حيث يبقى أصلٌ منهجيٌّ يغيب عن كثيرٍ من الناس، وهو أن الله سبحانه لم يُطلع العباد على الغيب، ولم يكشف لهم مآلات الأقدار وهم في قلب الحدث، بل اقتضت حكمته أن يعيشوا الامتحان دون أن تنكشف لهم نهاياته؛ يقول تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [آل عمران: 179]
فلو كُشف الغيب لسقط معنى الابتلاء، ولكن اقتضت الحكمة أن يُحجب المآل ليظهر صدق الإيمان في التعامل مع الواقع قبل انكشاف نتائجه.
مآل التاريخ
•• هنا يفتح القران أفقًا يتجاوز اللحظة الراهنة إلى مآل التاريخ كله. يقول تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: 5]
فالمشهد لا يُقاس بلقطةٍ واحدة، بل بمسارٍ ممتد تكون العاقبة فيه للحق الذي يراه رب العالمين.
وبعد؛
•• سؤال (أين الله مما يحدث؟)
لا ينشأ من غياب التدبير، بل من ضيق زاوية النظر والإدراك البشري.
فالله سبحانه حاضرٌ بعلمه، محيطٌ بخلقه، نافذٌ أمره، لكن سننه تجري على امتدادٍ لا على استعجال، وعلى حكمةٍ لا على هوى، وعلى تدبيره جل وعلا، لا على قياسات تدابير البشر القاصرة.
ليست المشكلة في خفاء التدبير، بل في عجز الإنسان عن قراءة مساره كاملًا.
وحين تتسع الرؤية، يتبدل القلق إلى يقين، والاضطراب إلى فهمٍ أعمق لحكمةٍ لا تخطئ، ولطفٍ لا يغيب.